في هذه الحلقة من بودكاست 360 نستضيف عبد الرحمن وليد حيث يقدم صورة صريحة عن رحلته مع عالم الأعمال والاستشارات، من لحظات الثقة المطلقة بنصائح “المعلمين” في السوق، إلى صدمات الرفض والخسارة، ثم إعادة بناء التجربة على أساسٍ أكثر نضجًا وواقعية. الحديث لا يروّج لشعارات براقة، بل يضع اليد على ألمٍ يعرفه كثير من أصحاب المشاريع: الخلط بين “فنيات الصناعة” و“إدارة البزنس”، والاعتقاد أن الحل السحري يأتي من كلمة مستشار أو شركة استشارات، ثم اكتشاف أن التشخيص الخاطئ قد يكلّفك مالك ووقتك وثقتك بنفسك.
لماذا أصبحت استشارات البزنس محل جدل؟
يبدأ الحوار من سؤالٍ جوهري: هل الاستشارات في مصر والوطن العربي صناعة حقيقية بقيمة مضافة، أم مجرد “كلام عام” يُباع على شكل نصائح؟ يوضح الضيف أن جزءًا كبيرًا من المشكلة نابع من توقعاتٍ غير واقعية: صاحب المشروع يريد “نتيجة سريعة”، وفي المقابل هناك من يقدّم استشارات عامة لا تنفذ إلى جوهر الأزمة. وبين الطرفين تتولد فجوة ثقة تتسع بمرور الوقت.
كما يشير الحديث إلى أن كثيرًا من الشركات تمر بأزمات متشابهة: مشاكل مالية وإدارة تدفقات نقدية، ضعف في منظومة البيع، ارتباك في التسويق، أو حتى غياب رؤية تشغيلية واضحة. لذلك، تبدو الاستشارات ضرورية، لكن بشرط أن تكون مبنية على فهمٍ حقيقي للسوق، وعلى تدخلٍ مُصمَّم خصيصًا لكل حالة، لا “روشتة ثابتة” للجميع.
“طبيب البزنس”: الاستشارة ليست وصفة جاهزة
يركّز عبد الرحمن وليد على فكرة محورية: المستشار الجيد يشبه الطبيب؛ لا يعطي وصفة واحدة لكل الناس، بل يفهم قصة كل شركة وأرقامها وظروفها ثم يضع خطة مناسبة. لذلك يؤكد أن الاستشارات الناجحة لا تكون زيارات سريعة أو نصائح مقتضبة، بل تحتاج تخصيصًا ووقتًا وتفرغًا، وربما فريقًا كاملًا يتابع تفاصيل المشروع، من المبيعات والتسويق، إلى العمليات وسلاسل الإمداد والشؤون القانونية.
ويوضح أن السبب في الخلط المتكرر داخل الشركات هو عدم التمييز بين “الفنيات” الخاصة بالصناعة نفسها، وبين قواعد البزنس العامة التي تحكم أي مجال. فقد يعمل المستشار مع مصنع دهانات أو أجهزة كهربائية أو قطاع طبي أو سيارات، لأن ما يختلف هو المنتج، لكن ما يتشابه هو المنظومة: الماليات، البيع، التسويق، التشغيل، وإدارة المخاطر.
من الشارع إلى إدارة المنظومات: كيف بدأت الرحلة؟
يحكي الضيف عن بداياته العملية المبكرة، وعن إيمانه بأن “الفلوس في الشارع”، وأن التجربة هي المدرسة الأصدق. ويصف صراعًا مألوفًا داخل البيئات التقليدية: أسرة تؤمن بالوظيفة والاستقرار، وشاب يرى أن طريقه مختلف. ومع ضغط الأصوات المحيطة، يبدأ الشك: هل أنا المخطئ؟ هل الطريق الذي أسير فيه مجرد اندفاع؟
لكن التجربة كانت تُجيبه كل مرة: رؤية نماذج كادحة في الشارع تحفّزه، وتجعله يرى معنى المسؤولية والاجتهاد بعيدًا عن الشهادات وحدها. ومن هنا بدأت رحلته في التجارة ثم الدعاية والطباعة، ثم توسّع في خدمات متكاملة للمطاعم، وصولًا إلى فهمه المبكر لفكرة “تطوير النموذج” وعدم الوقوف عند منتج واحد.
