العلاقات المصرية التركية، هنا نستشرف المستقبل، مع السفير التركي في مصر صالح موطلو شن

العلاقات المصرية التركية، هنا نستشرف المستقبل، مع السفير التركي في مصر صالح موطلو شن


في حوارٍ اتسم بالصراحة واللغة الهادئة، تحدّث سعادة السفير التركي لدى مصر صالح موتلو شِن عن تجربته في القاهرة، وعن فلسفته في الدبلوماسية التي تبدأ ــ كما قال ــ من “كلمةٍ تخرج من القلب”، قبل أن تمتد إلى ملفات السياسة والاقتصاد والثقافة، وما يربط مصر وتركيا من إرثٍ تاريخي ومصيرٍ إقليمي مشترك.

علاقات تتجاوز المصالح إلى الذاكرة المشتركة

يرى السفير أن العلاقات بين الدول قد تُبنى على المصالح، لكن ثمة نمطًا أعمق يقوم على التراث التاريخي والثقافي المشترك بين الشعوب. ومن هذا المنطلق وصف العلاقة المصرية–التركية بأنها “متجذرة ومتأصلة” تمتد عبر الزمن، وتصلح لأن تكون قاعدة لاستشراف تعاونٍ أوسع من حدود الثنائية، نحو أثرٍ إقليمي أرحب.

وأكد أن وجود سفير في القاهرة ليس مجرد تمثيل بروتوكولي، بل هو “همزة وصل” بين حضارتين، خصوصًا بعد سنواتٍ شهدت فتورًا سياسيًا أعقبه ــ بحسب توصيفه ــ انتعاشٌ وتعاونٌ اقتصادي وعسكري.

من “قائم بالأعمال” إلى سفير… ووعيٌ بحساسية المرحلة

توقف السفير عند لحظة وصوله إلى القاهرة في يونيو 2022 بوصفه قائمًا بالأعمال، موضحًا أن هذا الوضع يعكس مستوىً دبلوماسيًا منخفضًا لا يعني انقطاع العلاقات بالكامل، لكنه يحدّ من فاعليتها العملية. ثم أشار إلى انتقال العلاقة إلى مستوى السفراء لاحقًا، وهو ما اعتبره تتويجًا لمسار سياسي اتفق عليه الرئيسان في البلدين.

ويشرح السفير أن ما حكم سلوكه منذ البداية هو إدراكه لتوقعات الرأي العام، واستحضاره اهتمامًا قديمًا بمصر تشكل خلال سنوات دراسته، ثم تعزز عبر مفاوضات مهنية وصداقات دبلوماسية مع مسؤولين مصريين، ما رسّخ لديه تقديرًا للدبلوماسية المصرية “كشريكٍ قادر على التفاهم العقلاني”.

“الصبر” كفلسفة عمل… وثمارها الثقافية

من الأفكار اللافتة في حديثه تأكيده على مفهوم “الصبر” بوصفه قيمةً مشتركة بين الثقافة العربية والتركية، يصعب ــ على حد قوله ــ إيجاد مقابلٍ دقيق له في الإنجليزية؛ لأنه يجمع بين التحمل والنضج والاختبار، بل “الاحتراق” بمعناه الصوفي كمرحلة تتجاوز النضج. وربط ذلك بفكرة أن النتائج الثقافية لا تُقطف سريعًا، بل تنضج مع الزمن.

وفي هذا السياق، أشار إلى أمثلة يراها ثمرة لهذا “الصبر”، مثل تزايد التبادل الثقافي، واستضافة فعاليات تُبرز حضور السينما والثقافة التركية ضمن المجال العام المصري، بما يعزز التقارب عبر أدوات غير سياسية.

القوة الناعمة… جسرٌ لا طريقٌ من طرف واحد

سُئل السفير عن المسلسلات التركية والسياحة والتقدم الصناعي بوصفها عناصر قوة ناعمة، فوافق على أن هذا التأثير قائم، لكنه شدد على أن هدفه ليس “تصدير نموذج”، بل بناء جسور متبادلة تُحيي الذاكرة المشتركة وتمنح العلاقات “دفئًا” إنسانيًا، لا يتحقق بالسياسة وحدها.

