في هذه الحلقة من بودكاست 360، يحلّ ضيفًا عبد الرحمن أيمن؛ شابٌ خاض رحلة غير عادية جمعت بين السفر والعمل التطوعي وريادة الأعمال، قبل أن يصل إلى قناعة محورية: أن التعلم الحقيقي ليس شعارًا، بل طريقٌ عمليّ يختصر الوقت ويقلّل الخسائر ويزيد احتمالات النجاح. عبد الرحمن الذي سافر عشرات الدول، وتقدّم لمئات البرامج والمنح، ثم عاد ليشارك في تأسيس منصة تعليمية، يواجه فكرة شائعة بصراحة: “أنا ابن السوق ولا أحتاج إلى تعليم”.
يرى عبد الرحمن أن هذه النظرة ليست دقيقة؛ لأن السوق نفسه نوعٌ من التعليم. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول “الاعتماد على الفهلوة” إلى بديلٍ دائم عن بناء المعرفة والمهارات. فحين تدخل مشروعًا بلا فهمٍ لأصوله، قد تعمل كثيرًا… وتخسر أكثر.
من كلية لا يحبها… إلى وعيٍ يصنع مسارًا جديدًا
بدأت رحلة الضيف من نقطة مألوفة لكثيرين: دخل كلية الصيدلة دون أن تكون خياره الأول، وشعر داخل الجامعة بأنه لا يجد ذاته. لكنه لاحقًا اكتشف أن الجامعة لم تكن “عديمة القيمة” كما ظن وقتها؛ بل إن قيمتها لا تظهر فورًا، وتأتي عبر تراكم الخبرات والقدرة على الربط بين ما تتعلمه وما تحتاجه.
ومع ذلك، لم يكتفِ بما تقدمه المحاضرات؛ فاتجه إلى ما أسماه التجارب التي “تحدث خارج السكشن”: أنشطة طلابية، تطوع، عمل مجتمعي، احتكاك مباشر بالناس. هناك تغيّر تفكيره، وتعلّم مهارات العمل في فريق، والتواصل، وتنظيم الموارد، والنظر للمشكلات بطريقة منهجية.
بذرة البزنس المبكر… من “تلخيص المحاضرات” إلى مشروع قابل للتوسع
خلال سنوات الجامعة، كان عبد الرحمن يكتب ملخصات ومحاضرات ويبيعها للطلاب. لم يكن يسمي ذلك “بزنس” حينها؛ كان يرى الأمر محاولة لتدبير المصروف. لكنه الآن، عندما ينظر إلى التجربة بعقلية اليوم، يكتشف فرصًا كان يمكن أن تحولها إلى مشروع متكامل: شبكة توزيع، نماذج شراكة مع أكشاك متعددة، فريق كتابة منظم، التوسع لكليات أخرى، وبناء علامة تجارية تضمن جودة المحتوى.
الأهم من ذلك أنه خرج بقناعة واضحة: ليس شرطًا أن تحب كل ما تفعل، لكن إن بدأت شيئًا فعليك أن تلتزم به بجدية، لأن فتح باب الأعذار — ولو قليلًا — يجعل التراجع عادة. كما شدد على فكرة “العمل الجماعي”: النجاح ليس بطولة فردية، بل نتيجة منظومة من زملاء يساعدون، ومصادر تعلم، ومجتمع يدفعك للأمام.
الأنشطة الطلابية: تعليم خارج المنهج… لكنه يصنع الفارق
يؤكد عبد الرحمن أن الأنشطة الطلابية ليست ترفًا، بل مساحة تدريب حقيقية للحياة العملية: تعلمك التخطيط، حل المشكلات، بناء العلاقات، إدارة الوقت، والعمل تحت ضغط. وقد كانت تجربة “آيزك” مفصلًا مهمًا لديه، ليس فقط لفكرة السفر، بل لأنها علّمته كيف يقنع الناس، وكيف يبيع فكرة، وكيف يدير فريقًا ويتدرج داخل مؤسسة كبيرة.
وتُظهر تجربته داخل آيزك معنى “النمو المهني” المبكر: بدأ متطوعًا، ثم قاد فرع الجامعة، ثم انتقل لإدارة على مستوى الدولة، ثم مسؤوليات أوسع. ويشير إلى أن المنصات التطوعية تمنح الشباب “مساحة ثقة” وتجربة قيادة لا يحصلون عليها بسهولة في سياقات أخرى.
السفر ليس للترف… بل لتكسير وهم المعرفة
عندما يتحدث عن السفر، لا يقدمه بوصفه إنجازًا رقميًا بقدر ما يراه مدرسة لفهم العالم. فكلما زادت مشاهداتك للثقافات، ازداد وعيك بجهلك واتسع أفقك. ويذكر دولًا قد لا يضعها كثيرون على قائمة الأحلام مثل كمبوديا وتوجو والجابون، معتبرًا أن “المناطق غير السياحية” أصدق في كشف حقيقة المجتمعات وتجارب الناس.
واللافت أنه يربط السفر بالتعلم؛ فإتقان اللغة الإنجليزية — مثلًا — لم يأتِ من تعليم أجنبي فاخر، بل من احتكاك وتدريب وممارسة مستمرة، ومن بيئات مثل الأنشطة الطلابية.
مشروع فشل… لكنه أنقذه من “الفهلوة”
بعد التخرج، حاول عبد الرحمن وفريقه بناء تطبيق لتنظيم الوصول إلى الميكروباصات: معرفة خط السير والوقت، وربما الحجز. لكنه يعترف بأن المشروع فشل فشلًا واضحًا، والسبب لم يكن الفكرة وحدها، بل غياب الصبر، وضعف الالتزام داخل الفريق، والأهم: نقص أساسيات إدارة الأعمال.
هذا الفشل قاده إلى جملة صارت عنوانًا داخليًا لديه: “اتعلمت إنّي محتاج أتعلم”. ويضيف أن كل معلومة جديدة تقلل التكاليف التي قد تدفعها من وقتك ومالك وأخطائك. فالمعرفة ليست رفاهية، بل استثمار يقلل الخسائر.
“التعليم النظيف”: تعلم يفهمك… ويعطيك أدوات قرار
بعد تجربة المنحة وبرامج التعليم، عاد عبد الرحمن أكثر وضوحًا في رؤيته للتعلم: ليس المقصود شهادات فقط، بل فهم “لماذا نفعل ما نفعل”، وأي أداة نستخدم، وكيف نختار نموذج عمل، وكيف نختبر فكرة. هنا ظهر مفهوم “التعليم النظيف” عنده: تعلم يشرح لك الأسس، ويضعك في سياق عالمي، ويعطيك لغة واضحة للأفكار، بدل الاعتماد على الحدس وحده.
ومن هذا المنطلق، شارك مع شركائه في تأسيس منصة تساعد الطلاب على اتخاذ قرارين يراهما الأصعب: أدرس ماذا؟ وأدرس أين؟ لأن الإجابة ليست سهلة كما تبدو، ولأن كثيرين يضيعون وسط مئات الصفحات والنوافذ المفتوحة والمنح المتشابهة.
الاستثمار: “الافتراض الأساسي هو الرفض”
عندما انتقل الحديث إلى البحث عن مستثمرين، كانت نصيحته مركزة: لا تتوقع “نعم” من أول مرة. فالمستثمر لا يعطي المال لأن الفكرة جميلة، بل لأنه يريد دلائل: نموذج أولي، التزام مستخدمين، اختبار سوق، شواهد تثبت أن هناك مشكلة حقيقية وأن الناس مستعدة للدفع.
ويؤكد أن “اديني فلوس عشان عندي فكرة” لم تعد منطقية في الواقع الحالي. المطلوب أن تختبر بأبسط صورة ممكنة: ورقة، عرض، نموذج بسيط، أو حتى التزام من عدة مستخدمين. ثم تتوسع خطوة خطوة.
ثقافة العمل: بيئة تُخفف الضغط لا تصنعه
في جانب مختلف، تحدث عبد الرحمن عن ثقافة شركته: بيئة تُشعرك بأنك إنسان قبل أن تكون موظفًا. لا تقديس لفكرة “مكتب المدير” ولا تعقيد في التفاصيل، ومساحات تسمح بالراحة والتركيز، مع أدوات بسيطة لرفع الطاقة مثل القهوة والوجبات الخفيفة. الفكرة ليست رفاهية، بل دعم نفسي يقلل الاحتراق ويزيد الإنتاجية.
الخلاصة: ارفع فرصك… ولا تقصّ جناحك بيدك
أهم ما خرج به الضيف من رحلته أن النجاح ليس وصفة واحدة، بل احتمالات. وكل خطوة صحيحة ترفع فرصك: جامعة، نشاط طلابي، تدريب، تجربة مشروع، قراءة، تعلم مهارة. لذلك يحذر من عقلية حذف عناصر أساسية — مثل التعليم — ثم توقع نفس نتائج من امتلكوا بيئات داعمة ونظمًا تعليمية قوية.
وينهي بنصيحة عملية: لا تجعل “كل الناس لازم يبقوا رواد أعمال” فكرة مقدسة؛ يمكنك أن تنجح موظفًا، أو داخل مؤسسة، أو في عمل مجتمعي، المهم أن تبني قصتك أنت… بعقل نقدي، وتعلم جاد، وأخلاق في العمل.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا عبد الرحمن أيمن

لا تعليق