كيف أنشأ إبراهيم أنور بيزنس عربي بمقاييس عالمية II بعد جولة في أكبر الشركات الأمريكية

كيف أنشأ إبراهيم أنور بيزنس عربي بمقاييس عالمية II بعد جولة في أكبر الشركات الأمريكية


في حلقة جديدة من بودكاست 360، حلَّ علينا المهندس إبراهيم أنور ضيفًا يحمل قصةً ثرية عن التحول من المسار التقليدي للهندسة إلى عالم ريادة الأعمال، بكل ما فيه من أحلام كبيرة، وصدمات واقعية، وتجارب عملية صنعت وعيًا مختلفًا. يحكي إبراهيم عن بداياته من الفيوم، وعن كيف تعلّم من التجربة أكثر مما تعلّم من الكتب، وكيف اكتشف أن “الطريق الذي يبدو صحيحًا على الورق” قد لا يكون هو الطريق الذي يصنع أثرًا على الأرض.

البداية من الفيوم… والدرس الأول في التعليم

وُلد إبراهيم وعاش حياته في الفيوم، والتحق بكلية الهندسة هناك بسبب نظام التوزيع الإقليمي، رغم أنه كان قادرًا على دخول كليات هندسة أخرى في القاهرة. ومع مرور الوقت، اكتشف أن هناك فجوة كبيرة بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات سوق العمل، لا سيما في أمور الإدارة والمال وبناء المشاريع.

ومن هنا جاءت نقطة التحول: الأنشطة الطلابية. يصفها إبراهيم بأنها “مكمّل غذائي” للتعليم، لأنها تعوض ما ينقصه: فهم الإدارة، التمويل، إدارة المشروعات، وجمع التبرعات، والتعامل مع فرق العمل. ويؤكد أن هذه التجربة صنعت شخصيته كرائد أعمال قبل أن يدخل سوق العمل فعليًا، حتى إنه أصبح لاحقًا يدرّب أشخاصًا يدرسون التجارة وإدارة الأعمال، رغم أنه لم يدرسها أكاديميًا.

من الهندسة إلى الجيش… ثم أول صدمة مهنية

تخرّج إبراهيم عام 2013، والتحق بالخدمة العسكرية عامًا، ثم عاد ليعمل مهندسًا. لكن المفاجأة أنه لم يشعر أن هذا طريقه الحقيقي. كان يمتلك خلفية هندسية، وفي الوقت نفسه خبرة عملية في “البزنس” من الأنشطة الطلابية، فبدأ يفكر: لماذا لا يجمع بين الاثنين؟

خلال هذه المرحلة، كانت لديه رغبة قديمة في أن يكون “صاحب نفسه”، وربما ساعده على اتخاذ قرارات جريئة أنه لم يكن متزوجًا وقتها ولا يحمل التزامات كبيرة. لذلك قرر الاستقالة، وهي خطوة يصفها بأنها ليست سهلة في زمنٍ يُعد فيه الحصول على وظيفة جيدة أمرًا ثمينًا.

حلم التطبيق… ثم الاصطدام بالحائط

في عام 2015، بدأ إبراهيم التفكير في بناء تطبيق يساعد المهندسين، خاصة أن معظم الأدوات المتاحة كانت بالإنجليزية. حاول أن يبني تطبيقًا بمساعدة أصدقاء من علوم الحاسب، وحقق عددًا جيدًا من التحميلات. لكنه اكتشف سريعًا أن بناء منتج “حقيقي” يتطلب تمويلًا كبيرًا، وأن السوق ليس دائمًا مستعدًا للدفع لمجرد أن الفكرة جيدة.

حين قيل له إن تطوير التطبيق بالشكل الذي يطمح له قد يتطلب ما يقارب 100 ألف دولار، أدرك أن عليه أن يتعلم “الخطوة التالية”. وهنا اتخذ قرارًا آخر: يتعلم البرمجة بنفسه بدل أن يظل معتمدًا على الآخرين.

منحة ITI… وتعليم عملي يغيّر المسار

قدّم إبراهيم على منحة معهد تكنولوجيا المعلومات (ITI)، وهي منحة تنافسية، وقُبل فيها بعد مراحل اختبار متعددة. داخل المنحة، تعلّم أساسيات قوية في البرمجة والشبكات وبناء المشروعات، وشارك في تنفيذ مشاريع عملية. ويذكر أن المنافسات لعبت دورًا مهمًا في صقل شخصيته؛ فهو “جيّد في المسابقات”، وقد كسب مراكز متقدمة أكثر من مرة.

لكن بعد التخرج، لم يحصل على فرصة عمل مباشرة كما كان يتوقع. وهنا تعلم درسًا مهمًا: ليس كل رفض يعني ضعفًا فيك، أحيانًا أنت فقط لا تناسب “ثقافة” الشركة.

الحاضنة والتمويل… ثم تأسيس أول مشروع بشكل جاد

تعرف إبراهيم على مركز يدعم ريادة الأعمال ويوفر تمويلًا أوليًا ومكتبًا داخل “سمارت فيليدج” وفرص سفر وشبكات علاقات. هناك بدأت تجربته الريادية تتشكل بصورة أوضح. خاض تجربة مشروع تقني، وتعلم أكثر عن إدارة الشركات الناشئة، وعن مفهوم “اللين” وضرورة بناء منتج صغير واختباره بدل بناء شيء ضخم ثم اكتشاف أن السوق لا يريده.

رحلة وادي السيليكون: الإلهام… ثم الصدمة الثانية

كانت إحدى أهم محطات إبراهيم زيارة وادي السيليكون، وزيارة شركات عملاقة مثل جوجل وفيسبوك وآبل وAirbnb وغيرها. وهناك رأى ثقافة عمل مختلفة تمامًا: مساحات مفتوحة، لا تركيز على البصمة، تركيز أعلى على النتائج، امتيازات كثيرة للموظفين، وتنوع كبير في الجنسيات والخلفيات.

لكن مع الإعجاب، جاءت الصدمة: لا يمكن تطبيق كل شيء هناك كما هو هنا. فثقافة المجتمع والسوق مختلفة، وطريقة الشراء مختلفة، وحتى نجاح الشركات هناك مرتبط ببيئة داعمة للفشل، بينما في بيئتنا قد يُنظر إلى من يغلق شركته باعتباره “فاشلًا”.

كما لاحظ إبراهيم جانبًا لم تكن “الصورة الإعلامية” تبرزه: تشرد في الشوارع، ضغط نفسي، نزعة مادية شديدة، ومشكلات اجتماعية واضحة. خرج بخلاصة مهمة: “خذ الجيد، وتعلم من السيئ، ولا تنسَ من أنت”.

قرار الإغلاق: حين تقول الأرقام كلمتها

يتحدث إبراهيم بصراحة عن لحظة إغلاق مشروعه الأول. لم يكن قرارًا عاطفيًا، بل نتيجة أخطاء: بناء المنتج لفترة طويلة دون اختبار، عناد في تنفيذ ما يريده الفريق بدل الاستماع للعملاء، والدخول في سوق “مبكر” لم يكن مستعدًا بعد. إضافة إلى ذلك، واجه صعوبة في جذب الاستثمارات لأن الاهتمام وقتها كان منصبًا على قطاعات أخرى مثل النقل والتجارة الإلكترونية.

ويعترف أيضًا بأخطاء التعامل مع شركات كبيرة، حيث إن التفاوض معها له منطق مختلف، وقد يفسد “ديل” قوي لمجرد سوء إدارة العلاقة.

من تجربة الفشل إلى بناء “الموقع”… التمحور الذكي

بعد الإغلاق، عاد إبراهيم وفريقه للتفكير في مشروع جديد مبني على فهم السوق لا على الانبهار. بدأوا بتجربة التعليم، ثم اكتشفوا أن الناس لا تريد الدفع. جرّبوا المجتمع والدليل التجاري والتجارة الإلكترونية، فوجدوا أن قطاع مواد البناء لا يعمل بنفس منطق المنتجات العادية؛ الأسعار تتغير حسب الكمية والمكان والمواصفات وطريقة الدفع.

ثم توصلوا إلى نموذج أقرب لطبيعة السوق: نظام طلبات وعروض أسعار يربط الشركات بالموردين بسرعة، واستفادوا من أداة الواتساب لتسهيل التواصل، لأن السوق أساسًا يعتمد على الواتساب والثقة والشبكات.

ويذكر إبراهيم أرقامًا ضخمة على مستوى “حجم عروض الأسعار” التي مرّت عبر المنصة، ما يعكس وجود احتياج حقيقي في السوق حتى لو كان تحقيق الربحية يحتاج وقتًا ونموذجًا دقيقًا.

الاستثمار: ابحث عن النصيحة… يأتيك المال

في جزء مهم من الحوار، يشرح إبراهيم كيف تُبنى علاقة المستثمرين: لا تبدأ بطلب المال مباشرة، بل اطلب رأيًا ونصيحة، وابنِ علاقة. ويؤكد ضرورة الاستعداد الكامل: عرض تقديمي، توقعات مالية، بيانات قانونية، وغرفة بيانات منظمة؛ لأن الفرصة قد تأتي فجأة، ومن لا يكون مستعدًا يخسرها بسهولة.

كما يوضح أن التركيز على سوق واحد فقط يمثل خطرًا كبيرًا، لذلك توسعوا بين مصر والسعودية والإمارات لتقليل المخاطر، خاصة مع التذبذب الاقتصادي. ويشير إلى أن كثيرًا من الاستثمارات جاءت من خارج مصر، لأن المستثمر يبحث عن بيئة أكثر استقرارًا لحماية أمواله.

لا تجعل منتجك “فخمًا” في البداية

يقدّم إبراهيم نصيحة واضحة لرواد الأعمال: لا تصنع منتجًا مثاليًا من البداية. الأفضل أن تطلق نسخة بسيطة تعمل، تجمع منها تعليقات حقيقية، ثم تطور تدريجيًا. ويشرح مراحل النمو بوضوح: مشكلة وحل، ثم نموذج أولي، ثم منتج أولي (MVP)، ثم الوصول إلى “ملاءمة المنتج للسوق” عندما يصبح المنتج جزءًا أساسيًا من حياة العميل.

خلاصة التجربة: خطة، وتعليم، وناس يشبهونك

عند تلخيص تجربته، يرفض إبراهيم وصف نفسه بأنه “نجح نهائيًا”، ويرى أن النجاح الحقيقي أوسع من أرقام أو تمويل. لكنه يحدد عوامل ساعدته على الوصول لما وصل إليه: توفيق الله أولًا، ثم فريق يشاركه القيم، ثم التعلم المستمر من كتب ودورات، ثم شبكة علاقات قوية، وأخيرًا وجود خطة واضحة؛ لأن “من لا يملك خطة… سيصطدم بالحائط”.

بهذه الروح الواقعية، ينهي المهندس إبراهيم أنور حكايته: ليس المهم أن تبني شركة بسرعة، بل أن تبني فهمًا عميقًا للسوق ولنفسك، وأن تتعلم من التجربة دون أن تفقد قيمك أو تذوب في “كوبي بيست” لا يناسب بيئتك.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا إبراهيم أنور

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *