في حلقة جديدة من بودكاست “360”، نستضيف الخبير المتخصص الدكتور أسامة الحصري، للحديث عن قضية شائكة طالما أُهملت في مجتمعاتنا العربية، وهي الثقافة الجنسية. هذا الموضوع لا يقتصر على الجانب الطبي فحسب، بل يتداخل مع البعد النفسي والاجتماعي والديني، ويؤثر بشكل مباشر في استقرار الأسرة والمجتمع. إن إدراك أهمية هذه القضية هو الخطوة الأولى نحو بناء وعي جديد يضمن حياة زوجية مستقرة وسعيدة.
أزمة المفاهيم المغلوطة
تنتشر بين الناس أفكار خاطئة حول العلاقة الجنسية، منها الاعتقاد بأن طول العضو الذكري هو العامل الأساسي للاستمتاع، أو أن الرجولة تقاس بقدرة الرجل على الإنجاب فقط. هذه المفاهيم تخلق ضغوطًا نفسية هائلة وتدفع الشباب إلى اللجوء إلى المنشطات أو الوصفات الشعبية، دون وعي بالمخاطر الصحية المترتبة عليها. ويشير الدكتور أسامة إلى أن هذه التصورات السطحية تجعل الرجل يركز على المظاهر الخارجية بدلًا من الجوهر الحقيقي للعلاقة، وهو التفاهم والانسجام النفسي بين الزوجين.
تأثير العوامل الصحية
أوضح الدكتور أسامة أن أمراضًا شائعة مثل السمنة، التدخين، ارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري، تؤثر بشكل مباشر في القدرة الجنسية. فالسمنة مثلًا تقلل من هرمون التستوستيرون وتضعف الرغبة، بينما التدخين يؤدي إلى تصلب الشرايين ويضعف تدفق الدم إلى العضو الذكري. أما السكري غير المنضبط فيؤثر على الأعصاب الطرفية والأوعية الدموية، مما ينعكس على الانتصاب. هذه الحقائق الطبية تؤكد أن الصحة العامة هي أساس الصحة الجنسية، وأن إهمال نمط الحياة الصحي يقود إلى مشكلات معقدة يصعب علاجها لاحقًا.
دور الثقافة الجنسية
الثقافة الجنسية ليست مجرد معلومات طبية، بل هي وعي شامل بالعلاقة بين الرجل والمرأة. فنجاح العلاقة لا يقاس بمدة الجماع أو سرعة القذف، بل بقدرة الطرفين على إرضاء بعضهما نفسيًا وجسديًا. وأكد دكتور أسامة أن كثيرًا من حالات الطلاق في المجتمع تعود إلى فشل العلاقة الجنسية، رغم أن السبب الحقيقي غالبًا ما يُخفى تحت ذرائع أخرى. إن غياب التثقيف الجنسي السليم يجعل الشباب يدخلون الحياة الزوجية وهم محملون بأوهام وخيالات غير واقعية، سرعان ما تنهار أمام التجربة الفعلية.
مشكلة الاعتماد على المنشطات
تناول الحوار قضية الاعتماد المفرط على المنشطات الجنسية، حيث يبدأ بعض الشباب باستخدامها في سن مبكرة، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس وربط الأداء الجنسي بوجود “الحبة”. هذا الارتباط الشرطي يخلق مشكلة طويلة الأمد، إذ يفقد الرجل القدرة الطبيعية على الأداء دون دواء. ويحذر الدكتور أسامة من أن هذه العادة قد تتحول إلى إدمان نفسي، يجعل الرجل غير قادر على الاستمتاع بالعلاقة إلا بوجود العقار، وهو ما يهدد استقرار الحياة الزوجية.
