في حوار عميق ومتشعب، استضافنا الإعلامي سامح في هذه الحلقة الأستاذ عمرو عزة علم، الكوتش النفسي والمتخصص في العلاقات الإنسانية، ليقدّم قراءة صريحة وجريئة في مفاهيم الزواج، الخوف، القلق، الرجولة، والتوازن النفسي. لم يكن الحوار تنظيرًا مجردًا، بل رحلة واقعية عبر تجربة إنسانية معقدة، تمثل شريحة واسعة من الشباب في مجتمعاتنا العربية.
الخوف والقلق: مشاعر طبيعية أم عوائق نفسية؟
يبدأ النقاش من نقطة جوهرية: الخوف والقلق. يوضح الأستاذ عمرو عزة علم أن الخوف شعور فطري خلقه الله لحماية الإنسان، فهو إشارة إنذار تدفعنا للحذر. أما القلق، فهو تنبيه بوجود مشكلة تحتاج إلى حل. المشكلة لا تكمن في الشعور ذاته، بل في طريقة التعامل معه.
عندما يواجه الإنسان موقفًا ضاغطًا، فإن ردود الفعل النفسية تنحصر في ثلاث حالات: المواجهة، الهروب، أو الجمود. الحالة الأخيرة – الجمود – هي الأخطر، لأنها تُدخل الإنسان في نوبات هلع، وتشل قدرته على التفكير السليم، كما يحدث في الامتحانات المصيرية أو القرارات الكبرى.
المثالية الزائفة وسجن الكمال
من أخطر ما يعيق الإنسان – كما يشير الحوار – المثالية المفرطة. فالشخص الذي يعتقد أنه لا يملك حق الخطأ، يعيش تحت ضغط دائم، ويجلد ذاته عند أي زلة. الفرق كبير بين الإتقان والمثالية؛ فالإتقان هو بذل أقصى جهد ممكن وفق الإمكانيات الحالية، أما المثالية فهي إنكار الجهد والتركيز فقط على النقص.
هذا النمط من التفكير يقود إلى الشك في الذات، وحتى في الإجابات الصحيحة، ويحوّل الإنسان إلى سجين داخلي لا يرى إلا أخطاءه.
من يقرر عني؟ أزمة اتخاذ القرار
ينتقل الحوار إلى أزمة شائعة: فقدان القدرة على اتخاذ القرار. كثير من الشباب نشؤوا في بيئات أسرية تتخذ القرار عنهم بحسن نية، بدافع الحماية والخوف. النتيجة؟ شخصية تجنبية تخشى الاختيار، وتبحث دائمًا عن شماعة تعلق عليها نتائج الفشل.
يشدد الأستاذ عمرو على أن احترام الوالدين لا يعني التخلي عن مسؤولية القرار، وأن الاستعانة بأهل الخبرة والعلم أولى من الخضوع التام لرغبات الآخرين، خصوصًا في القرارات المصيرية مثل الدراسة والزواج.
العلاقات العاطفية: بين العقل والقلب
في مرحلة الشباب، تتفجر أسئلة العلاقات العاطفية. هل أختار بالعقل أم بالقلب؟ يوضح الحوار أن الخلل لا يكمن في أحدهما، بل في إقصاء أحدهما لصالح الآخر. فالشخص الذي يُقدّس العقل وحده يقمع مشاعره، والذي ينساق خلف القلب وحده يتجاهل الإشارات التحذيرية.
الضبط الحقيقي للعلاقة يكون بالحدود الواضحة، والوعي بالنفس، ومعرفة نقاط الضعف الشخصية، لا بادعاء القوة الزائفة.
الإدمان: الهروب من الألم أم البحث عن السعادة؟
يتناول الحوار قضية الإدمان – سواء كان إدمان مواد، أو سلوكيات، أو محتوى – من زاوية نفسية عميقة. الإدمان في جوهره توحيد مصدر السعادة، وتحويله إلى ملاذ وحيد للهروب من الألم.
المشكلة ليست في الرغبة في السعادة، فذلك إنساني، بل في الصورة الذهنية للسعادة والألم. عندما يرى الإنسان الألم أكبر من قدرته على التحمل، يبحث عن أي وسيلة للهروب، ولو كانت مدمّرة على المدى الطويل.
الزواج: مقاسك الحقيقي لا عرض التخفيض
يقدّم الأستاذ عمرو تشبيهًا بالغ الدقة: الزواج يشبه الحذاء. لا تختاره لأنه مخفّض السعر، بل لأنه يناسب مقاسك. كثير من المشكلات الزوجية تبدأ لأن أحد الطرفين لم يعرف نفسه، ولا احتياجاته، ولا خطوطه الحمراء.
التوافق لا يعني الكمال، بل نسبة معقولة من الانسجام، مع وضوح ما لا يمكن التنازل عنه، وما يمكن التعايش معه.
الحب بعد الزواج: هل ينتهي أم يتحول؟
يفنّد الحوار فكرة أن الحب ينتهي بعد الزواج، موضحًا أن الحب لا يُقاس بالشغف وحده. بالنسبة للرجل، الحب راحة وطمأنينة، وبالنسبة للمرأة، شعور بالأمان والتقدير. المشكلة حين يُستبدل التعبير عن المشاعر بالصمت بحجة العمل والإنهاك.
الكلمة الطيبة لا تحتاج طاقة، والتعبير عن الحب ليس رفاهية، بل ضرورة لاستمرار العلاقة.
الأم، الزوجة، والتوازن الصعب
من أكثر النقاط حساسية هي العلاقة بين الزوج، أمه، وزوجته. يوضح الحوار أن الرجل غير القادر على تحقيق التوازن، أو الذي يضع طرفًا في مواجهة الآخر، غير مؤهل لتحمل مسؤوليات أعقد. الحكمة والحزم، لا الانحياز الأعمى، هما مفتاح الاستقرار الأسري.
التعدد: حق أم هروب؟
يصل الحوار إلى إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل: التعدد. يوضح الأستاذ عمرو أن المشكلة ليست في المبدأ، بل في الدافع والقدرة. كثيرون يتحدثون عن التعدد كحق، بينما يعجزون عن إدارة علاقة واحدة بعدل وحكمة.
التعدد ليس اختبارًا للقدرة المادية فقط، بل اختبار للنضج النفسي، والعدل العاطفي، وتحمل التبعات.
تربية الأبناء: ما قبل السلوك
يؤكد الحوار أن تربية الطفل لا تبدأ بعد الولادة، بل قبلها. نمط التعلق يتشكل في السنوات الأولى، ويتأثر بعلاقة الوالدين، وبالشعور بالأمان، وبالقدرة على التعبير عن المشاعر. الطفل الذي لا يتعلم حماية حدوده، سيعاني في علاقاته لاحقًا.
الخاتمة: رحلة الوعي لا تنتهي
يختتم الحوار برسالة واضحة:
الحياة ليست طريقًا مستقيمًا، والاختيارات كلها لها ثمن. النضج لا يعني عدم الخطأ، بل تحمّل مسؤولية الاختيار، والتعلّم من العواقب، والتصالح مع النفس.
وكما قال الأستاذ عمرو عزة علم خلال الحوار:
“الإنسان لا يُحاسب على النتائج بقدر ما يُحاسب على صدق السعي.”
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا عمرو عز

لا تعليق