حين يتكلّم الأثر تصمت الثروات|قادة يصنعون الأثر، ومديرون يدفنون الفِكر مع فهد الهوتي

حين يتكلّم الأثر تصمت الثروات|قادة يصنعون الأثر، ومديرون يدفنون الفِكر مع فهد الهوتي


في هذا الحوار الحي مع رائد الأعمال العُماني فهد الهوتي، يتكرّس معنى “الأثر” بوصفه البصمة التي تبقى بعد انقضاء كل ضجيج الثروة. فالهوتي يذكّرنا أن النجاح ليس خطًا مستقيمًا، وأن ما نراه فوق سطح “جبل الجليد” لا يكشف عمّا تحته من سهرٍ وتجارب وإخفاقاتٍ وصبر. جوهر الرسالة بسيط وعميق معًا: ابنِ أثرًا يتجاوز مال اليوم إلى قيمة الغد، فالثروة جزء من الأثر، وليست الأثر كله.

من الشغف إلى الطريق: لماذا نفعل ما نفعل؟

يروي الهوتي أنّ بوابة الإنجاز تبدأ من سؤال الرسالة: “لماذا أنا هنا؟ وما الذي أحب أن أفعله ولو بلا مقابل؟”. الشغف هنا ليس رومانسية عابرة؛ علاماتُه واضحة: تذوب ساعات العمل، وتُؤجَّل الوجبات، وتتحول المهارة بالممارسة إلى “عادة” مستقرة في اللاوعي. بهذا الفهم الواقعي، يصبح تطوير الذات خطةً عملية: تعلّم، جرّب، أخطئ، ثم عُد لتصحّح وتُتقن.

القيادة التي لا تكتفي بالشعار: موقفٌ قبل أن تكون نمطًا

يُميّز الهوتي بين “القائد” الذي يصنع قادة و“المدير” الذي يجمع موظفين. ويستشهد بالقيادة الموقفية: لا يوجد نمط صحيح دائمًا؛ الصواب هو ما يوافق احتياج الفريق في اللحظة. قد تكون مدربًا أو مخططًا أو محفّزًا أو مفوّضًا—لكن الحكمة أن تغيّر قبعتك حين يتغير الموقف. لذلك يطرَح أهمية أدوات القياس السلوكي (نموذج DISC) في التوظيف وبناء الفرق، لأنها ترفع احتمال الملاءمة، وتقلّل كلفة التجربة العشوائية.

التخطيط الاستراتيجي… “السيف” يحتاج إلى ساعد

التخطيط الاستراتيجي ليس وثيقة مثالية تُركَن على الرف، بل أداة تُمارَس. يشبّه الهوتي الخطة بالسيف: قد يكون حادًا، لكن دون ساعدٍ قوي يظلُّ قطعة فولاذ. هنا تظهر نصيحة عملية: لا تُقَيِّم الخطة بكمّ الإنجاز فقط، بل بكيفه. إن تحقق 30% من رؤية بعيدة المدى بطريقة تُحسّن حياتك وتزيد صلابتك، فهذا نجاح معتبر. كما يدعو إلى “غربلة سنوية” للخطة وإضافة سنة جديدة كل عام بدل إعادة البناء من الصفر.

الادخار الذكي: من 15% إلى حريةٍ مالية

يطرح الهوتي قاعدة 15–85: اقتطع 15% من دخلك أولًا للادخار طويل الأجل، وتعامل مع الـ85% كأنها 100% تُوزّع إلى 50/30/20 (أساسيات/احتياجات متغيرة/احتياطي). التحويش النقدي وحده ليس حلًا؛ التضخم يأكل القيمة. المدخل الأذكى تحويل الادخار إلى أصولٍ منتجة أو استثماراتٍ طويلة الأجل بأسهمٍ وسنداتٍ وصناديقٍ متزنة، حيث يعمل عامل الزمن والتراكب (Compounding) لصالحك. ليست الفكرة أن تصبح مليونيرًا في سنة، بل أن تتراكم حريتك المالية تدريجيًا، خاصةً لتلبي التزامات الخمسينيات وما بعدها بكرامة وطمأنينة.

الوقف والعطاء والمعنى: اقتصاد الأثر

الأثر عند الهوتي عطاءٌ مؤسسيٌّ مستدام. لذلك يربط بين العلم والوقف والحوكمة وجودة المعرفة. الوقف ليس مجانًا ولا عشوائيًا؛ هو رأس مالٌ يُدار باحتراف لتصبّ عوائده في تعليمٍ وتمكينٍ وتدريبٍ ينهض بالمجتمع. بهذا التفكير يتحول حديث “اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى” إلى برنامج عمل: قوّة اقتصادية فردية تُغذّي منظومة العطاء بدل أن تُقصيها.

ثقافة التمكين: لا تُربِّ القِرَدة في مكتبك!

يحذّر الهوتي من “قانون القِرَدة”: تلك المهمات التي يحملها المدير عن الجميع فتستوطن مكتبه وتخنق وقته. الحل هو التفويض وحدود الصلاحيات والتمكين المدروس: حدد الهدف والمعايير واترك الوسيلة، واصنع بدائل بشرية جاهزة لسد أي فجوة. التمكين الحقيقي يعني أن تغيب فلا تتعطل المنظومة، وأن تُقاس القيادة بقدرتك على إنبات قادة، لا بتورّم جدولك.

الثقة ثم الكفاءة ثم التحسين المستمر

بناء الأداء يبدأ بثقةٍ في الذات تُدعَم بالمهارة، وثقةٍ في موجّهين ذوي خبرة. بعد الثقة تأتي الكفاءة: تقليل الوقت والجهد والكلفة مع زيادة المخرجات. ومع التدريب المستمر ترتقي المنظمة من ردّ الفعل إلى المبادرة. هذه السلسلة (ثقة → كفاءة → تحسين) هي محرك واقعي لأي نقلة نوعية.

معنى الرزق… توكّلٌ لا تواكل

يقدّم الهوتي قصة “الطائر الجريح والطائر الصحيح” ليؤكد أن الرزق مشروط بالسعي. التوكّل حركةٌ واعية: “اعقلها وتوكّل”، لا “اتركها وتوكّل”. ولأن الأقدار تُدار بحكمةٍ لا نحيط بها، فإن ظواهر الشر قد تحمل باطن الخير والعِوض، شرط ألا نتقاعس عن الأخذ بالأسباب.

لا تسمع كلام محاسب

الجملة صادمة ومقصودة. يوضح الهوتي—وهو محاسب بالأصل—أن وظيفة المحاسب ضبط الحسابات والامتثال والتقارير، لا اتخاذ القرارات الاستثمارية والتمويلية العليا. حين تعتمد المنشأة على “رأي المحاسب” في كل ما يتصل بالاستراتيجية والتمويل والسيولة، تتعرض لاختناقات نقدية وقرارات قاصرة.
المطلوب فصلُ الأدوار:

  • رئيس الحسابات/المحاسب: تسجيلٌ دقيق، إقفالٌ سليم، تقاريرٌ موثّقة، التزام بالمعايير والضرائب.
  • المدير المالي (CFO): إدارة هيكل رأس المال، سياسات السيولة، الموازنات، قراءة المخاطر، اتصال المستثمرين.
  • المستشار المالي المستقل: رؤية خارجية غير متحيزة، نمذجة سيناريوهات، تسعير صفقات، هيكلة توسّع أو اندماج.

حين تتشابك الأدوار، تُشَلّ القرارات. وحين تتكامل بحدودٍ واضحة، يتحوّل المحاسب إلى ركيزة موثوقة، والمدير المالي إلى بوصلة، والمستشار إلى “مرآة” تكشف زوايا لا تُرى من الداخل.

توظيفٌ أذكى: قلّل العشوائية وارفع الاحتمال

التجربة تُظهر أن توظيف “السيرة الذاتية الجيدة” وحدها مقامرة مكلفة. إضافة قياس السمات (مثل DISC)، مع مقابلاتٍ منظّمة ومحاكاة مهام، يرفع احتمال الملاءمة إلى نحوٍ محسوس ويختصر شهورًا من الهدر. ليس الهدف يقينًا بنسبة 100%، بل انتقالٌ واعٍ من صفرٍ إلى نسبةٍ مرتفعة تُدار مخاطرها.

رؤية تُرى… لا تُكتب فقط

الرؤية كما يصوغها الهوتي“أن ترى”. أن تضع نقطةً في المستقبل فتجعلها منارة قرارٍ يومي. قد تُنجز 40% منها أو تفوقها؛ المهم أن تُبقي الأمل مُضاءً كما في تجربة الفأر الذي سبح ساعاتٍ أطول لأن نورًا تسرّب إلى الخزان. الرؤيةُ أملٌ مُهندس، لا أمنيةٌ مُعلّقة.

ختامٌ شخصي: المعرفة رأس مال

يشدّد الهوتي على التتلمذ الدائم: حضور الدورات، قراءة الكتب، ملازمة الموجّهين، نشر الخبرة كتابةً وحديثًا. فكل ساعة تدريبٍ وكل صفحةٍ تُقرأ تضيف طبقةً إلى “أثر” يتجاوز الحكاية الفردية إلى منفعةٍ عامة.

الدروس المستفادة

  1. لا تسمع كلام محاسب. افصل بين المحاسبة وإدارة المال والاستشارة الاستثمارية، واطلب القرار المالي من أصحاب الاختصاص الاستراتيجي.
  2. اصنع أثرًا قبل أن تصنع ثروة. الثروة جزء من الأثر وليست غايته.
  3. قد قادةً لا تابعين. القيادة الموقفية وتصميم الأدوار تنبت قادةً قادرين على الاستقلال.
  4. خطّط بجرأةٍ وراجع بمرونة. غربل خطتك سنويًا، وأضف سنةً بدل إعادة البناء من الصفر.
  5. ادّخر بذكاء واستثمر لطويل الأجل. قاعدة 15–85 مدخلٌ عملي، والتضخم لا يرحم النقد الخامل.
  6. مكّن ولا تُربِّ القِرَدة. ضع حدود التفويض واصنع بدائل بشرية جاهزة.
  7. ثقّف نفسك بلا انقطاع. التعلّم المستمر والموجّهون يختصرون الطريق ويقلّلون ثمن الأخطاء.
  8. التوكّل فعلٌ لا تواكل. اسعَ وثِق بالنتيجة، فما ظهر شرًّا قد يحمل عِوضًا أعظم.
  9. قياس السمات يرفع جودة التوظيف. أدوات مثل DISC تقلّل المغامرة وتزيد مواءمة الفريق.
  10. حوّل الفائض إلى عطاءٍ مستدام. ثقافة الوقف والمعرفة تصنع اقتصاد الأثر وتخلّد البصمة.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا فهد الهوتي

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *