كيف يمهد التعليم الموازي الطريق لمستقبل أبنائنا مع د  محمد كحيل

كيف يمهد التعليم الموازي الطريق لمستقبل أبنائنا مع د. محمد كحيل


في ظل التحديات المتراكمة التي يواجهها التعليم في مصر، يبرز اسم الدكتور محمد كحيل، أستاذ جامعة عين شمس ومؤسس مجموعة “جينيس” للحلول التعليمية، كأحد الأصوات التي تحاول مقاربة الملف التعليمي من زاوية مختلفة، تجمع بين الخبرة الأكاديمية وريادة الأعمال، وبين التجربة الشخصية والرؤية المجتمعية. يرى كحيل أن التعليم لم يعد مجرد مناهج وامتحانات، بل صناعة متكاملة تحتاج إلى إعادة تعريف أهدافها، وإلى شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع ورواد الأعمال.

التعليم استثمار لا رفاهية

ينطلق د. محمد كحيل من فكرة محورية مفادها أن الاستثمار في التعليم ليس إنفاقًا بلا عائد، كما يظن البعض، بل هو الاستثمار الأهم على الإطلاق. فكل محاولة لتحسين الاقتصاد أو الصناعة أو الزراعة ستظل محدودة الأثر إذا لم تُبنَ على تعليم قوي. ويشير إلى أن تحسين أوضاع المعلمين ماديًا جزء أساسي من الإصلاح، لكن المشكلة ليست في الرواتب وحدها، بل في غياب رؤية متكاملة تجعل مهنة التعليم جاذبة للكفاءات، وقادرة على التطور المستمر.

غياب الدور المجتمعي عن التعليم

من أكبر الإشكاليات التي يراها كحيل أن المجتمع، وبالأخص أولياء الأمور، تخلّوا تدريجيًا عن دورهم في التعليم. فقد اعتبر كثيرون أن المدرسة مسؤولة وحدها عن كل شيء: التعليم، والتربية، وبناء القيم. ومع الوقت، رُفعت الأيدي ليس فقط عن التعليم، بل عن التربية أيضًا، ثم أُلقيت مسؤولية الرياضة على الأندية، والثقافة على الشاشات، فخرج جيل مثقل بالمعلومات، فقير بالمهارات.

أزمة المناهج وتضخّم الحشو

ينتقد كحيل بشدة المناهج الدراسية، خصوصًا في المرحلة الابتدائية، واصفًا إياها بأنها “ثقيلة، مسمّمة، ومليئة بالحشو”. فالمناهج، في رأيه، تركّز على كمٍّ هائل من المعلومات النظرية التي لا ترتبط ببيئة الطالب ولا بواقعه، لدرجة أن كثيرًا من المعلمين أنفسهم قد يعجزون عن اجتياز امتحانات هذه المواد دون مراجعة. المشكلة هنا ليست في المعلم، بل في منظومة تفرض عليه إنهاء المنهج بدلًا من بناء الفهم.

التعليم كشكل بلا مضمون

يضرب د. كحيل مثالًا لافتًا حين يشبّه التعليم بوجبة طعام: قد يكون المطعم نظيفًا، والخدمة ممتازة، والديكور جذابًا، لكن إذا غابت الوجبة الأساسية، فما الفائدة؟ هكذا هو حال التعليم اليوم؛ مبانٍ جيدة، أنشطة جانبية، واهتمام بالشكل، بينما يغيب الهدف الجوهري: ماذا نريد من التعليم أصلًا؟

ريادة الأعمال كمدخل للإصلاح

يرى كحيل أن ريادة الأعمال يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في إصلاح التعليم، تمامًا كما يمكنها تغيير شكل الصناعة والزراعة. لكن المشكلة تكمن في ضعف الاستثمارات التعليمية، أو في توجيهها الخاطئ. فبدلًا من ابتكار نماذج تعليمية جديدة، يُعاد إنتاج نفس النموذج التقليدي عبر مدارس خاصة أو مراكز دروس خصوصية، مع تحسين “الملحقات” فقط، دون المساس بجوهر العملية التعليمية.

وهم الشهادة وتعليقها على الحائط

من أخطر ما يراه كحيل في الثقافة المجتمعية هو الهوس بالشهادة، بغضّ النظر عن قيمتها العملية. فالهدف لدى كثير من الأسر ليس أن يعمل الابن بشهادته، بل أن يحصل عليها فقط “ليعلّقها على الحائط”. والنتيجة أن الدولة والمجتمع ينفقان مليارات على تعليم جامعي لا يُستفاد منه، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 90% من الخريجين لا يعملون في تخصصاتهم.

التعليم المجتمعي: النموذج المنسي

يستعيد كحيل نماذج التعليم المجتمعي التي نجحت تاريخيًا في مصر، وعلى رأسها “الكتّاب”. فقد كان له هدف واضح: حفظ القرآن وتعلّم القراءة، دون رفاهيات أو شعارات. ومع التوجّه الجماعي للمجتمع نحو هذا الهدف، خرجت أجيال متميزة. ويقارن ذلك بمحاولات محو الأمية الرسمية التي استمرت لعقود دون نتائج تُذكر، لأنها استوردت نماذج لا تناسب الواقع المحلي.

استيراد التجارب… دون تكييف

ينتقد كحيل استنساخ التجارب الأجنبية في التعليم دون تكييفها مع السياق المصري. ففنلندا، مثلًا، دولة محدودة السكان بلا انفجار ديمغرافي، ولا يمكن نسخ تجربتها حرفيًا. وكذلك المناهج الأجنبية التي تُترجم وتُدرَّس، فتملأ عقول الأطفال بمعلومات عن بيئات وحيوانات لم يروها، بينما يعجزون عن التمييز بين عناصر من بيئتهم المحلية.

إعادة تعريف هدف المدرسة

يشدد كحيل على ضرورة أن يحدد كل طرف هدفه من التعليم بوضوح: ما الذي نريده من المدرسة؟ هل هي مكان للتفاعل الاجتماعي فقط؟ أم للحصول على شهادة؟ أم لبناء مهارات حقيقية؟ المشكلة أن كل المدارس تقريبًا تخضع لمنهج واحد، فينتج عنها “منتج واحد”، رغم اختلاف قدرات وميول الطلاب.

التعليم المهني… فرصة مهدرة

يرى كحيل أن التعليم المهني مظلوم اجتماعيًا، رغم أهميته الاقتصادية. فالمشكلة ليست في “الحِرفة” ذاتها، بل في غياب التعليم الحقيقي الذي يحوّل الحِرفي إلى صاحب مشروع، أو رائد أعمال، لا مجرد عامل تقليدي. التعليم الفني، إذا اقترن بمهارات الإدارة والتفكير وريادة الأعمال، يمكن أن يكون أكثر قيمة من تعليم جامعي لا يُستثمر.

الأسرة ضلع أساسي في العملية التعليمية

يؤكد د. محمد كحيل أن التعليم له ثلاثة أضلاع: الطالب، والأسرة، والمؤسسة التعليمية. ولا يجوز لأي ضلع أن ينسحب. فولي الأمر ليس مطالبًا بحفظ المناهج مع أبنائه، بل بفهم شخصياتهم، واكتشاف نقاط قوتهم وضعفهم، وتوجيههم نحو ما يناسبهم، بدل فرض مسار واحد على الجميع.

من المعلومات إلى المهارات

في عصر تتغير فيه المعرفة كل بضع سنوات، لم يعد الحشو المعرفي ذا قيمة. الأهم هو تعليم الطالب كيف يفكّر، وكيف يحل المشكلات، وكيف يكتسب المهارات. فالمعلومة يمكن البحث عنها، لكن القدرة على معالجتها وصياغة حلول منها هي ما يصنع الفارق.

خاتمة: التعليم مسؤولية مشتركة

يختتم كحيل رؤيته بالتأكيد على أن إصلاح التعليم لن يأتي بقرار وزاري فقط، ولا بزيادة ميزانية فحسب، بل بتغيير ثقافة كاملة. ثقافة ترى التعليم كمسار لبناء الإنسان المنتج، لا كسباق درجات، وتعيد للأسرة والمجتمع دورهما، وتفتح الباب أمام ريادة الأعمال لتقديم حلول واقعية، منبثقة من احتياجاتنا، لا من نماذج مستوردة.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا د.محمد كحيل

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *