في عالمٍ تكثر فيه القصص السريعة عن النجاح، وتُختزل فيه التجارب الإنسانية العميقة في أرقام وعناوين لامعة، تبرز قصة الأستاذة دعاء عارف كنموذج مختلف؛ نموذج لا يتحدث فقط عن ريادة الأعمال بوصفها طريقًا للربح، بل باعتبارها مسارًا للوعي، والنضج، واكتشاف الذات، وبناء الإنسان قبل بناء الكيان. هي رحلة بدأت من اختيارات صعبة، ومرّت بمحطات فشل ومرض وضغط، وانتهت إلى رؤية أوسع لمعنى العمل، والمعنى الحقيقي للنجاح.
البدايات: حين لا تكون الطريق ممهدة
لم تنطلق دعاء عارف من العاصمة، ولا من جامعة نخبوية، ولا من بيئة ترى في ريادة الأعمال خيارًا طبيعيًا. بل جاءت من محافظة خارج المركز، حيث الفرص أقل، والضغط أكبر، والتوقعات المجتمعية أكثر صرامة. غير أن هذه البيئة، على قسوتها، صنعت دافعًا إضافيًا لديها، إذ رأت أن البعد عن العاصمة قد يكون في كثير من الأحيان حافزًا على التميز، لا عائقًا أمامه.
في بدايات الحياة العملية، تؤمن دعاء بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في المكان بقدر ما يكمن في امتلاك الأساسيات: المهارات الناعمة، والقدرة على إدارة الوقت، والانضباط، والوعي بالنقاط التي تحتاج إلى تطوير. فالمعرفة التقنية، في نظرها، يمكن اكتسابها لاحقًا، أما السلوكيات والمهارات الشخصية فهي ما يصنع الفارق طويل المدى.
المهارات الناعمة: ما لا يُدرَّس لكنه يُحدِّد المصير
ترى دعاء عارف أن كثيرًا من الإخفاقات المهنية لا تعود إلى نقص في الذكاء أو المعرفة، بل إلى غياب مهارات أساسية مثل إدارة الوقت، والمراجعة الذاتية، والقدرة على التعلّم من الخطأ دون الوقوع في فخ جلد الذات. فالنجاح ليس نتيجة كمال، بل نتيجة وعي مستمر، ومحاسبة صادقة للنفس، وإدراك أن التوفيق جزء لا يتجزأ من أي إنجاز.
وتؤكد أن مرحلة الجامعة أو بدايات العمل يجب أن تكون مخصصة لبناء هذه المهارات، أكثر من الانشغال بالألقاب الوظيفية أو أسماء الشركات. فالعقلية التي تُبنى في السنوات الأولى هي ما يحدد المسار لاحقًا، سواء في العمل أو في الحياة.
التعليم والاختيار: حين تكون الحرية قرارًا واعيًا
اختارت دعاء دراسة الزراعة، وهو اختيار غير شائع للبنات في نظر المجتمع، لكنه كان منطقيًا بالنسبة لها في ذلك الوقت. لم يكن القرار نابعًا من شغف أكاديمي خالص، بل من مزيج من الواقعية والبحث عن مساحة تسمح بالتجربة. خلال سنوات الدراسة، لم تنظر إلى الكلية باعتبارها مواد تُحفظ وتُنسى، بل كساحة لاختبار الأفكار، والانخراط في الأنشطة، وبناء شبكة علاقات، واكتشاف كيف تُدار الأعمال على أرض الواقع.
هذا المنهج العملي جعلها ترى كل تجربة، حتى الفاشلة منها، بوصفها درسًا. فمشروع تربية الأرانب الذي لم ينجح، على سبيل المثال، لم يكن خسارة خالصة، بل كان تدريبًا مبكرًا على فهم أن التخطيط المسبق لا يقل أهمية عن التنفيذ.
العمل المبكر: نضج قبل الأوان
منذ سنواتها الأولى، خاضت دعاء تجارب عمل متنوعة، من إدخال البيانات في مشروعات حكومية، إلى العمل في التسويق، ثم في الجودة والرقابة داخل مصانع غذائية. لم تكن هذه التجارب مجرد مصدر دخل، بل كانت مدرسة حقيقية في الالتزام، وفهم معنى المسؤولية، والتعامل مع أنظمة العمل، ومؤشرات الأداء، والتقييم.
هذه المرحلة أسست لديها قناعة راسخة بأن التجربة الحياتية، حتى وإن لم تكن مربحة ماليًا، قد تكون أثمن من أي عائد مادي سريع، لأنها تصنع إنسانًا قادرًا على الاستمرار.
من التسويق إلى ريادة الأعمال: التدرج لا القفز
استمر عمل دعاء في مجال التسويق الرقمي لسنوات، متنقلة بين شركات ومشروعات مختلفة، باحثة دائمًا عن بيئة تتعلم فيها أكثر، لا مجرد راتب أعلى. وهي ترى أن الانتقال بين الشركات لا يجب أن يكون قرارًا ماليًا فقط، بل يجب أن يُقاس بثلاثة معايير: الدخل، والبيئة، ومنحنى التعلم.
هذا الفهم جعلها تؤجل فكرة تأسيس مشروعها الخاص، إيمانًا منها بأن النضج النفسي والمهني شرط أساسي للقيادة. فإدارة البشر، في رأيها، مسؤولية لا تقل خطورة عن إدارة المال.
المرض: حين يُعاد ترتيب الأولويات
كانت تجربة المرض نقطة تحول حاسمة في حياة دعاء عارف. لم يكن التحدي جسديًا فقط، بل نفسيًا وإنسانيًا. في هذه المرحلة، أعادت النظر في علاقاتها، ومعاييرها للحكم على الناس، وفهمت معنى الدعم الحقيقي. بعض الأشخاص ابتعدوا، وبعضهم اقترب على نحو لم تتوقعه، وكان ذلك درسًا عميقًا في أن البشر يُختبرون في الشدائد لا في الرخاء.
المرض لم يكسرها، بل أعادها إلى ذاتها، ورسّخ لديها قناعة بأن الإنسان لا يملك نتائج الأمور، بل يملك فقط نية السعي، وأن ما يأتي بعد المحنة غالبًا ما يكون أعمق وأصدق.
من المعاناة إلى الحل: ولادة فكرة «شفاء»
من رحم التجربة الشخصية، وُلدت فكرة «شفاء». لم تنطلق بوصفها مشروعًا تجاريًا بحتًا، بل كحل عملي لمشكلة حقيقية واجهتها دعاء كمريضة: صعوبة الحصول على الدواء، والتواصل مع الصيدلي، وفهم الجرعات، والمتابعة المستمرة. ومع الوقت، اكتشفت أن هذه المعاناة مشتركة بين ملايين المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة.
هنا تحولت الفكرة إلى مشروع، لا يدّعي اختراع العجلة، بل يعتمد على تحويل ما يحدث على الأرض إلى منظومة رقمية أكثر تنظيمًا، تراعي القانون، وتحترم دور الصيدلي، وتضع المريض في قلب العملية.
ريادة الأعمال بمعناها الأعمق
تؤمن دعاء عارف أن ريادة الأعمال ليست مغامرة فردية، بل عمل جماعي بالأساس. وتؤكد أن معظم رزقها في الحياة جاء من فرق العمل التي تعاونت معها، ومن أشخاص تعاملوا مع المشروع كأنه مشروعهم الخاص. لذلك، ترى أن بناء الفريق، وتقدير الإنسان، ومنح المساحة، ليست رفاهية إدارية، بل أساس للاستدامة.
كما ترفض فكرة النجاح القائم على إقصاء الآخرين، أو بناء الإنجاز على حساب القيم، معتبرة أن العمل الحقيقي هو الذي يُضيف للإنسان قبل أن يُضيف إلى الأرقام.
خاتمة: النجاح كرحلة لا كوجهة
قصة دعاء عارف ليست قصة صعود مستقيم، بل مسار متعرج مليء بالتجربة، والخطأ، والتعلّم، والانكسار، ثم النهوض. وهي تذكير بأن النجاح لا يُقاس فقط بما نملكه، بل بما نصبح عليه في الطريق. فحين تُبنى المشاريع على فهم إنساني عميق، تصبح أكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر صدقًا في أثرها.
وفي زمنٍ يُغري فيه البريق السريع، تظل هذه التجربة شهادة على أن الطريق الأطول قد يكون هو الطريق الأصدق.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفتنا دعاء عارف

لا تعليق