التربية في عصر السرعة والانشغال II تحديات وحلول مع محمد الشامى

التربية في عصر السرعة والانشغال II تحديات وحلول مع محمد الشامى


لم تعد تربية الأبناء في عصرنا الحديث مهمة تلقائية تقوم بها الأسرة بالفطرة، بل أصبحت مشروعًا إنسانيًا معقدًا يتداخل فيه النفسي والاجتماعي والتربوي. في هذا السياق، جاء الحوار مع الدكتور محمد الشامي، استشاري الطب النفسي للأطفال والكبار، ليكشف عن أبعاد عميقة غالبًا ما يتم تجاهلها في تربية الأبناء، خاصة في ظل انشغال الآباء المتزايد وضغوط الحياة المعاصرة.

يرى الدكتور الشامي أن واحدة من أخطر مشكلات التربية اليوم تتمثل في الأب الغائب المنهمك في العمل، والأم المرهقة نفسيًا والمحمّلة بأعباء تفوق طاقتها. هذا الخلل البنيوي في الأسرة ينعكس مباشرة على الصحة النفسية للأطفال، حتى وإن توفرت لهم كل المتطلبات المادية.

ما قبل الإنجاب: هل نُهيّئ أنفسنا نفسيًا؟

يشير الدكتور الشامي إلى نقطة محورية كثيرًا ما تُهمَل:
هل يعمل الزوجان على أنفسهما نفسيًا قبل قرار الإنجاب؟

فالزواج ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها، والإنجاب ليس مجرد حدث بيولوجي، بل مسؤولية نفسية وتربوية طويلة الأمد. كثير من الآباء، كما يلاحظ، يأتون بأطفالهم للعلاج، ثم يتبين في النهاية أن الأب أو الأم هما الأكثر احتياجًا للعلاج النفسي، بسبب إنكارهم لمشكلاتهم أو التقليل من أثرها.

الحمل والتغيرات النفسية: ما لا يُقال صراحة

تؤكد الدراسات النفسية، كما يوضح الدكتور الشامي، أن الحمل يصاحبه تغيرات هرمونية ومزاجية قد تصل إلى اكتئاب ما بعد الولادة، وهو أمر شائع أكثر مما يُعتقد.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الاكتئاب نفسه، بل في إنكار الأسرة له، واعتباره دلالًا أو ضعفًا في الإيمان.

ويحذر من أن إهمال علاج اكتئاب الأم قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية لدى الطفل لاحقًا، خاصة في حال غياب الدعم العاطفي من الأب.

نظرية الارتباط: الأساس النفسي للأمان

من أهم المفاهيم التي تناولها الحوار مفهوم الارتباط الآمن بين الطفل وأمه في السنوات الأولى.
هذا الارتباط يُبنى عبر التلامس الجسدي، والرضاعة الطبيعية، والاستجابة لبكاء الطفل، لكنه — كما يؤكد الدكتور الشامي — يجب أن يكون متوازنًا.

فالارتباط الزائد لا يقل خطورة عن الإهمال، إذ يؤدي إلى طفل غير مستقل، خائف من الانفصال، عاجز عن مواجهة العالم الخارجي.

الفطام والنوم المستقل: قرارات تربوية حاسمة

يشدد الدكتور الشامي على أن الطفل، منذ تعلمه المشي، ينبغي تدريجيًا أن ينام في سريره الخاص، حتى قبل الفطام الكامل.
فالنوم المستقل لا يعني القسوة، بل هو تدريب مبكر على الأمان الداخلي والاستقلال النفسي.

كثير من المشكلات السلوكية في الطفولة المتأخرة، مثل الخوف المرضي أو القلق الزائد، تعود جذورها إلى تأخير الانفصال الصحي بين الطفل وأمه.

الحضانة المبكرة: ضرورة وليست رفاهية

على عكس الاعتقاد الشائع، يرى الدكتور الشامي أن سن السنتين هو الوقت الأنسب لدخول الحضانة، ليس للتعليم الأكاديمي، بل لتنمية المهارات الاجتماعية واللغوية.

فالطفل الذي يبقى حبيس البيت مع الأم فقط، يكون أكثر عرضة للخجل الاجتماعي، وضعف الثقة بالنفس، وصعوبة التكيف لاحقًا مع المدرسة.

الغيرة، الغضب، والبكاء: كيف نتصرف؟

يؤكد الدكتور الشامي أن الغيرة بين الإخوة أمر طبيعي، وكذلك الغضب والبكاء.
لكن الخطأ الشائع هو محاولة إيقاف بكاء الطفل بأي ثمن.

فالطفل يحتاج أن يتعلم أن البكاء لا يغير القواعد، وأن الغضب لا يمنحه ما يريد.
ترك الطفل يهدأ أولًا، ثم الحديث معه بعد ذلك، هو الأسلوب الأصح نفسيًا.

العقاب: ضرورة تربوية بشروط

يرفض الدكتور الشامي فكرة التربية بلا عقاب، لكنه في الوقت ذاته يرفض العقاب الجسدي.
فالعقاب النفسي المنظم — كالحرمان المؤقت أو الخصام المحدود — أكثر تأثيرًا وأطول أثرًا.

العقاب ليس هدفه الإيذاء، بل إشعار الطفل بأن لكل خطأ عواقب، وأن العالم لا يسير وفق رغباته فقط.

فرط الحركة وتشتت الانتباه: تشخيص لا اتهام

من أكثر الاضطرابات شيوعًا في الطفولة اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).
ويحذر الدكتور الشامي من الخلط بين الشقاوة الطبيعية والاضطراب المرضي.

الفرق الأساسي هو مدى تأثير السلوك على حياة الطفل الدراسية والاجتماعية.
وفي الحالات المتوسطة والشديدة، يكون العلاج الدوائي ضرورة، وليس وصمة.

الموبايل والتوحد: تصحيح مفهوم شائع

يؤكد الدكتور الشامي بوضوح:
الأجهزة الإلكترونية لا تُسبب التوحد.

لكن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى تأخر لغوي واجتماعي يُشبه بعض أعراض التوحد، ما يسبب التشخيص الخاطئ.

الحل ليس المنع التام، بل التقنين والمراقبة، مع إعطاء الأولوية للتفاعل الإنساني الحقيقي.

القيم الدينية والأخلاقية: تُزرع ولا تُفرض

غرس القيم، كالصلاة أو الحجاب أو حب القراءة، لا يتم بالأوامر، بل بالقدوة والاستمرارية.
فالطفل يتشرب ما يراه، لا ما يُقال له فقط.

ويؤكد الدكتور الشامي أن غياب الأب عن المشهد اليومي يجعل عملية غرس القيم أكثر صعوبة، مهما بذلت الأم من جهد.

الأب الغائب: الخسارة الصامتة

في ختام الحوار، يطرح الدكتور الشامي رؤية صادمة لكنها واقعية:
الأسرة مشروع استثماري إنساني.

فالمال الذي يأتي على حساب الغياب الأبوي قد يحقق نجاحًا مهنيًا، لكنه يترك فراغًا عاطفيًا لا يُعوّض.
الأطفال لا يحتاجون أبًا عبر الهاتف، بل أبًا حاضرًا، يسمع، ويشارك، ويحتوي.

ويختم بقوله:

“أكبر أزمتين في تربية هذا العصر هما الأب المشغول الغائب، والأم المرهقة نفسيًا. وبينهما يضيع الطفل.”

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا محمد الشامي

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *