كيف تُدار الجمعيات الخيرية بعقلية استثمارية مع إيهاب رشاد

كيف تُدار الجمعيات الخيرية بعقلية استثمارية مع إيهاب رشاد


نستضيف في هذه الحلقة من بودكاست 360 استضاف المقدّم المهندس إيهاب رشاد؛ رجل أعمال وإداري مخضرم في قطاع الاستثمار، اختار أن يضيف إلى مسيرته المهنية مسارًا آخر لا يقل صعوبة: تأسيس عملٍ خيري مؤسسي يهدف إلى تغيير حياة الناس لا مجرد إسعافها مؤقتًا. لم يكن الحوار عن “تبرعٍ عابر”، بل عن فلسفة كاملة: كيف يُدار الخير بعقلية الإدارة والانضباط، وكيف تُصان كرامة المستفيد، وكيف يُبنى أثرٌ ممتد يشبه الوقف.

من البورصة إلى خدمة المجتمع

يقدّم إيهاب رشاد نفسه كابنٍ لخبرة طويلة في عالم الأوراق المالية وإدارة الأصول. جوهر هذا المجال – كما يشرحه – هو مساعدة الناس على تنمية ما يملكونه بدل أن تلتهمه عوامل مثل التضخم أو الالتزامات المختلفة. فامتلاك سهمٍ في شركة مدرجة يعني شراكةً في أصلٍ منتج، قد يحقق عائدًا دوريًا، وقد تزيد قيمته مع الزمن. ومن لا يملك الخبرة أو الوقت يمكنه اللجوء إلى شركات إدارة الأصول أو صناديق الاستثمار، ومنها ما يراعي الضوابط الشرعية عبر مؤشرات أو محافظ مختارة.

لكن رغم اتساع المسار المهني وتنوع محطاته بين الإسكندرية ودبي ثم البحرين، بقي السؤال الحاسم: لماذا يدخل رجلٌ ناجح هذا “الصداع” الذي يحيط بالعمل الخيري؟

لحظة الفقد التي غيّرت الاتجاه

يعود التحول الأكبر – وفق روايته – إلى فقد والدته بشكل مفاجئ. كانت صدمةً ثقيلة أعادت ترتيب الأولويات: ماذا نفعل ليبقى أثرها؟ بدل أن تُختصر الذكرى في مظاهر عابرة، اتجه التفكير إلى صدقةٍ جارية تُدار بمنطق الاستمرار. هكذا وُلدت فكرة تأسيس جمعية خيرية تحمل روحًا مختلفة، وبجهدٍ طويل وإجراءاتٍ لم تكن سهلة، حصلت الجمعية على الترخيص الرسمي وبدأت رحلتها التي امتدت لأكثر من عقدين.

إدارة الخير ليست “بالقلب فقط”

يؤكد الضيف أن العمل الخيري عمل إداري قبل كل شيء. الحب وحده لا يبني مؤسسة ولا يحميها من التعثر. لذلك نقل ما تعلّمه في الإدارة إلى الجمعية:

  • توصيف وظيفي واضح لكل دور.

  • مسؤوليات محددة وتقييم دوري.

  • أهداف سنوية وخطط متابعة.

  • نظام يضمن الاستمرارية بدل الارتجال.

فالفارق بين مؤسسة ناجحة وأخرى متعثرة ليس “النية” فقط، بل القدرة على تحويل النية إلى نظامٍ منضبط يمنع الهدر ويضاعف الأثر.

“أعطِ السنارة لا السمكة”

في قلب فلسفة الجمعية فكرة بسيطة لكنها حاسمة: المساعدة ليست دائمًا كيس طعام أو مبلغًا نقديًا. الهدف هو تمكين الإنسان ليعتمد على نفسه. لذلك يتحدث الضيف عن نماذج تغيّرت حياتها بتدخل صغير ومدروس: شاب اضطر لترك التعليم بعد وفاة والده ليعول أسرته، فتم تمكينه بأداة عمل (مثل تروسيكل) فتحولت مع الوقت إلى مصدر رزق ثابت، ثم مشروع، ثم قدرة على تزويج أخواته وإعالة والدته بكرامة.
ليست كل الحالات تنجح، لكن النجاح – حين يحدث – يصنع فارقًا لا تصنعه الإعانات المتكررة.

أنشطة متعددة… واحتياج واحد: كرامة الإنسان

بدأت الجمعية بأنشطة محدودة كتحفيظ القرآن وإعانات شهرية، ثم توسعت حتى أصبحت تعمل في مسارات متعددة، من أبرزها:

  • سقيا الماء في القرى والنجوع، ليس عبر حلول مؤقتة تتعطل سريعًا، بل عبر مشاريع أكثر استدامة لحماية الناس من الأمراض المرتبطة بالمياه غير النظيفة.

  • التدخلات الصحية خاصة بعد جائحة كورونا، حيث تحوّل التركيز إلى صيانة أجهزة طبية معطلة بدل شراء أجهزة جديدة باهظة؛ لأن تشغيل جهاز متوقف بتكلفة بسيطة قد ينقذ صفوفًا من المرضى المنتظرين.

  • مبادرات التشغيل للأسر المنتجة، عبر أدوات بسيطة: كتاكيت مع علف وأدوية، أو دعم لخبز منزلي، أو تجارة بسيطة، أو ماكينة خياطة… وفق مهارة الشخص وظروفه.

“بيستا”: تسويق منتج الريف… وتشغيل بكرامة

ومن التجارب اللافتة التي خرجت من ظروف كورونا مبادرة “بيستا” لتسويق منتجات السيدات في الريف داخل المدن عبر السوشيال ميديا والتوصيل. بدأ الأمر بعينات صغيرة تُرسل لمتبرعين معروفين مع رقم تواصل، ثم تحولت المبادرة إلى منظومة أكبر تعتمد على الجودة والمتابعة.
والأهم: أن هذا المسار لم يهدف فقط إلى بيع طعام أو منتجات، بل إلى تأمين دخلٍ منتظم لسيدات “مستورات” قست عليهن الظروف، بحيث يظل العمل داخل البيت وبكرامة، ومع نظام متابعة وتقييم يضمن الجودة ويحفظ ثقة الناس.

التحقق أولًا… لأن المال أمانة

يُقرّ الضيف بأن زمن “الالتباس” كثُر فيه الادعاء والاستغلال. لذلك يضع قاعدة صارمة: لا يُصرف شيء إلا بعد تحقق كامل من الحالة عبر زيارات وأبحاث ميدانية وشبكة أدلاء محليين يعرفون الناس ويعرفون المستحق من غيره، مع زيارات مفاجئة دون مواعيد مسبقة.
ويذكر مثالًا مؤثرًا من بداياته غيّر طريقته في الحكم على الناس: سيدةٌ تجلس على الرصيف تحرس أبناءها من ذوي الإعاقة كي لا يؤذيهم أطفال الشارع، بينما الأوراق قد توحي لأول وهلة بعكس الواقع. كانت لحظة تعلّم: لا تحكم بالورق وحده… احكم بعينك وأذنك.

أين تذهب التبرعات؟ معضلة الثقة والشفافية

يتحدث الحوار بوضوح عن أزمة الثقة في بعض المؤسسات الخيرية حين تتضخم المصروفات الإدارية والإعلانات. ويؤكد الضيف أن جمعيتهم اتخذت نهجًا مختلفًا: مصروفات تشغيلية محدودة جدًا، والباقي يغطيه أعضاء مجلس الإدارة، مع قناعة أن الحل الجذري في مصر هو الإفصاح المالي العلني: ميزانيات منشورة، بنود واضحة، وتنافس شريف لتقليل المصروفات غير المؤثرة. فالمال مال الناس، ومن حق الناس أن يروا أين يذهب.

الوقف… مشروع لا يرتبط بموسم التبرع

ومن أجل الاستدامة وعدم انهيار الأنشطة مع أي “هبوط” في التبرعات، بدأ التفكير في مشروع وقف زراعي ضخم لزراعة النخيل (المجدول) في منطقة مناسبة، بهدف خلق دخل ثابت يمول أنشطة الجمعية سنويًا. فالتبرعات قد تزيد وقد تقل، لكن الوقف – إذا نجح – يصير مصدرًا مستمرًا، يشبه في رمزيته وقفية عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث تتحول النفقة إلى أثرٍ ممتد لا ينتهي بسرعة.

ما الذي يغيّره الخير في صاحبه؟

يقول الضيف إن العمل الخيري يعلّم الإنسان معنى التسامح والهدوء الداخلي، ويمنحه زاوية نظر مختلفة للحياة. حين ترى واقع الناس واحتياجاتهم الحقيقية، تدرك أن كثيرًا من صراعاتنا اليومية صغيرة، وأن البركة قد تأتي من حيث لا يحتسب المرء. لذلك يختصر رسالته في جملة: أصلح علاقتك بالله… وسيتيسر لك ما تظنه مستحيلًا.

خاتمة: أثرٌ يسبق الضجيج

ليس جوهر الحكاية أن رجل أعمال أسّس جمعية خيرية فحسب، بل أن الخير حين يُدار بعقلٍ منظم وضميرٍ حاضر، يصبح مشروعًا للحياة لا موسمًا للعطاء. وفي زمن تتشوش فيه النوايا عند بعض الناس، تظل القيمة الأهم هي أن تُصان كرامة المحتاج، وأن يتحول العطاء من “مساعدة عابرة” إلى “تمكين دائم”، ومن انفعال لحظي إلى مؤسسةٍ باقية الأثر.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا إيهاب رشاد

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *