عودة عبد الغفور البرعي | "مركون" مبقاش مركون… ده محرك سوق والسر عند محمد شلبي

عودة عبد الغفور البرعي | "مركون" مبقاش مركون… ده محرك سوق والسر عند محمد شلبي


في حلقتنا اليوم نستضيف المهندس محمد شلبي، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة «مركون»، في حوارٍ يروي فيه رحلةً بدأت بحلمٍ صغير، وتعثّرت في منعطفاتٍ قاسية، ثم انتهت إلى مشروعٍ رياديّ يسعى لتنظيم واحدٍ من أكثر الأسواق عشوائيةً في مصر: سوق الخردة والمخلّفات وإعادة التدوير.

من حلم الطب إلى هندسة الزقازيق

يبدأ شلبي حديثه باسترجاع حلم الطفولة: كان يتمنى أن يصبح طبيبًا، وكان متفوقًا دراسيًا لدرجة أن بعض المدرّسين كانوا يقدّمونه مثالًا للطلاب الآخرين ويستثمرون اسمه كـ«علامة» لتحفيزهم. لكن في الثانوية العامة اصطدم بعائقٍ غير متوقّع: خطّه السيئ، وتراجع درجاته في سنةٍ ما جعله يوقن أن الطب لن يكون الطريق الأقرب.

هنا جاء دور الأسرة، وبالتحديد شقيقه الذي لاحظ شغفه بالرياضيات والفيزياء، فاقترح عليه المسار الهندسي. لم يحتج محمد وقتًا طويلًا ليقتنع، فانتقل إلى علمي رياضة، وحصل على مجموعٍ مرتفع، ثم التحق بكلية الهندسة بجامعة الزقازيق.

كان يتخيّل نفسه أكاديميًا: معيدًا ثم أستاذًا جامعيًا. وبالفعل حافظ على تفوقه وتخرّج بتقديرٍ مرتفع وضمن أوائل قسم الهندسة الميكانيكية. لكنه يصف الجامعة بأنها “مدرسة كبيرة” تغيّر الإنسان؛ إذ فتحت أمامه أبوابًا جديدة لم يكن يعرفها، أهمها: عالم الأعمال.

أول تجربة: مطبعة في البيت… ودروس لا تُنسى

داخل الجامعة تعرّف محمد على أصدقاء مقرّبين كان لهم أثرٌ كبير في حياته، وفي مقدمتهم صديق عمره الراحل محمد عاطف. مع هؤلاء بدأ أول مشروع بسيط: مطبعة صغيرة في البيت لطباعة مذكرات وكتب، ثم توسّعوا لمحاولة عقد اتفاقات مع دكاترة الكلية لطباعة كتبهم بكميات أكبر.

كانت التجربة شاقة. يسافرون للطباعة، ثم يعودون بسيارة صغيرة محمّلة بالكتب، ويقضون الليالي حتى الفجر في التجميع والتغليف قبل البيع للطلاب. ومع أن المشروع سار جيدًا في البداية، إلا أن الأخطاء الإدارية كانت كثيرة؛ اختلاط رأس المال بالمصروفات اليومية، وضغط الامتحانات، وتفاوت قدرات الشركاء. انتهى المشروع بعد نحو عامين، لكن أثره بقي: تعلّم التفاوض، والتعامل مع أشخاص أكبر سنًا ومقامًا، وفهم معنى المخاطرة والمسؤولية.

ويعترف أنه تعرّض لرفضٍ مبكر حين حاول دخول كليات أخرى والاتفاق مع جهات جديدة؛ فالسوق كان فيه منافسون يملكون إمكانيات أكبر. لكنه يرى أن الرفض كان جزءًا من التعلّم الطبيعي لأول تجربة.

أوروبا: بولندا وألمانيا… الاستقلال والتشكّل الحقيقي

بعد التخرّج ظل حلم أوروبا حاضرًا بقوة. أعدّ نفسه جيدًا، اجتاز اختبارات اللغة، وقدّم لجامعات، ثم سافر إلى بولندا لدراسة الماجستير في الإدارة والتصنيع. يصف لحظة الوصول بأنها كانت مزيجًا من الفخر والرعب: لغة مختلفة، مجتمع جديد، وشعور مباغت بالسؤال القاسي: “ماذا أفعل هنا؟”.

لكنه قرر أن يكمل. عمل في مطعم في عطلات الأسبوع حتى السادسة صباحًا، ووازن بين الدراسة والعمل، بل موّل جزءًا من مصاريف دراسته من دخله. وأكثر لحظة شعر فيها بالإنجاز حين استطاع أن يشتري تذكرة العودة إلى مصر بماله الخاص بعد عامٍ من التعب.

بعدها انتقل إلى تجربةٍ أقوى في ألمانيا ضمن شركة تعمل في قطاع مكوّنات السيارات، وتحديدًا أنظمة التبريد والبطاريات. هناك قاد فريقًا ضمن البحث والتطوير، واكتشف درسًا جوهريًا: كل ما تتعلمه سيعود نفعه يومًا ما. حتى مشروع الجامعة في فريق “فورمولا ستودنت” صار سببًا مباشرًا في نجاحه في مقابلات العمل؛ لأن خبرته في الشاسيه والتصميم ارتبطت مباشرةً بمجال الشركة.

وفي تلك الفترة، توسّع أيضًا خارج تخصصه؛ تعلّم بايثون وتحليل البيانات، وأخذ أعمالًا حرة بجانب وظيفته. كان يشعر أن الحياة “مستقرة أكثر من اللازم”، وكأنه ينتظر ابتلاءً ما.

العاصفة: فقدان الأم والأب… ثم رحيل صديق العمر

جاءت العاصفة في عام 2019. تدهورت صحة والديه سريعًا، فقرر خلال 24 ساعة أن يترك أوروبا ويعود إلى مصر. لم تكن عودة سياحية ولا إجازة قصيرة كما أبلغ شركته، بل عودة تحمل قرارًا داخليًا: أن يبقى قريبًا مهما كلّف الأمر.

كانت الأيام التالية ثقيلة: تعب المستشفى، قلة النوم، حادث سيارة بسبب الإرهاق. ثم وقعت الصدمة الكبرى: توفيت والدته في ليلة 27 رمضان، وبعد أربعة أيام توفي والده في أول شوال، وعلى السرير نفسه تقريبًا. وبعد شهرين توفي صديق عمره محمد عاطف. ثلاث خسارات متتابعة في زمن قصير.

يقول شلبي إن هذه المرحلة كانت كفيلة بأن تكسر الإنسان، لكنه تمسّك بعاملين أساسيين: الإيمان، والناس القريبون. كانت خطيبته – التي أصبحت زوجته لاحقًا – داعمًا رئيسيًا، وكذلك أصدقاؤه وحماه وشقيقه. لم يسمح لنفسه بأن ينغلق في “الثقب الأسود” للحزن، بل حاول أن يبقى خارج البيت، مشغولًا بخطة واقعية: “ماذا سأفعل الآن؟ وكيف سأقف؟”.

قرار البقاء في مصر وبداية المقاولات

بعد الفقد كان بإمكانه العودة إلى أوروبا بسهولة، لكنه اتخذ قرارًا مختلفًا: البقاء في مصر وبناء شيءٍ جديد. دعمه أخوه وشجّعه، واستثمر جزءًا من ميراثه في مشروعٍ صناعي مرتبط بالمقاولات: مصنع طوب وإنترلوك.

دخل السوق من الأرض مباشرةً، واعتبر الاحتكاك الواقعي مدرسة لا تقل عن الجامعة. ثم جاءت جائحة كورونا بعد زواجه مباشرةً، فتوقف كل شيء تقريبًا، وتعرّض لخسائر كبيرة، واضطر لبيع بعض المخزون بخسارة. لكنه تلقى “طوق نجاة” من عميلٍ احتاج إنترلوك، فاستمر على نطاقٍ صغير حتى عاد السوق تدريجيًا.

لاحقًا دخل شراكة بصفته “شريك تطوير أعمال”، وتعرف على شريكه لاحقًا أحمد ممدوح، ثم بدأت تتشكل الفكرة التي ستقود إلى “مركون”.

من «مسافة» إلى «مركون»: اكتشاف كنز الراكد والخردة

بدأت الرحلة بفكرة منصّة لمواد البناء، ثم تطورت داخل حاضنات الأعمال، وتحوّل الاسم إلى “مسافة”، قبل أن تتبلور الرؤية الحقيقية: مشكلة الراكد والخردة داخل الشركات والمصانع.

لفت انتباههم خبيرٌ في أحد البرامج أن مصر تمتلك كميات هائلة من الرواكد بسبب تغيّر قرارات الاستشاريين في المشاريع، فتتكدس المواد في مخازن بملايين، ثم تُباع لاحقًا بأسعار أقل وبطرق غير شفافة. عندها أدرك شلبي أن السوق كبير، وأن المشكلة مزمنة، وأنها لا تُحل بالحماس وحده بل بمنظومة.

بدأوا خطوة بخطوة: ليس بتنظيم السوق “من الأرض إلى السماء” دفعةً واحدة، بل بالنزول إلى التجار، والتعامل بالطريقة التقليدية أولًا، وفهم التفاصيل على الأرض: كيف يشتري التاجر؟ كيف يقيّم البضاعة؟ أين يحدث التلاعب؟ وما الذي يخيف المصنع؟

ثم جاءت اللحظة المفصلية: تجربة “شارك تانك”. تقدّم شلبي وهو مسافر، ثم ضاع جواز سفره في المطار وتعطلت الرحلة، لكنه اعتبرها إشارة. سريعًا جاءت الموافقات، وظهروا في البرنامج، ونالوا “التذكرة الذهبية” والاستثمار، وبدأت الشركة تأخذ شكلًا مختلفًا.

ما الذي تفعله «مركون» فعليًا؟

يشرح شلبي أن “مركون” منصة تقف في المنتصف بين طرفين لا يلتقيان بسهولة:

  1. مصانع وشركات لديها خردة أو فوائض ولا تعرف كيف تبيعها بشكلٍ عادل وآمن ومنظم.
  2. تجّار خردة ومشترون يبحثون عن بضائع لكنهم يفتقرون إلى البيانات الموثوقة والفرص المنظمة.

تبدأ “مركون” ببناء قاعدة بيانات دقيقة للتجار (تحقق، أوراق، تصنيفات حسب نوع الخردة)، ثم تعرض المنتجات بطريقة منظمة، وتتيح “مزايدة” زمنية قصيرة بعروض أسعار تُرسل تلقائيًا، ويختار البائع العرض الأفضل، ثم تتولى الشركة تنظيم خطوات التنفيذ والتحصيل والالتزامات.

ويؤكد أن عنصر القوة هنا هو الشفافية وتقليل الاعتماد على العلاقات العشوائية، ما يؤدي إلى رفع السعر الحقيقي. بل يذكر أن بعض الشركات فوجئت بالفروق الكبيرة بين أسعار البيع التي تحققها “مركون” وبين ما كانت تبيعه سابقًا، حتى إن بعضها فتح تحقيقات داخلية ليتأكد “كيف كانت تُدار الأمور قبل ذلك”.

وخلال عام واحد وصلت قاعدة المشترين – بحسب حديثه – إلى آلاف التجار الموثقين، مع معدل نمو شهري لافت.

التحدي الأكبر: سرعة تغيّر الأسعار

يرى شلبي أن أبرز الصعوبات الحالية هي ديناميكية الأسعار في مصر؛ الأسعار تتغير بسرعة، وهذا يجعل أي تأخير في بيع الخردة مخاطرة. لذلك تسعى “مركون” لتقليل زمن دورة البيع من 10–20 يومًا إلى خمسة أيام، ثم إلى 48 ساعة، والهدف النهائي 24 ساعة عبر رقمنة المعاينة والدفع والتأمين والإجراءات.

إعادة التدوير: بين الصناعة الرسمية والاقتصاد غير الرسمي

يتحدث شلبي بإيجابية عن قطاع إعادة التدوير، ويؤكد أن التكنولوجيا الحالية تسمح بإعادة تدوير منتجات كانت تُعدّ “غير قابلة” سابقًا، وأن الخطر الحقيقي ليس في المصانع المحترفة، بل في الاقتصاد غير الرسمي الذي يسيء للمجال بالغش وإعادة تعبئة المنتجات بطرق غير قانونية.

