"خُطوة" في سوق الملابس | كيف تبدأ صغيرًا وتحقق نجاحًا كبيرًا؟ مع محمود سعيد

"خُطوة" في سوق الملابس | كيف تبدأ صغيرًا وتحقق نجاحًا كبيرًا؟ مع محمود سعيد


في لقاءٍ ثريّ مع مهندس محمود سعيد—مؤسس وصاحب علامة «خطوة»—تتضح ملامح رحلةٍ بدأت من مقاعد هندسة القاهرة (اتصالات – دفعة 2010) وانتهت إلى بناء واحدة من أبرز العلامات المحلية في الملابس. ليست القصة عن “حظ” أو “ضربة واحدة”، بل عن معادلة صعبة: جودة عالية بسعر عادل، وإدارة واعية لسلسلة الإمداد، وتمسّك بمبدأ أن البزنس لا ينفصل عن الأخلاق.

البدايات: فكرة صغيرة تُنقلك إلى طريق مختلف

يشرح محمود سعيد أن دخوله مجال الملابس لم يبدأ من شغفٍ رومانسي، بل من تجربة عملية جدًا: تيشيرتات التخرج في 2008 و2009. كان زملاؤه يجلبون التصميم، وهو يتولى الطباعة والتسليم، ثم لاحظ أن المشروع يحقق دخلًا جيدًا لطالب جامعي. فكرة أن يمتلك دخلًا شهريًا ثابتًا في ذلك الوقت كانت نقطة تحوّل؛ ومن هنا بدأ شعورٌ واضح: “هذا المجال يمكن أن يكون مساري الحقيقي”.

ثم جاءت شرارة أكبر عام 2009 مع انتشار موضة الكتابة العربية على التيشيرتات. جمع محمود مع صديقه رأس مال بسيطًا (حوالي 3000 جنيه)، وصنعا أول دفعة، واعتمدا على التسويق عبر فيسبوك فقط، دون محل أو واجهة على الأرض.

شريك اليوم… قرار الغد: درس الشراكات المبكرة

يعترف الضيف بأن الشراكات الأولى في سنٍ صغيرة غالبًا لا تُبنى على قواعد الاستثمار والحوكمة، بل على الصداقة والحماس: “أنا بحب أيمن… يلا نبدأ”. لكن مع الوقت تتكشف التحديات: كثرة الشركاء، اختلاف الرؤى، وعدم تفرغ الجميع. المشكلة لم تكن في أخلاق الشركاء، بل في واقع التنفيذ: شخصٌ واحد متفرغ بالكامل، والباقون “شير تايم”.

وهنا خرج محمود بخلاصة عملية:

  • العدد الكبير للشركاء يصعّب اتخاذ القرار.

  • الشريك الذي يقدم “خبرة تقنية” كان يمكن أن يُستبدل بموظف أو مستشار بأجر، بدلًا من توزيع حصص ملكية مبكرًا.

هذه التفاصيل لم تكن واضحة في 2009، لأن ثقافة “الكورسات والحوكمة” لم تكن شائعة كما هي اليوم.

التوقف المؤلم: حين تتجمد العلامة… لكنها لا تموت

بين 2013 و2015 توقفت «خطوة» تمامًا؛ أُغلقت صفحة فيسبوك، وتعطّل النشاط، بسبب ترتيبات بيع حصص الشركاء. بالنسبة لأي علامة تجارية، التوقف يعني غالبًا أن العميل يظن أنها “ماتت”. ومع ذلك، كان محمود يعمل خلال هذه الفترة في طباعة وتصميم طلبات خاصة (Customized / Uniform) دون استخدام اسم «خطوة»، التزامًا باتفاق أدبي وقانوني.

وفي 2015 اشترى محمود حصص الشركاء وأصبح المالك الوحيد للعلامة، لتبدأ مرحلة “إعادة تأسيس” كاملة: مخزن، موظفون، خدمة عملاء، تصوير، ومصانع… وكأنه يبدأ من الصفر.

التوسع الواقعي: من أونلاين إلى فروع… وليس العكس

أول فرع افتُتح عام 2016 في مدينة نصر، ثم الدقي والإسكندرية 2017، ثم أكتوبر 2018، فالزقازيق 2018، فالمنصورة 2019… وتتابع المسار. لكن لماذا الانتقال إلى الفروع رغم تكلفة الإيجار والعمالة والترخيص والضرائب؟

الجواب عند محمود واضح: الأونلاين في مصر له سقف، خصوصًا في الملابس بسبب:

  • المقاسات

  • رؤية الخامة باليد

  • الثقة في أن المنتج مثل الصورة

  • تكلفة الشحن

  • سهولة الاستبدال والاسترجاع

المحل يمنح العميل “أمانًا” نفسيًا: مكان يرجع إليه، ويبدّل منه، ويختبر المنتج بنفسه. ومع الزمن يتحول كثير من زوار الفروع إلى عملاء دائمين، حتى لو اشتروا لاحقًا أونلاين.

