في هذه الحلقة من بودكاست 360، كان ضيف الحوار الدكتور عمرو العوامري، الأستاذ المساعد بكلية الهندسة – جامعة بنها، وصاحب تجربة ثرية تجمع بين المسار الأكاديمي والصناعي والإنساني. لم يكن اللقاء تقليديًا بقدر ما كان رحلة فكرية عميقة في مفاهيم السعي، والخطأ، والقيم، وضغط المجتمع، وتحولات الثقافة في زمن السرعة والعولمة.
منذ اللحظة الأولى، اتّضح أن الحوار لا يبحث عن إجابات جاهزة، بل يسعى إلى إعادة ضبط البوصلة الداخلية للإنسان المعاصر.
الخطأ ليس عيبًا… بل شرط للحركة
ينطلق النقاش من فكرة جوهرية يطرحها الدكتور عمرو العوامري:
«لو كنت لا أُخطئ، فهذا يعني أنني لا أفعل شيئًا».
فالندم المبالغ فيه – من وجهة نظره – لا يصنع إنسانًا أفضل، بل يُجمّد صاحبه في مكانه. من يعيش أسير الماضي لا يستطيع التقدّم خطوة إلى الأمام. المطلوب ليس جلد الذات، بل التعلّم من الخطأ، ثم المضيّ قُدمًا.
ويضرب مثالًا بليغًا: النظر إلى الماضي يجب أن يكون كالنظر في المرآة الخلفية أثناء القيادة؛ للنظر والتعلّم لا للبقاء مُحدّقًا فيه طوال الطريق.
السعي أولًا… والنتائج ليست في يدك
من أبرز محاور اللقاء التفرقة بين السعي والنتيجة.
يؤكد الدكتور العوامري أن الناس تُحاسبك على النتائج، بينما الله – سبحانه وتعالى – يُحاسبك على السعي.
فالإنسان سيقف يومًا ما ليسأل نفسه قبل أن يُسأل:
هل بذلتُ أقصى ما أستطيع؟ أم اكتفيتُ بادّعاء المحاولة؟
وهنا يستشهد بحديث النبي ﷺ عن الأنبياء الذين جاء بعضهم وليس معه أحد، ليؤكد أن القيمة ليست في الاستجابة، بل في الصدق في البلاغ والسعي.
الطموح والشهرة والمال… أين تقف «المسطرة»؟
لا ينفي الضيف مشروعية الطموح، ولا يُدين الرغبة في النجاح أو الثراء أو التأثير. بل يرى أن هذه رغبات بشرية طبيعية. الإشكال الحقيقي – كما يوضح – يكمن في غياب المعيار.
يقدّم الدكتور العوامري مفهوم «المسطرة» الأخلاقية:
-
ضع أي قرار أو طموح أو سلوك على هذه المسطرة.
-
اسأل: هل يقودني هذا الطريق إلى معنى أسمى؟
-
هل هو داخل «المقاس» القيمي أم خارجه؟
فإن كان خارج هذا الإطار، مهما بدا لامعًا، فهو بلا قيمة حقيقية.
المال في اليد… لا في القلب
يتوقف الحوار طويلًا عند اختبار المال، باعتباره من أعقد اختبارات الحياة.
المشكلة – كما يراها الدكتور عمرو – ليست في جمع المال، بل في موقعه من القلب.
فالمال وسيلة، لكنه يتحول إلى عبودية حين يصبح محور الهوية والنجاح والمعنى. ويطرح سؤالًا صادمًا:
لو ضاع المال فجأة، هل تنهار حياتك أم تُعيد ترتيبها وتكمل؟
هنا يتّضح الفرق بين من جعل المال أداة، ومن جعله غاية.
وهم المقارنة والسوشيال ميديا
ينتقل الحوار إلى أحد أخطر أمراض العصر: المقارنة المستمرة.
يشير الدكتور العوامري إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي صنعت «واجهة عرض» مثالية، لا تُظهر إلا اللقطات الجميلة، بينما تُخفي الفشل والتعثر.
ويؤكد:
لا أحد يُصوّر خيبته.
المشكلة أن الإنسان يقارن حياته الكاملة – بما فيها ضعفه وتعبه – بلقطات مُنتقاة من حياة الآخرين. مقارنة غير عادلة، تقود إلى الإحباط، وفقدان الرضا، والشعور الدائم بالنقص.
«الشغف»… كلمة أُسيء استخدامها
ينتقد الضيف الاستخدام الشائع لكلمة «الشغف»، معتبرًا أنها تحوّلت إلى شعار فضفاض. فليس كل ما نُحبه يصلح أن يكون طريق حياة.
ويستدعي مفهوم الإيكيغاي الياباني، حيث يتقاطع:
-
ما تحبه
-
ما تُتقنه
هذا التقاطع فقط هو الشغف الحقيقي.
أما مجرد الميل أو الانبهار، فهو بداية، لا أساسًا يُبنى عليه مستقبل.
الأبناء ليسوا امتدادًا لأحلامنا المؤجلة
من أكثر فقرات الحوار عمقًا حديث الدكتور عمرو عن التربية.
يرفض إسقاط فشل الآباء أو طموحاتهم غير المحققة على الأبناء، مؤكدًا:
ابنك لم يُخلق ليعيش حياتك.
الدور الحقيقي للأب ليس أن يفرض المسار، بل أن:
-
يسلّح أبناءه بالأدوات
-
يعلّمهم التفكير
-
يترك لهم مساحة الاختيار الواعي
فالحرية دون وعي ضياع، والضغط دون فهم كسر.
ثقافة السرعة و«الفهلوة»
ينتقد الحوار ثقافة «انتش وجري»، والبحث عن الربح السريع، والشهرة السهلة، معتبرًا أن هذه العقلية تُنتج اقتصادًا هشًا، ومجتمعًا مضطربًا.
فلا استثمار حقيقي بلا نفس طويل، ولا صناعة حقيقية بلا صبر وتراكم معرفة. ويضرب مثالًا بالصناعات الكبرى التي تحتاج سنوات قبل أن تؤتي ثمارها، لا شهورًا كما يُروَّج في بعض العروض الوهمية.
التعليم وحده لا يكفي… نحتاج ثقافة
يختم الحوار برؤية مهمة:
الشعب المثقف أهم من الشعب المتعلم فقط.
فالتعليم بلا قيم يُنتج «روبوتات» تحفظ وتكرر دون وعي أو ذائقة أو حس نقدي.
الثقافة – كما يراها الدكتور عمرو – تُصنع في البيت، بالحوار، والحكايات، والقدوة، لا بالمناهج وحدها.
رسالة أخيرة: تمهّلوا
في ختام اللقاء، يوجّه الدكتور عمرو العوامري رسالة هادئة وصادقة:
لا تستعجلوا… لا أحد يُطاردكم… المهم أن تستطيعوا الوقوف يومًا ما بسلام، وأن تقولوا: فعلتُ ما استطعت.
رسالة تختصر جوهر الحوار كله:
السعي بصدق، والتقدّم بلا خوف من الخطأ، والعيش ببوصلة أخلاقية واضحة، هو الطريق الوحيد لحياة متوازنة في زمن مرتبك.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا عمرو العوامري

لا تعليق