واستحضر رموزًا من الثقافة المصرية يراها حاضرة في الوجدان التركي: نجيب محفوظ وترجمات أعماله، وعمر الشريف بوصفه أيقونة عالمية، وأم كلثوم التي ما زالت ــ بحسب حديثه ــ تحظى بتقدير راسخ في تركيا. كما أشار إلى تفاعلات تاريخية بين الموسيقى في البلدين، حيث أثّر موسيقيون عثمانيون في بنية المقامات، ثم أثّرت السينما والموسيقى المصرية في الوجدان الفني التركي لاحقًا.

ليبيا وشرق المتوسط… لغة الاستقرار والتسوية

في الملف الليبي، أوضح السفير أن بلاده تتواصل علنًا مع الشرق والغرب، وأن الهدف المعلن هو وحدة ليبيا واستقرارها، مع دعم المسار السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة، ومنع العودة إلى الفوضى. وأكد أن أنقرة ترى في القاهرة شريكًا رئيسيًا، وأن مستوى الثقة والحوار بين البلدين تحسن مقارنة بالماضي، بما قد يساعد على توجيه المسار الليبي “خطوةً بخطوة”.

أما في ترسيم الحدود البحرية وملف الغاز بشرق المتوسط، فقدم مقاربة تقوم على أن هذه القضايا تُحل عبر اتفاقات ثنائية بين الدول المعنية، وأن أي إعلان أحادي يبقى موضع خلاف حتى تتم التسوية بالتفاوض. وأكد ــ في هذا الإطار ــ اهتمام بلاده بمراعاة حساسية مصر، ورغبتها في أن تستفيد القاهرة من إمكانات المتوسط إلى أقصى حد ممكن.

سوريا وغزة… أولوية وقف المعاناة والدفع نحو الاستقرار

تحدث السفير عن سوريا بلهجة تعتبر المرحلة فرصة لإنهاء معاناة الشعب السوري، وإعادة البناء وعودة النازحين، مشددًا على أن دعم دول الإقليم ــ وفي مقدمتها مصر ــ عنصر مهم لتجاوز التحديات وحماية وحدة الأراضي السورية، ومعالجة أخطار الانقسام عبر الحوار.

وفي الشأن الفلسطيني، عبّر عن انزعاجه من خروقات وقف إطلاق النار، ورأى أن بعض الأصوات المتطرفة “تستغل الفرص لإعادة إشعال الحرب”، مؤكدًا أن الواجب العاجل هو وقف نزيف الدم، وإدخال المساعدات، وتثبيت الهدنة، ثم الدفع نحو حل الدولتين بوصفه أفقًا سياسيًا يضمن الحقوق الفلسطينية والأمن الإقليمي.

الدفاع والتعاون… الردع من أجل السلام لا التصعيد

وعن تقارير تتحدث عن قلق إسرائيلي من التقارب المصري–التركي خاصة في الصناعات الدفاعية، رد السفير بمقاربة عامة: الدول “الجادة” التي تجعل التنمية أولوية تحتاج إلى الاستقرار، والاستقرار يحتاج إلى ردعٍ متوازن يحمي الأمن القومي ولا يستهدف أحدًا. ومن ثم رأى أن التعاون الدفاعي بين الدول حق سيادي، وأن امتلاك قدرات وطنية في التصنيع العسكري ليس ترفًا بل ضرورة ضمن قواعد توازن القوى.

دروس شخصية… الإخلاص، والتوكل، وعدم الاستسلام

في ختام الجانب الإنساني من الحوار، قدّم السفير خلاصةً يقول إنه يكررها لأبنائه: أن الحياة تختبر الإنسان باستمرار، وأن الإخلاص والصدق يعودان على صاحبهما بالنتيجة عاجلًا أو آجلًا، وأن التوكل بعد بذل الأسباب يمنح القلب راحة. وأضاف أنه لم يستسلم يومًا، وأن التفاؤل ورؤية “نور الشمس بين الغيوم” تساعد الإنسان على تحويل المشكلات إلى فرص.

وبين اعترافه بأن البشر يخطئون، أشار إلى “ندمٍ” شخصي يتعلق بعدم امتلاك شجاعة كافية في سن مبكرة لاحتراف الرياضة رغم موهبته، لكنه عدّ اختياره الدبلوماسية قرارًا صائبًا لأنها ــ وفق رؤيته ــ مهنة خدمة للوطن والناس.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا السفير التركي في مصر صالح موطلو شن

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *