في هذا الحوار، يناقش الأستاذ أمير نادي (متداول ومدرّب بخبرة تقارب عشر سنوات)، والأستاذ محمد هاني (متداول سابق وصانع محتوى معارض للتداول)، والشيخ خالد زكي (إمام وخطيب وداعية أزهري حاصل على ماجستير في الشريعة) سؤالًا يطارد كثيرين: هل الفوركس طريقٌ للاستثمار، أم بوابةٌ للوهم والخسارة؟
تبدأ الإشكالية من الصورة التي تُسوَّق على نطاق واسع: “الفوركس هو المصدر السريع للثراء”، “أرباح 500% في الشهر”، “أنا ركبت الفيراري لأن الفوركس غيّر حياتي”. هذه العبارات—كما يرى الضيوف—لا تعكس واقع السوق بقدر ما تُصدّر حلمًا مغريًا، يُدغدغ طموح الناس، ويستدرج المبتدئ إلى مخاطرة لا يفهم أدواتها ولا شروطها.
يشرح الأستاذ أمير نادي مفهوم الفوركس ببساطة: هو تداول عملة مقابل أخرى (زوج عملات)، مثل الجنيه المصري مقابل الدولار، حيث لا تُباع العملة وحدها بل ضمن زوجٍ تحكمه حركة العرض والطلب. ويؤكد أن سوق الفوركس لا مركزي، تتحرك فيه بنوك مركزية وبنوك كبرى وصناديق استثمار، وأن السيولة اليومية فيه تُقدّر بترليونات الدولارات، ما يجعله من أضخم الأسواق العالمية. لكنّه يلفت إلى نقطة محورية: هذا السوق في الأصل صُمّم للمؤسسات الكبيرة، لا للأفراد، ومن هنا ظهرت شركات الوساطة التي فتحت “باب الدخول” للأفراد عبر منصات التداول.
ثم ينتقل الحوار إلى سؤال جوهري: هل المتداول “يمتلك” الأصل فعلًا أم يراهن على حركته؟ هنا يوضح الأستاذ محمد هاني أن كثيرًا من تداولات الأفراد تتم عبر ما يسمى عقود الفروقات (CFD)؛ أي إن المتداول لا يحوز الذهب أو النفط أو العملة حيازةً حقيقية، وإنما يربح أو يخسر بناءً على فرق السعر. ويضيف أن هذا الشكل—حين يقترن بممارسات غير شفافة—قد يقترب في نظره من القمار أو الاحتيال المقنّع، خاصة عندما يُغرى المبتدئ بأنه يستطيع تحويل 100 دولار إلى 10,000 دولار بسرعة غير واقعية.
ويزداد الجدل حين يتطرق الحوار إلى دور “البروكر” (شركة الوساطة). فالأستاذ أمير يشرح أن للوسيط مكسبًا ظاهرًا مثل السبريد (الفرق بين سعر الشراء والبيع) أو عمولة تنفيذ في بعض الحسابات، تمامًا كما تربح الصرافة من فارق السعر. لكنه يعترف أيضًا بواقع موجود في السوق: بعض الشركات قد تُصنّف العملاء وفق خبرتهم، وتضع بعضهم في بيئة تنفيذ داخلية (تشبه المحاكاة) بدل تمرير الصفقات للسوق، وقد تربح من خسائر العميل. ويؤكد أن هذه الممارسات تنتشر أكثر عندما تكون التراخيص ضعيفة والرقابة رخوة، بينما تقلّ مع الهيئات الرقابية الأقوى.
الرافعة المالية، “الحساب الإسلامي”، والميزان الشرعي للمخاطر
من أكثر النقاط حساسية في الحوار: الرافعة المالية. يشرح الأستاذ أمير أنها تمنح المتداول “قوة شرائية” أكبر من رصيده، فيبدو قادرًا على فتح صفقات أكبر من ماله الحقيقي. وهي—كما يصفها—سلاح ذو حدين: قد تضاعف المكسب، لكنها قد تسرّع الخسارة أيضًا، حتى إن خسارة رأس المال يمكن أن تقع خلال دقائق أو ثوانٍ عند سوء الإدارة أو تقلبات السوق. ويقرّ الجميع تقريبًا بأن الرافعة سبب رئيسي في خسارة أغلب الداخلين الجدد، وأن الغالبية لا تدخل بعقلية استثمارٍ هادئ، بل بعقلية “تعويض” أو “انتقام” من خسارة سابقة، أو بدافع حلم الثراء السريع الذي يغذيه التسويق.
ثم تأتي مسألة رسوم التبييت (Swap): وهي رسوم تُفرض عند إبقاء الصفقة مفتوحة لليوم التالي في كثير من المنصات. يرى المعارضون أن هذا النوع من الرسوم غالبًا ما يُشبه في معناه “غرامة/زيادة” مرتبطة بالزمن، ويثير إشكالات شرعية، خصوصًا إذا كان داخلًا في عقدٍ يتضمن أصلاً شبهة قرض أو منفعة مشروطة، أو كان المتداول لا يحوز أصل السلعة أصلًا. ويشير الأستاذ أمير إلى أن بعض الشركات تعرض “حسابات إسلامية” لإلغاء السواب، لكنها قد تعوض ذلك برفع السبريد أو بطرق تسعير خفية، ما يجعل الحكم مرتبطًا بتفاصيل العقد وبنود الشركة لا بالشعار التسويقي.
هنا يتدخل الشيخ خالد زكي ليضع إطارًا شرعيًا عامًا: التداول في أصله ليس حرامًا بإطلاق ولا حلالًا بإطلاق، بل يدور مع الضوابط. ويؤكد أن من أهم ما نهى عنه الشرع: الغرر والجهالة (عدم وضوح حقيقة المعاملة ومآلاتها)، والجمع بين عقدين على وجه محرم، وبيع ما لا يملك الإنسان، مستشهدًا بمعاني أحاديث تُفهم منها قواعد عامة مثل النهي عن “سلف وبيع” وعن بيع ما ليس عند الإنسان، وأن المال لا يحل إلا بطيب نفس وبعقد واضح.
ويشدّد الشيخ على أن موافقة العميل على المخاطرة لا تجعل المحرم حلالًا؛ فليس كل ما يرضى به الإنسان يصبح جائزًا شرعًا، وإلا لكان القمار والربا مبررين بمجرد الرضا. كما يلفت إلى أن الذهب—إن كان محل التداول—له أحكام خاصة في الشريعة، أبرزها اشتراط التقابض (حقيقيًا أو حكميًا) في بيع الأموال الربوية عند مبادلتها، وأن كثيرًا من صيغ التداول الحديثة لا تحقق معنى القبض المعتبر.
وفي ختام النقاش تتضح الفكرة الكبرى: المشكلة ليست في “فكرة التداول” وحدها، بل في المنظومة الواقعية التي يعيش فيها المتداول الفرد: تسويق مبالغ فيه، ووعود خيالية، وأدوات عالية المخاطر، وبيئة قد تختلط فيها الشفافية بالتمويه. ولذلك، ينتهي الحوار إلى موقف أقرب للتشدد الاحترازي: إن كانت المعاملة يغلب عليها الغرر، ولا يتحقق فيها تملك معتبر أو قبض معتبر، وتُبنى على رافعة ورسوم تبييت وممارسات تسعير مبهمة، فهي أقرب إلى المنع أو الشبهة الشديدة، أما إن وُجدت صورة منضبطة نادرة بشروط واضحة ورقابة قوية وعقدٍ يخلو من المخالفات، فحينها يُبحث حكمها على التفصيل، لا على الدعاية.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الذي يجب أن يسبق أي “إيداع”: هل أفهم حقًا أين يذهب مالي؟ وما الذي أملكه؟ ومن أين يربح الوسيط؟ وما مخاطر الرافعة؟ وما حقيقة الرسوم؟ لأن سوقًا تُقال فيه وعود “500% شهريًا” لا يحتاج عبقريةً لاكتشاف أنه يبيع حلمًا أكثر مما يبيع معرفة.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيوفنا الأستاذ أمير نادي والأستاذ محمد هاني والشيخ خالد زكي

لا تعليق