أسرار التمويل ما الذي يبحث عنه المستثمرون مع أيمن الطنبولي

أسرار التمويل ما الذي يبحث عنه المستثمرون مع أيمن الطنبولي


في عالم ريادة الأعمال، يظنّ كثيرون أن إغلاق الصفقة واستلام التمويل هو “نهاية الطريق”. غير أن الحقيقة التي يكرّرها ضيف حلقتنا المهندس أيمن الطنبولي – الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Exits MENA – هي أن المصافحة الأخيرة ليست نهاية الدنيا، بل بدايتها: فبعد التمويل تبدأ مسؤوليات الحوكمة، والمتابعة، وتحقيق الوعود، وإدارة العلاقة مع المستثمرين على نحوٍ احترافي.

ما بين بيع الشركة وجمع التمويل: عقلانيتان مختلفتان

يُفرّق الطنبولي بين من “يدخل ليشتري” ومن “يدخل ليستثمر”. فالمشتري – خصوصًا الاستراتيجي – ينظر إلى الصفقة بمنطق مختلف: قد يشتري العملاء، أو التقنية، أو الوقت المختصر، ويقارن دائمًا بين “تكلفة البناء من الصفر” و”تكلفة الشراء”. أما المستثمر المالي فيسأل: ما العائد المتوقع بعد سنوات؟ وهل النموّ قابل للتحقق؟ وهل المخاطر تحت السيطرة؟ لذلك فإن الخطأ الشائع لدى بعض المؤسسين هو الحديث بمنطق واحد مع جميع الأطراف، أو التعامل مع التقييم كأنه رقم ثابت لا يتغير.

“شغلتنا علاقات”: لماذا لا تكفي الفكرة وحدها؟

يرى الطنبولي أن صناعة الاستشارات المالية والصفقات ليست “علم صواريخ”، لكنها تتطلب خبرة عملية وقدرة على بناء العلاقات. فحتى أفضل الأفكار قد تفشل لأن صاحبها لا يحسن تقديمها أو لا يمتلك شبكة تواصل تفتح له الأبواب. وهو يلخّص المشهد بقوله إن العاملين في هذا المجال أشبه بـ“صندوق علاقات متحرك”: التوصيات المتبادلة وسمعة المؤسس وطريقة تواصله قد تصنع الفارق بين فرصة تُلتقط وأخرى تضيع.

ومن هنا تأتي نصيحته للمؤسسين: لا تقطع جسورك مع مستثمر رفضك اليوم؛ فقد يعود غدًا في جولة لاحقة، أو يرشّحك لغيره إن تركت لديه انطباعًا حسنًا.

مسار مهني يصنع زاويتين: التقنية والاحتكاك بالناس

تحدث الطنبولي عن بداياته المهنية في القطاع المالي، وكيف اكتشف مبكرًا أن المسار الناجح يجمع بين جانبين:

  • التقنية: التحليل المالي، نماذج التقييم، قراءة القوائم، والتوقعات النقدية.

  • الاحتكاك بالبشر: إدارة العلاقات، التفاوض، وفهم عقلية العملاء والمستثمرين.

ويؤكد أن قيمة المهارات التقنية تكون عالية في السنوات الأولى، ثم تصبح المهارات الإنسانية وبناء الثقة وإدارة العلاقات هي “عملة السوق” الأهم مع تقدّم المسار.

لماذا أُسِّست Exits MENA؟ سد فجوة الشركات الصغيرة والمتوسطة

بعد تجربة العمل في مؤسسات كبيرة، لاحظ الطنبولي فجوة واسعة: كثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة – وخاصة الشركات العائلية أو شركات التقنية الناشئة – تحتاج إلى دور مستشار مالي “يرتب البيت”، لكنها لا تجد خدمة تناسب حجمها. فالمؤسسات الكبرى كانت تتردد في دخول هذه المساحة لأسباب واضحة:

  1. المجهود المطلوب أكبر بسبب نقص الجاهزية والحوكمة.

  2. “حجم الصفقة” أصغر فلا يبدو مغريًا مقارنة بصفقات ضخمة.

ومن هنا نشأت الفكرة: تقديم خدمة ترفع جاهزية الشركات للاستثمار أو التخارج، وتساعدها على التفاوض بوعي، وإدارة رحلة الصفقة من أولها إلى آخرها.

اختيار الشركاء: “أعطِ الخبز لخبّازه”

يصف الطنبولي تأسيس الشركة بأنه كان أقرب إلى “قطع بازل” تكاملت بسرعة: شريك قوي في تطوير الأعمال وشبكة العلاقات، وشريك يملك خبرة التسويق وفهم السوق، مع خبرته هو في الصناعة المالية. ويؤكد أن من أسرار نجاح الشراكة وضوح تقسيم الأدوار منذ البداية، والقدرة على العمل الشاق لساعات طويلة عند التأسيس، مع ثقافة داخلية تحكم طريقة اتخاذ القرار وتنظيم العلاقة بين المؤسسين والفريق.

كيف تُقبَل الشركات؟ معايير قبل “المرحلة صفر”

لا تقبل Exits MENA أي ملف دون فحص أولي. ومن أبرز المعايير التي يذكرها الطنبولي:

  • جاذبية القطاع للمستثمرين في التوقيت الحالي.

  • مرحلة الشركة: هل تناسب شهية المستثمرين المستهدفين؟

  • الميزة التنافسية: ماذا يميّزك في سوق مزدحم؟

  • الواقعية الزمنية: لا توجد جولة تمويل “في شهر” إذا كانت الشركة غير جاهزة.

ويضيف عاملًا مهمًا: القدرة الاستيعابية للفريق. فالطلب قد يكون كبيرًا، لكن التنفيذ مرتبط بطاقة بشرية محدودة، وإن كانت التكنولوجيا والأتمتة تساعد على التوسع تدريجيًا.

تغير شهية المستثمرين: نهاية “النمو بأي ثمن”

يوضح الطنبولي أن فلسفة الاستثمار تغيّرت عالميًا. لم تعد “الهايبر جروث” على حساب الحرق المالي جذابة كما كانت. المستثمر اليوم يريد أن يرى:

  • نموًا منطقيًا، لا وعودًا متضخمة.

  • إدارة مصروفات وهوامش، لا إيرادات فقط.

  • حوكمة واضحة، وإدارة قرارات، ومجلس إدارة فعّال.

  • فحصًا نافيًا للجهالة أعمق وأطول من السابق.

بكلمات أخرى: المستثمر صار أدقّ، وأكثر متابعة، وأقل اندفاعًا.

لماذا “الذكاء الاصطناعي” ليس كلمة سحرية؟

يعترف الطنبولي بأن الذكاء الاصطناعي قطاع مغرٍ للاستثمار، لكن المشكلة في إساءة الاستخدام. فالكثيرون يضعون “AI” على أي فكرة لتبدو أكثر بريقًا، بينما السؤال الحقيقي هو:
هل سيزيد هذا الحل الإيرادات أو يقلل التكاليف بشكل واضح؟ وهل تستطيع تنفيذه فعلًا؟
فحين تتحول الكلمة إلى شعار فارغ، تفقد بريقها أمام المستثمرين.

رحلة الصفقة خطوة بخطوة: من الاستمارة إلى إغلاق الاتفاق

يشرح الطنبولي نموذج العمل على نحو عملي: يبدأ المؤسس بتقديم بيانات عبر المنصة: طبيعة النشاط، الأداء المالي، الهدف (تمويل أم بيع)، نسبة البيع أو حجم التمويل، وتقييم تقريبي إن وجد. ثم تُدرس الحالة خلال أسابيع غالبًا، ويتلقى المؤسس ردًا واضحًا: قبول، أو تأجيل لعدم الجاهزية، أو رفض لأن القيمة المضافة غير ممكنة.

وعند القبول تبدأ مرحلة “تجهيز الشركة”: جمع المستندات، بناء أو تحديث القوائم المالية، صياغة خطة العمل والتوقعات، تحديد نطاق التقييم، ثم محاكاة أسئلة المستثمرين مسبقًا. وبعدها فقط تبدأ مرحلة التواصل مع المستثمرين المناسبين: استراتيجيين أو ماليين بحسب الهدف.

الفحص النافي للجهالة: تقرير مخاطر لا “تفتيشًا عشوائيًا”

يؤكد الطنبولي أن الفحص النافي للجهالة يدور حول كل ما يمس الشركة: ماليًا وضريبيًا وقانونيًا وتجاريًا وتشغيليًا. والنتيجة تكون تقرير مخاطر يوضح احتمال وقوع كل خطر وتأثيره، ثم تتحول تلك النتائج إلى بنود في العقد أو أدوات تفاوض على السعر والشروط.

كما يلفت إلى أن توقيت الصفقات يتأثر بالموسمية (نهاية السنة، الإجازات، رمضان…) وبكثرة الأطراف المشاركة: محامون، مستشارون، فحص فني في المصانع… لذلك قد تستغرق الصفقة أشهرًا وقد تمتد عامًا كاملًا وفق تعقيد الحالة.

“التقييم يبدأ علمًا وينتهي قعدة عرب”

هذه العبارة تلخّص فلسفة الطنبولي: التقييم يعتمد على نماذج ومعادلات وطرق معروفة، لكنه في النهاية رقم يتفق عليه طرفان. المشكلة حين يبالغ المؤسس في تضخيم القيمة، فيُفقد شركته جاذبيتها، أو يدخل جولة بتقييم مبالغ فيه ثم يصطدم بواقع السوق لاحقًا. كما يوضح أن ارتفاع الفائدة يضغط على التقييمات في نماذج مثل خصم التدفقات النقدية، وبالتالي لا يمكن تجاهل ظرف السوق عند التفاوض.

أخطاء شائعة لدى الطرفين: العاطفة والنفخ والوعود غير الواقعية

من أكثر الأخطاء التي يراها الطنبولي:

  1. العاطفة الزائدة: الصفقة علاقة تجارية، وليست قصة حب.

  2. نفخ التقييم: يخلق توقعات خاطئة ويصعّب الجولات التالية.

  3. الوعود غير الواقعية: الوعود المبالغ فيها تدمّر الثقة. الأفضل أن تعد بما تستطيع تحقيقه ثم تتجاوز الوعد.

  4. اختيار المستثمر الخطأ: المرحلة لا تناسب المستثمر، أو الشركاء لا ينسجمون على “الكاب تيبل”، فتتفجر الخلافات لاحقًا.

التوازن بين الحياة والعمل: اجتهد… لكن لا تُدمن

يعترف الطنبولي بواقعية: المؤسس في البداية يرتدي قبعات كثيرة وسيتعب لا محالة. لكن المشكلة حين يتحول ذلك إلى إدمان دائم. فإذا كبر الفريق وجدت من تفوضه، ففوّض. ليس لتعمل مشروعًا آخر، بل لتستعيد حياتك: أهلك، صحتك، وراحة بالك.

خاتمة: بعد الصفقة يبدأ الامتحان الحقيقي

رسالة الطنبولي الجوهرية أن التمويل أو البيع ليسا نهاية الرحلة؛ بل بداية مرحلة أصعب: بناء الحوكمة، ضبط الأرقام، الالتزام بالشفافية، وإدارة علاقة المستثمرين بوعي. النجاح لا يأتي من فكرة “جميلة” وحدها، بل من فكرة قابلة للتطبيق، وفريق قادر، وخطة واقعية، وسمعة طيبة، وعلاقات تُدار بحكمة.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أيمن الطنبولي

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *