في حوارات ريادة الأعمال التقنية تتكرر الحكاية ذاتها: صاحب فكرة متحمّس، وسوق مزدحم بوعود شركات البرمجة، وقلق مشروع من ضياع الوقت والمال وربما الفكرة نفسها. في هذا السياق جاء حديث المهندس خالد يوسف بوصفه تجربة عملية ورؤية مهنية متراكمة، تتناول سؤالًا بالغ الحساسية: كيف تختار شركة البرمجة المناسبة؟ وكيف تُدير العلاقة معها بعقدٍ عادل وتسليمٍ قابل للتطوير، دون الوقوع في فخ “الوعود اللامعة” أو “التسليم المؤجل”؟
أولًا: لماذا يصبح التعامل مع شركات البرمجة تحدّيًا؟
يرى خالد يوسف أن التعامل مع الجهات الحكومية أو المؤسسات الكبيرة في مشاريع البرمجيات غالبًا ما يكون أصعب، ليس فقط بسبب الإجراءات، بل لأن الضغط والالتزام بالمعايير أعلى، وأي خلل صغير قد يتحول إلى أزمة كبيرة. ومع ذلك، لا تقتصر الصعوبات على هذا النوع من العملاء؛ فحتى التعامل العام مع فرق التطوير قد يكون مرهقًا، لأن المبرمج الماهر غالبًا ما يكون أكثر دقة وصرامة في المتطلبات، وقد يرفض “الطلبات العاطفية” التي لا تقوم على مبرر وظيفي واضح.
والقضية الأهم من وجهة نظره أن كثيرًا من أصحاب الأفكار يظنون أن “التطبيق” وحده هو الحل، بينما الواقع أن المنتج الرقمي جزء من منظومة أوسع: تشغيل، وتسويق، ودعم، وخطة نمو. التطبيق الجيد بلا تشغيل جيد أو ميزانية تسويق مناسبة قد يتحول إلى خسارة كاملة مهما بلغت جودته.
ثانيًا: الفكرة لا تكفي… ابدأ بتوضيح “الاحتياج” لا “الميزات”
يؤكد خالد يوسف أن الشركة الجيدة لا تتعامل مع العميل على أنه “قائمة ميزات”، بل تبحث عن الاحتياج الحقيقي خلف ما يقوله العميل. ويشبّه ذلك بالطبيب: المريض يصف الألم، لكن الطبيب يحدد التشخيص ثم يقترح العلاج. كذلك شركة البرمجيات المحترفة يجب أن تسأل: ما المشكلة التي تحلها؟ من جمهورك؟ من منافسوك؟ ما نموذج الربح؟ وما الحد الأدنى القابل للإطلاق؟
ومن هنا تظهر أهمية مفهوم المنتج الأولي MVP: لا تبدأ بتطبيق “مُبهر” وكامل دفعة واحدة، بل بأقل نسخة تثبت الفكرة وتتيح لك اختبار السوق والتعلّم. لأن الفكرة إن كانت ضبابية بنسبة 50–60%، فاحتمال إعادة العمل (Rework) يصبح مرتفعًا جدًا، وقد يتحول المشروع إلى سلسلة من “الهدم والبناء” المكلفة للطرفين.
ثالثًا: كيف تختار شركة البرمجة وسط زحام الترشيحات؟
يعترف خالد يوسف بأن السوق يفتقد أحيانًا لمنصة موضوعية تُمكّنك من إدخال “معايير” فتخرج لك “الشركة الأنسب”. لذلك يبقى الاختيار في كثير من الحالات قائمًا على التوصيات المباشرة (Word of Mouth) من دائرة معارف جرّبت الشركة بالفعل.
لكن التوصيات وحدها لا تكفي. أول اختبار عملي هو سابقة الأعمال: ماذا نفّذوا؟ ما جودة ما نفّذوه؟ وهل ما نفّذوه يعمل بالفعل؟ ويوضح خالد أن بعض الشركات قد تعرض ضمن سابقة الأعمال تطبيقات شارك فيها مطورون كانوا يعملون سابقًا بشركات أخرى، فتبدو الإنجازات “مُستعارة” أو غير دقيقة. هنا يكون الحل بسيطًا: اسأل بوضوح دون اتهام، واطلب توضيحًا: هل المشروع نُفّذ داخل الشركة؟ أم أن الخبرة من فريقها سابقًا؟ والأفضل أن تطلب مراجع عملاء وتتواصل معهم مباشرة للتأكد من التجربة.
رابعًا: لا تُغامر بعقدٍ غامض… ضع “خطة الخروج” من البداية
من أبرز ما شدد عليه خالد يوسف أن خطة الخروج يجب أن تكون بندًا واضحًا في الاتفاق منذ اليوم الأول. لأن إنهاء التعاقد وارد لأي سبب: اختلاف رؤية، تعثر في التنفيذ، تغيير ظروف السوق، أو حتى اكتشاف أن الفكرة لا تناسب الواقع.