الميزة التنافسية: “الجودة بالسعر” ليست شعارًا… بل نظام

يؤكد محمود أن «خطوة» راهنت منذ البداية على فجوة واضحة في السوق:
البيزيكس (Basics) التي يحتاجها الجميع، بجودة محترمة وخامة قطنية جيدة، ولكن بسعر يمكن لشريحة واسعة تحملّه.

يصفها بمعادلة صعبة: “سعر مقارنة بجودة… غير موجود عند حد”. ولهذا السبب يكون الطلب غالبًا أعلى من الطاقة الإنتاجية، ما جعل فكرة التوسع خارج مصر (فتح بيع مباشر وفروع خارجية) مؤجلة، لأن السوق المحلي وحده يستهلك الإنتاج بسرعة.

لماذا لم يستطع المنافسون تقليد المعادلة؟

السؤال المنطقي: إذا كانت “فكرة بسيطة”، لماذا لا يكررها الآخرون؟
هنا يوضح محمود أن السر ليس “خدعة”، بل سلسلة إمداد محكمة (Supply Chain) وإنتاج كثيف (Mass Production). كثيرون ينتجون كميات قليلة ويضيفون هامش ربح كبير على القطعة. أما «خطوة» فتستهدف:

  • كميات كبيرة

  • هامش ربح أقل للقطعة

  • دورة تصنيع سريعة

ويذكر أن الدورة لديهم قد تتراوح غالبًا بين 30 و40 يومًا: قماش → قص → تصنيع → مخازن → تصوير وتسويق → بيع، بينما بعض المنتجات (مثل الجينز) تحتاج دورة أطول.

كما يشير إلى نقطة مهمة: بناء علاقات ثقة مع الموردين والمصانع يتيح مرونة في الدفع (آجال شهر أو شهرين)، ما يساعد على تشغيل أكثر من مصنع في نفس الوقت دون اختناق نقدي.

الأخلاق في قلب البيع: لا تبيع الرديء حتى لو كان “الناس هتشتري”

من أقوى محاور اللقاء رفض محمود فكرة أن “الناس بتحب اللي يضحك عليها”. يرى أن التعميم خطأ، وأن الظروف الاقتصادية جعلت الناس أدق في الأسئلة: كيف تُغسل القطعة؟ كيف تحافظ عليها؟ لأن الاستبدال السريع أصبح مكلفًا.

الأهم أنه يضع معيارًا بسيطًا:
لا تبيع قطعة تعلم أنها ستتلف بسرعة ثم تعتبر أن “الزبون مسؤول”.
هنا تصبح المشكلة أخلاقية قبل أن تكون تسويقية. فالمبادئ، في نظره، ليست ضد الربح؛ بل أساس لاستدامته.

إدارة الشحن والمرتجعات: النظام قبل “الرخص”

يذكر محمود تجربة مؤلمة: شركتا شحن أغلقتا وأخذتا مستحقات (إحداهما 10,000 جنيه والأخرى 5,000 جنيه تقريبًا). ومن هنا تعلم أن الأرخص ليس الأفضل، وأن أهم ما يبحث عنه هو:

  • الملاءة المالية

  • الالتزام بمواعيد التحويل

  • وجود نظام تتبع وسيستم واضح

  • وجود أوراق رسمية وضمانات

أما عمليًا في «خطوة»، فلا يخرج أوردر دون تأكيد مع العميل، ويُعمل متابعة دقيقة عند أول محاولة توصيل، مع توضيح سياسات الاستبدال والاسترجاع، ما يرفع معدل التسليم لمستويات عالية جدًا مقارنة بالسوق.

فلسفة الإدارة: بين الهيكل والإنسان

مع توسع الشركة ووصول عدد الموظفين إلى نحو 120، صارت المسؤولية أكبر من مجرد “إدارة محل”. يوضح محمود أنه يعتمد على صف ثانٍ من المديرين (حسابات، موارد بشرية، مخازن، مديري مناطق…) لأن المدير الواحد لا يمكنه متابعة كل شيء مباشرة.

وفي الوقت نفسه، يحافظ على بعد إنساني بسيط: مكافآت مرتبطة بتقييم العملاء، تهنئة بالمناسبات، وإتاحة مساحة للاستماع. لكنه يضع خطًا أحمر واضحًا:
لا إساءة لموظف أو خدمة عملاء.
العميل له حق الشكوى والاسترجاع، لكن بدون إهانة أو تجريح.

رسائل أخيرة: الامتنان أساس الاستمرار

في ختام اللقاء، يوجه محمود سعيد رسائل امتنان لوالديه لأنهما احترما قراره بترك مجال الهندسة، ولزوجته لأنها تتحمل ضغط العمل الطويل، وللفريق لأنه “ركيزة النجاح”، وللموردين وأصحاب المصانع وأصحاب المحلات الذين وقفوا بجوار الشركة في أوقات صعبة.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا محمود سعيد

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *