تأتي هذه الحلقة في سياق مناقشة فكرية عامة لعدد من القضايا التاريخية والعقدية المرتبطة بالفتن الطائفية في التاريخ الإسلامي، وهي قضايا طُرحت مؤخرًا في نقاشات وبحوث معاصرة قدّمها بعض الباحثين والدعاة، ونستضيف فيها د. عبد الله رشدي ود. أحمد حمدي. ولا تهدف الحلقة إلى الرد على أشخاص بعينهم، بقدر ما يسعى إلى مناقشة الأفكار ذاتها، وقراءة جذورها التاريخية ومنطلقاتها الشرعية، بعيدًا عن السجال الشخصي أو الاصطفاف الإعلامي.
الفتن الطائفية في ضوء التاريخ الإسلامي: الجذور والحقائق
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات آخر الزمان كثرة الفتن، وازدياد “الهرج”، وهو القتل، حتى يصبح سفك الدماء أمرًا شائعًا بلا وازع ولا ميزان. وما نشهده في عالمنا الإسلامي اليوم من اقتتال داخلي وصراعات مذهبية دامية، ليس إلا صورة مؤلمة من تحقق هذه النبوءة، حيث تُراق دماء المسلمين بأعداد هائلة، ويُقتل مئات الآلاف باسم الخلاف، بينما تضيع الحقيقة ويُغيب العقل.
لقد واجه المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أول اختبار حقيقي لوحدة الأمة: كيف يمكن الحفاظ على تماسكها ومنع تشرذمها بعد انقطاع الوحي؟ لم يكن السؤال سياسيًا بقدر ما كان وجوديًا، فالأمة التي تركها النبي صلى الله عليه وسلم موحدة على “المحجة البيضاء” كانت مهددة بالافتراق إن لم يُحسن التعامل مع هذا الفراغ القيادي.
اجتمع الصحابة رضوان الله عليهم في سقيفة بني ساعدة، وتوافقوا بعد نقاش ومشورة على تولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم تتابعت البيعة له من عموم المسلمين. وقد كان هذا الاختيار نابعًا من إدراك عميق لضرورة الحفاظ على وحدة الأمة، لا من منطق الصراع أو الإقصاء.
واللافت أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو من هو في القرب والمكانة، بايع أبا بكر، ثم بايع عمر من بعده، ثم عثمان رضي الله عنهم جميعًا، ولم يحمل سلاحًا، ولم يثر فتنة، ولم يدّعِ أن حقه قد سُلب قهرًا. هذه الحقيقة التاريخية ثابتة، بل ومذكورة في مصادر متعددة، بما فيها مصادر شيعية معتبرة، حيث احتج علي رضي الله عنه لاحقًا بإجماع المهاجرين والأنصار، واعتبر اتفاقهم علامة على رضا الله عز وجل.
هذا المسار التاريخي يؤكد أن الخلاف الذي وقع في الأمة لم يكن في جوهره صراعًا على “وصية إلهية”، بل اجتهادًا بشريًا لإدارة شؤون الدولة ومنع الفوضى. ولو كان الأمر نصًا إلهيًا قاطعًا، لما سكت علي، ولا تنازل الحسن، ولا التزم الصحابة جميعًا بهذا المسار.
الخلاف المذهبي بين السياسة والدين… وموقع الأمة من الصراع
مع مرور الزمن، تحوّل هذا الخلاف التاريخي إلى انقسام مذهبي، ثم إلى أداة سياسية استُخدمت لإشعال الصراعات وتغذية الأحقاد. فقد أُعيد تفسير التاريخ بمنطق الثأر لا الفهم، وبعاطفة الخصومة لا ميزان العدل، حتى أصبح بعض المسلمين ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم أعداء أشد من أعداء الأمة الحقيقيين.
إن من أخطر ما نتج عن هذا الانحراف، هو تصوير الخلاف السني الشيعي على أنه صراع وجودي مطلق، بينما الواقع أن جذوره الأولى كانت سياسية أكثر منها عقدية، ثم تضخمت مع الزمن بفعل التوظيف الأيديولوجي والصراعات الإقليمية.
وفي هذا السياق، لا بد من التفريق بين أمرين:
-
الخلاف العقدي والفكري، وهو موجود ولا يمكن إنكاره، وله ضوابطه العلمية.
-
الاقتتال والعداء الطائفي، وهو مرفوض شرعًا وعقلًا، ولا يخدم إلا أعداء الأمة.
لقد أكدت التجارب المعاصرة أن توظيف المذهب في الصراع السياسي يؤدي إلى كوارث إنسانية، كما حدث في أكثر من بلد عربي، حيث قُتل مئات الآلاف، وشُرّد الملايين، تحت شعارات دينية ظاهرها الحق وباطنها الصراع على النفوذ.
وفي المقابل، فإن الموقف الإسلامي الرشيد يقتضي وضوحًا دون ظلم، وعدلًا دون تمييع. فمن جهة، لا يجوز القبول بالطعن في الصحابة أو أمهات المؤمنين، ولا بتكفير الأمة أو ادعاء تحريف القرآن، فهذه أمور تمس صلب الدين. ومن جهة أخرى، لا يجوز أيضًا تكفير الناس بالجملة، أو تحويل الخلاف الفكري إلى مبرر للقتل وسفك الدماء.
وقد قرر علماء أهل السنة قاعدة مهمة: التفريق بين كفر القول وكفر القائل؛ فهناك أقوال تُعد كفرًا من حيث المضمون، لكن لا يُحكم على صاحبها بعينه بالكفر إلا بعد قيام الحجة وانتفاء الشبهة. وهذا ميزان دقيق يحفظ الدين من التحريف، ويحفظ المجتمع من الفوضى.
أما في الصراع مع العدو الخارجي، وعلى رأسه الاحتلال الصهيوني، فإن الموقف الشرعي والإنساني واضح: العداء له أولى وأشد من أي خلاف داخلي. فإذا قاتل مسلم – مهما اختلفنا معه مذهبيًا – عدواً محتلًا ظالمًا، فإن الواجب دعم الحق ودفع العدوان، دون أن يعني ذلك تبرير أخطائه أو تبني أفكاره.
لقد علّمنا القرآن أن الصراع بين الأمم ليس مجرد شعارات، بل ميزان قيم. فقد فرح المؤمنون بانتصار الروم على الفرس، رغم أن الطرفين غير مسلمين، لأن الروم كانوا أقرب إلى أهل الإيمان من المجوس. وهذا يرسخ قاعدة التفريق بين درجات العداوة، وعدم الخلط بين الخصومة الفكرية والعداء الوجودي.
خاتمة: نحو وعي يحفظ الدين ويصون الأمة
إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس الخلاف في ذاته، بل الجهل بحقيقته، واستغلاله لإشعال الفتن. فحين يُربّى الناس على الكراهية بدل الفهم، وعلى الشحن بدل الحوار، يصبح الاقتتال قدرًا متكررًا.
نحن بحاجة إلى وعي تاريخي صادق، يقرأ الوقائع كما هي، لا كما تُوظف. وبحاجة إلى خطاب ديني مسؤول، يرفض التنازل عن الثوابت، لكنه يرفض أيضًا تحويلها إلى وقود للحرب الأهلية.
إن حب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فريضة دينية، واحترام الصحابة أصل من أصول الإيمان، ولا تعارض بين الأمرين إلا في عقول أُشربت الصراع. وإذا كان السلف قد اختلفوا، فقد اختلفوا وهم أعدل وأتقى وأحرص على وحدة الأمة منا.
وفي زمن الفتن، يكون النجاة بالعدل، والبصيرة، والتمسك بالحق دون ظلم، وبالوحدة دون تمييع، وبالوعي دون انخداع. ذلك هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة الدم، والعودة إلى معنى الأمة الذي أراده الله ورسوله.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيوفنا د.عبد الله رشدي و د.أحمد حمدي

لا تعليق