كما يوضح تقسيم المخلفات: الجزء الأكبر عالميًا ومحليًا هو العضوي، ثم تأتي نسب البلاستيك والورق والمعادن، مع كون المعادن أقل نسبة لكنها الأعلى قيمة.

توسّع وخطوط جديدة: مركون بلس ومركون جلوبال

لم تكتفِ الشركة بالمنصة الأساسية، بل بدأت في خط جديد لتجميع مخلفات الشركات الصغيرة والمتوسطة مثل المطاعم والمتاجر والهايبرماركت، ثم فرزها وتسويقها. ويتحدث شلبي أيضًا عن “مركون جلوبال” للتوسع خارج مصر، مع تركيز على أسواق مثل كينيا والسعودية، وتسهيل التجارة والشحن للمشترين. كذلك يعملون على خط لتسويق منتجات معاد تدويرها للتصدير.

وفي جانب اجتماعي، يلمّح إلى مشروع توعوي عبر المدارس؛ لتعليم الأطفال قيمة الفرز وإعادة التدوير بطريقة تجعل السلوك ينتقل إلى البيت بشكلٍ غير مباشر، مع أفكار حوافز ونقاط تجمعها المدارس والطلاب.

فلسفة الفقد والإيمان والتواضع

حين سُئل عن كيف تجاوز الفقد، لم يقدّم وصفة جاهزة، لكنه قال إن هناك مشكلات “يعجز العقل عن تخيلها أو حلها”، وأن الإنسان حين يصل إلى أقصى ما يمكنه فعله ثم يعجز، لا يبقى أمامه إلا اللجوء إلى الله بالدعاء والصلاة. ويصف ذلك بأنه “أسرع طريق”، خاصة حين يكون الإنسان صادقًا في سعيه وإيمانه.

كما يتحدث عن التواضع بوصفه شرطًا للنجاح المستدام، وأن وهم “أنا فعلت كل شيء وحدي” وهمٌ ساذج، لأن خلف كل إنجاز فريق عمل، ولأن الإنسان في النهاية أداة تسعى، والتوفيق من الله.

بين العائلة والعمل: توازن بوعي الألم

يقول شلبي إن التجارب التي مر بها جعلته يعرف قيمة العائلة. هو يعمل بجد، لكنه لا يؤمن بنمط “الريادي الذي يسهر حتى الفجر كل يوم”. يحب الاستيقاظ مبكرًا، يبدأ يومه بالقراءة أو التعلّم، ثم العمل حتى السادسة غالبًا، ويحاول أن يقتنص وقتًا ثابتًا يوميًا لعائلته، خاصةً أطفاله، ويشكر زوجته لأنها تمنحه مساحة للعمل لكنها تذكّره دائمًا بأن الأسرة لا تُؤجَّل بلا نهاية.

رسالة الختام: ريادة الأعمال ليست للجميع

في نهاية الحلقة يوجّه شلبي رسالة صريحة للشباب:
ريادة الأعمال قاسية ومكلفة نفسيًا وجسديًا، وتحتاج شخصًا “غير متزن” بالمعنى الإيجابي؛ صارمًا في وقت، ومرنًا في وقت، واقعيًا وهو على الأرض، وحالمًا وهو يقود الرؤية. ويضيف: إن كان أمامك طريق مهني آخر يمنحك حياة مستقرة ودخلًا جيدًا، ففكّر جيدًا قبل أن تختار طريق الريادة.

وينصح من يريد بدء مشروع أن يأخذ وقته، وأن يعمل أولًا تحت إدارة جيدة ليتعلّم، لأن تكلفة بناء مشروع من الصفر ليست مجرد مال، بل ضغط ديون، ومسؤوليات، وأرق ذهني قد ينهك صاحبه. المطلوب ليس الاندفاع، بل الاستعداد الحقيقي: أن تقول لنفسك بصدق “أنا جاهز”.

هكذا تُختصر رحلة محمد شلبي: طالب متفوق حلم بالطب، ثم مهندس شق طريقه بين الأكاديمية والسوق، ثم مغترب بنى نفسه في أوروبا، ثم إنسان فقد أغلى ما يملك فعاد ليبدأ من جديد، حتى أسس مشروعًا يحاول أن يضع النظام والشفافية في سوقٍ ظل سنواتٍ طويلة يعيش على العشوائية.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا محمد شلبي


 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *