في هذه الحلقة من بودكاست 360، استضفنا المهندس خالد نصر الدين، وهو اسم لامع في عالم الأعمال والتسويق والتكنولوجيا، وصاحب مسيرة طويلة مليئة بالتجارب المتنوعة، بين الهندسة والبرمجيات، ثم التسويق الرقمي والاستشارات. لم يكن اللقاء مجرد سرد لسيرة ذاتية، بل رحلة فكرية عميقة في أخطاء النجاح قبل إنجازاته، وفي الحكمة التي لا تُكتسب إلا بثمن التجربة.
البدايات: شغف الهندسة واتساع الأفق
وُلد المهندس خالد نصر الدين في الإسكندرية، ونشأ في بيئة تحترم العلم والعمل، إذ كان والده مهندسًا ميكانيكيًا، وهو ما زرع فيه حب الهندسة مبكرًا. تفوق في دراسته، سواء في المدرسة أو الجامعة، ثم سنحت له فرص العمل والتدريب خارج مصر، خصوصًا في سويسرا، حيث احتك بمعايير مختلفة تمامًا في الانضباط والإنتاج والجودة.
هناك، تعرّف على عالم المصانع الكبرى وتصميم التوربينات ومعدات السفن، واكتشف أن الهندسة ليست مجرد وظيفة، بل طريقة تفكير. غير أن عودته إلى الواقع المحلي كشفت له فجوة كبيرة بين ما رآه في الخارج وما هو متاح في الداخل، ما دفعه للبحث الدائم عن الجديد وعدم الاكتفاء بالروتين.
من الوظيفة إلى العمل الحر: قرار محفوف بالمخاطر
لم يكن الانتقال من الوظيفة المستقرة إلى العمل الحر قرارًا سهلًا، لكنه جاء مدفوعًا برغبة داخلية في التحرر من القوالب الجاهزة. يعترف المهندس خالد بأن جهله الكامل بحجم المخاطر في تلك المرحلة كان في حد ذاته “ميزة وعيبًا”؛ فلو كان يعلم كل الصعوبات مسبقًا، ربما لما تجرأ على اتخاذ الخطوة.
بدأ العمل الحر تدريجيًا، فأنشأ مشروعات صغيرة في البرمجيات وتجميع الحواسيب، ثم تطور الأمر إلى تأسيس شركات تضم عشرات الموظفين. هنا بدأت أولى الدروس القاسية: النجاح السريع قد يُخفي أخطاء هيكلية خطيرة، أبرزها سوء إدارة السيولة.
السيولة أخطر من الربح
من أهم الأفكار التي شدد عليها الضيف أن الربح لا يعني بالضرورة الأمان المالي. فقد تكون الشركة رابحة على الورق، لكن تعاني نقصًا حادًا في السيولة، ما يؤدي إلى التأخر في الالتزامات، وفقدان الثقة، وضياع الفرص.
ويؤكد أن الحكمة في توزيع الأرباح لا تقل أهمية عن تحقيقها، فجزء يجب أن يُعاد استثماره بحساب، وجزء يُحتفَظ به كاحتياطي، وجزء يُوجَّه إلى استثمارات منخفضة المخاطر. فالخطأ الشائع لدى كثير من رواد الأعمال هو ضخّ كل ما يدخل من أموال في التوسع دون شبكة أمان.
الشراكات: بين العقل والعاطفة
تطرّق الحوار إلى ملف الشراكات، لا سيما الشراكة مع الأقارب، وكان موقف المهندس خالد واضحًا: “العشم ليس بديلاً عن قواعد العمل”. فالشراكات العائلية كثيرًا ما تُدار بالعاطفة، لا بالمعايير المهنية، ما يفتح الباب للخلافات وسوء الفهم.
ويرى أن اختيار الشريك يجب أن يقوم على ثلاثة أسس رئيسية: التوافق الأخلاقي، والاتفاق على الأهداف، والوضوح الكامل في توزيع الأدوار والأرباح وآليات الخروج. كما شدد على ضرورة وجود اتفاقيات مكتوبة تفصيلية، لا الاكتفاء بأوراق التأسيس الرسمية.
التسويق والبيع: من العشوائية إلى الاحتراف
رغم خلفيته الهندسية، وجد خالد نصر الدين نفسه منجذبًا إلى عالم التسويق والبيع، خاصة بعد احتكاكه بالشركات متعددة الجنسيات. اكتشف أن البيع ليس موهبة فطرية فقط، بل علم له قواعد وخطوات.
من أبرز ما تعلمه أن الخوف من الرفض هو العدو الأول للبائع، وأن سماع “لا” جزء طبيعي من العملية. كما أكد أن البيع الاستشاري هو أرقى أشكال البيع، حيث يتحول البائع إلى مستشار يفهم مشكلات العميل ويقترح حلولًا مناسبة، بدل الاكتفاء بعرض السعر والمنتج.
إدارة النمو وتجنب التوسع العشوائي
يحذر المهندس خالد من فخ “النمو غير المحسوب”. فبعض المشروعات تنجح في نموذج واحد محدد، وتحاول تكراره أو توسيعه دون دراسة، فتفشل. النجاح، في رأيه، لا يعني تغيير ما يعمل، بل الحفاظ عليه وتطويره بحذر.
ويضرب مثالًا بشركات “البقرة الحلوب” التي تحقق أرباحًا مستقرة، وينصح بعدم المغامرة بها في توسعات قد تستنزفها، بل استخدامها كمصدر تمويل لمشروعات أخرى مدروسة.
التعلم المستمر وبناء الذات
خيط مشترك في كل مراحل حياة الضيف هو حب التعلم. فقد تعلم لغات متعددة، واطلع على مجالات شتى، من الهندسة إلى التسويق إلى الاستثمار. ويؤمن أن صاحب العمل لا يكفيه أن يعتمد على المتخصصين، بل يجب أن يمتلك حدًا أدنى من الفهم في كل مجال، حتى يحسن اتخاذ القرار.
كما انتقد ثقافة “الخبير السريع” المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الخبرة الحقيقية تُبنى بالسنوات، لا بالمنشورات.
الرضا والطموح: معادلة صعبة
في ختام الحوار، تحدث خالد نصر الدين عن التوازن بين الطموح والرضا. فالطموح هو المحرك الأساسي للتقدم، لكن غياب الرضا يحول الحياة إلى سباق لا ينتهي، ويقود إلى التوتر والقرارات الخاطئة.
ويرى أن الرضا لا يعني التوقف، بل يعني الانطلاق من أرضية نفسية مستقرة، تجعل الإنسان أكثر قدرة على التفكير السليم وتحمل المخاطر المحسوبة.
خلاصة التجربة
تجربة المهندس خالد نصر الدين تلخص رحلة رائد أعمال حقيقي: نجاحات، وإخفاقات، وأخطاء مكلفة، ثم وعي متأخر تحوّل إلى معرفة يشاركها مع الآخرين. رسالته الأساسية واضحة: لا تكرر الخطأ، وإن أخطأت فتعلّم، وكن حكيمًا في إدارة المال، واضحًا في الشراكات، وصبورًا في طريق النجاح.
هذه ليست نصائح نظرية، بل خلاصة عمر من التجربة، يدفع ثمنها البعض مرة واحدة، ويدفعها آخرون مرارًا.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا خالد ناصر الدين

لا تعليق