العادة السرية والإدمان على الإباحية
من أبرز القضايا التي ناقشها الدكتور أسامة، إدمان الشباب على مشاهدة الأفلام الإباحية وممارسة العادة السرية بطرق غير طبيعية، مما يرسخ أنماطًا خاطئة في العقل الباطن. هذه الأنماط تجعل من الصعب على الشاب التكيف مع العلاقة الزوجية لاحقًا، لأنه يربط الإثارة بمشاهد أو أوضاع غير واقعية. الحل يكمن في التوقف التدريجي، ممارسة الرياضة، الصوم، واللجوء إلى التثقيف الجنسي السليم. كما أن الاستعانة بالمتخصصين النفسيين ليست عيبًا، بل هي خطوة ضرورية لإعادة ضبط البوصلة الفكرية.
العلاقة الزوجية الناجحة
أكد الدكتور أسامة أن الهدف الأساسي من العلاقة الجنسية هو استقرار البيت، وليس مجرد إشباع رغبة الرجل. فإرضاء الزوجة هو الأساس، لأن إرضاء الرجل عادة أسهل من الناحية الفسيولوجية. ومن هنا تأتي أهمية الحوار بين الزوجين، حيث يجب أن يتحدث كل طرف عن احتياجاته بصراحة، بعيدًا عن الخجل أو الخوف من الانتقاص من الرجولة. إن العلاقة الناجحة تقوم على الاحترام المتبادل، والوعي بأن المتعة مسؤولية مشتركة وليست عبئًا على طرف واحد.
سرعة القذف وضعف الانتصاب
من أكثر المشكلات شيوعًا بين الرجال سرعة القذف وضعف الانتصاب. وهما مشكلتان يمكن علاجهما إذا تم التعامل معهما بوعي. فسرعة القذف مثلًا ليست عيبًا في الرجل بقدر ما هي مشكلة أخلاقية، لأنها تحرم الزوجة من حقها في الإشباع. أما ضعف الانتصاب فقد يكون نتيجة لأسباب عضوية أو نفسية، ويحتاج إلى مراجعة الطبيب بدلًا من الإنكار أو اللجوء إلى حلول غير علمية. ويؤكد الدكتور أسامة أن العلاج يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم البحث عن الحلول العلمية المناسبة.
خطورة الخلطات الشعبية
تناول الحوار أيضًا خطورة “الخلطات” المنتشرة في الأسواق، والتي تُباع على أنها طبيعية أو عشبية، بينما تحتوي في الحقيقة على مواد دوائية خطيرة مثل الفياجرا أو الترامادول. هذه المواد قد تمنح انتصابًا مؤقتًا، لكنها تدمر الأوعية الدموية وتؤدي إلى مشكلات مزمنة يصعب علاجها لاحقًا. إن غياب الرقابة الصارمة على هذه المنتجات يزيد من انتشارها، ويجعل الكثيرين ضحية لممارسات تجارية غير مسؤولة.
نحو وعي جديد
خلص الدكتور أسامة الحصري إلى أن الحل يكمن في نشر الوعي الصحيح، والتعامل مع المشكلات الجنسية باعتبارها أمرًا طبيعيًا يحتاج إلى علاج مثل أي مرض آخر. فالثقافة الجنسية السليمة تحمي الأسرة من التفكك، وتمنح الزوجين حياة مستقرة قائمة على التفاهم والرضا المتبادل. كما دعا إلى ضرورة إدماج التثقيف الجنسي في المناهج التعليمية، بطريقة علمية وأخلاقية، تضمن للشباب فهمًا صحيحًا قبل دخولهم الحياة الزوجية.
خاتماً
إن العلاقة الجنسية ليست مجرد فعل جسدي، بل هي منظومة متكاملة من المشاعر والاحترام والمسؤولية. وإشباع الزوجة ليس رفاهية، بل هو أمانة وديانة وأخلاق، كما أكد الدكتور أسامة. لذلك، فإن مواجهة المشكلات الجنسية بوعي وشجاعة، واللجوء إلى أهل العلم بدلًا من الخرافات، هو الطريق الأمثل لبناء أسر مستقرة ومجتمعات متوازنة. إن نشر الثقافة الجنسية السليمة ليس خيارًا، بل ضرورة ملحة، إذا أردنا أن نرتقي بمجتمعاتنا ونحميها من الانهيار النفسي والاجتماعي.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا اسامة الحصري

لا تعليق