وتحديدًا، هناك سؤال لا يجب أن يُترك للاستنتاجات: هل يحق لك أخذ السورس كود؟
القاعدة التي ينصح بها: اجعل الأمر مكتوبًا حرفيًا. فإذا كنت تدفع مقابل تطوير مخصص لك وتريد ملكية الكود، فلابد أن ينص العقد على ذلك، وأن يوضح أيضًا إن كانت هناك مكونات مملوكة للشركة (مثل Middleware أو مكتبات داخلية) لا تُسلّم لك، وكيف سيتم استبدالها عند الانتقال لشركة أخرى. فالمسألة ليست “حقًا بديهيًا” كما يتصور البعض، بل لها نماذج متعددة: تطوير مخصص، أو تأجير برمجيات (SaaS)، أو مزيج بينهما.
خامسًا: “جيت هاب” ليس رفاهية… بل أمان للمشروع
يرى خالد يوسف أن من علامات الاحتراف وجود نظام لإدارة الكود والإصدارات مثل Git/GitHub. فليس مقبولًا أن تُسلّم نسخة نهائية “على سيرفر” أو “على فلاشة” دون تاريخ تغييرات وإمكانية الرجوع للإصدارات السابقة. وجود مستودع باسم العميل أو مع صلاحيات واضحة من البداية يقلل المخاطر، ويسهّل نقل المشروع لاحقًا، ويعطيك رؤية حقيقية لمسار العمل.
ويحذر من واقع شائع: شركات لا تستخدم أي نظام تحكم بالإصدارات، فتتحول عملية المراجعة أو الإصلاح أو تسليم العمل إلى مغامرة غير محسوبة.
سادسًا: لا تدفع 75% مقدمًا… قسّم المشروع إلى مراحل عادلة
ينتقد خالد يوسف نماذج دفع مبالغ كبيرة مقدمًا في مشاريع تمتد أشهرًا طويلة، ويرى أن الأفضل تقسيم المشروع إلى مراحل تسليم (Milestones) واضحة: تسليم مقابل دفع، ثم تسليم مقابل دفع، وهكذا. فالهدف أن تكون العلاقة “مكسبًا للطرفين”، لا ضغطًا على العميل ولا نزيفًا على الشركة.
كما يشرح الفرق بين نمطين شائعين للتعاقد:
-
سعر ثابت ومراحل واضحة: مناسب عندما تكون المتطلبات مستقرة وواضحة.
-
توفير فريق/موارد والدفع شهريًا: مناسب عندما تكون الفكرة متغيرة وتحتاج مرونة مستمرة، بشرط ضبط نطاق العمل ومنع “ابتزاز” التعديلات تحت مسمى “داخل/خارج النطاق” بشكل عشوائي.
سابعًا: اجعل العقد متسقًا مع طريقة العمل… “أجايل” فعلًا لا قولًا
ينبّه خالد يوسف إلى خطأ متكرر: شركات تقول إنها تعمل “أجايل”، لكن عقودها مكتوبة كأنها “ووترفول” كامل صارم. ميزة الأجايل ليست المصطلحات، بل تقليل الألم عبر تسليمات قصيرة، وفيدباك مبكر، وقدرة على تعديل المسار بسرعة قبل أن تتراكم الأخطاء.
فبدل أن تنتظر خمسة أشهر لترى المنتج لأول مرة، يفترض أن تحصل خلال أسابيع على شيء تعمل عليه “من طرف لطرف” (End-to-End)، ولو كان بسيطًا: تسجيل دخول يعمل، أو شاشة طلب، أو جزء قابل للاختبار. لأن التأخير الطويل في إظهار أي شيء ملموس علامة خطر، وقد يعني أن المشروع يسير بلا ضبط.
ثامنًا: الهيكل الطبيعي لشركة البرمجة… وأهمية الاختبار
يوضح خالد يوسف أن الحلول التقنية غالبًا تتكون من: قاعدة بيانات، وخادم خلفي (Back-end)، ولوحة تحكم (Admin Panel)، وواجهات (API/Web Services)، وتطبيقات عميل (موبايل أو ويب). وفي هذا الهيكل، يصبح وجود اختبار جودة (QA/Testing) أمرًا أساسيًا. لذلك يعتبر غياب دور “المختبِر” أو وجود اختبار ضعيف علامة سلبية، حتى لو ادعت الشركة أنها تستعين باختبار خارجي. المهم أن وظيفة الاختبار موجودة بوضوح ومطبقة فعليًا.
خاتمة: الشركة المناسبة ليست الأرخص… بل “الأصدق مع مشروعك”
خلاصة رؤية خالد يوسف أن اختيار شركة البرمجة ليس مجرد مقارنة أسعار، بل اختيار شريك يفهم احتياجك ويصارحك بمخاطر مشروعك، ويضع عقدًا واضحًا، وخطة خروج، وتسليمات قصيرة، ونظامًا محترمًا لإدارة الكود، واختبارًا يضمن الجودة. والأهم: أن تدرك أنت كصاحب فكرة أن المنتج الرقمي لا يعيش وحده، بل يحتاج تشغيلًا وتسويقًا وتخطيطًا، وإلا تحوّل أفضل كود إلى مشروع جميل… لا يستخدمه أحد.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا خالد يوسف

لا تعليق