صدمة التحصيل: حين تدفع ثمن فشل غيرك
من أكثر اللحظات قسوة في القصة هي لحظة إدراكه أن جزءًا كبيرًا من خسائر الأعمال لا يأتي من سوء المنتج فقط، بل من نظام التحصيل وتدفق الأموال. فهو يعمل، ينفّذ، يقدّم خدمة، ثم يغلق العميل مشروعه أو يتأخر في الدفع، فيُصبح صاحب الخدمة هو الذي يدفع الثمن. هنا تتكشف حقيقة موجعة: أحيانًا تتضرر لأن عميلك “فشل”، لا لأنك أنت فشلت.
يصف كيف تراكمت عليه تحصيلات كبيرة، وكيف وصل إلى لحظة يشعر فيها أن الدائرة تُغلق: المطابع تطلب مستحقاتها، الموظفون ينتظرون رواتبهم، والإيجار ثابت، بينما الأموال عالقة عند السوق. وفي مثل هذه اللحظات يتسلّل الإحباط، ويبدأ الإنسان بمراجعة قناعاته كلها، ويتساءل عن جدوى الاستمرار.
تجربة الوظيفة: هل كانت حلًا أم مرحلة عابرة؟
في ذروة الضغط، يذكر الضيف أنه قرر تجربة الوظيفة لأول مرة بجدية، لا لأنها حلمه، بل لأنه أراد اختبار الفكرة: ربما أكون مخطئًا. لكنه اكتشف سريعًا أن عقلية “صاحب مشروع” تختلف عن عقلية “موظف”؛ فهو لا يستطيع أن يرى مشكلة في منظومة البيع أو المنتج ويسكت، ولا يقبل أن ينتهي دوره عند التسويق إذا كانت بقية المنظومة تنهار. ومع الوقت شعر أن ساعات العمل الطويلة لا تعكس قيمة حقيقية، وأن لديه قدرة أكبر على البناء خارج الإطار الوظيفي.
من التسويق إلى الاستشارات: حين تتجاوز “مساحتك” في نظر الآخرين
ينقل الحوار نقطة مهمة: كثير من أصحاب الأعمال يتعاملون مع التسويق كأنه سبب كل شيء؛ فإذا جاء العملاء ولم يشتروا، اتجه الاتهام فورًا للمسوق. بينما الواقع أن المشكلة قد تكون في المنتج، أو السعر، أو تجربة العميل، أو فريق المبيعات، أو متابعة العملاء، أو إدارة العلاقات. وحين يبدأ المسوق في الإشارة لهذه العيوب، يعتبره صاحب المشروع “يتدخل” فيما لا يعنيه.
من هنا بدأت رحلة الضيف نحو الاستشارات: عندما تكررت أمامه نفس الأخطاء في شركات مختلفة، أدرك أن المشكلة منظومية وليست إعلانًا أو حملة. فاختار أن ينتقل من تنفيذ جزء صغير داخل المشروع إلى العمل على إصلاح المنظومة كاملة.
خلاصة الفكرة: التعلم المستمر والقرار مسؤوليتك
في النهاية، الرسالة التي يكررها الحوار بوضوح: الاستشارة ليست عصًا سحرية، ولا “تسليم عقل” لخبير واحد. نعم، تحتاج مرشدين ومرشدات، وتستفيد من منتورز وأصحاب خبرة، لكن القرار النهائي يجب أن يكون قرارك أنت، لأنك أنت من يتحمل تبعاته.
وتظل أهم مهارة—كما تظهر في القصة كلها—هي القدرة على التطوير المستمر، والاعتراف بالمشكلات بدل إنكارها، وفهم أن النجاح ليس مسارًا مستقيمًا. في عالم البزنس، السقوط وارد، والقيام ممكن، لكن بشرط أن تتعلم، وتُصحّح، وتعرف أين تقف، ولمن تقدم، وكيف تبني منظومة تستطيع النجاة لا لموسم واحد، بل لسنوات.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا عبد الرحمن وليد

لا تعليق