في حوار صريح وعميق مع مصطفى أبو سمرة، أحد أبرز العاملين في صناعة الأغذية والمشروبات في مصر، تتكشف صورة مختلفة تمامًا عن تلك التي يراها الناس من الخارج. صورة تُسقط الوهم الشائع بأن المطاعم مشروع مضمون الربح، وتضعنا أمام واقع قاسٍ مليء بالتفاصيل، والأرقام، والصراعات اليومية، والقرارات الأخلاقية الصعبة.
الواجهة اللامعة… والحقيقة القاسية
من الخارج يبدو عالم المطاعم مغريًا: زحام دائم، طاولات ممتلئة، طلبات لا تتوقف، وانطباع عام بأن “الأكل لا يخسر”. لكن الأرقام، كما يوضح أبو سمرة، تقول عكس ذلك تمامًا. فوفقًا لإحصاءات عالمية وإقليمية، يفشل أربعة من كل خمسة مطاعم خلال سنواتها الأولى، ولا ينجح سوى القليل في البقاء والاستمرار.
المشكلة ليست في الطلب، فالشعوب لا تتوقف عن الأكل، بل في نموذج التشغيل، وهوامش الربح المحدودة، والاعتماد على عدد هائل من العملاء بقيم فواتير صغيرة، مقارنة بصناعات أخرى تعتمد على عدد أقل من العملاء وقيمة أعلى للصفقة.
صناعة مُرهِقة لا ترحم
يصف أبو سمرة قطاع الأغذية والمشروبات بأنه من أكثر الصناعات إنهاكًا، خصوصًا لمن يمتلك ضميرًا مهنيًا حقيقيًا. فالمطعم يعمل يوميًا، بلا توقف تقريبًا، ويعتمد على بشر في كل خطوة: عمال، طهاة، كاشير، عملاء، موردين. أي خلل بسيط قد يتحول إلى أزمة.
ويضيف أن الأرباح “الخيالية” التي يراها البعض لا تتحقق إلا في حالتين:
إما أن يصبح المطعم قائد سوق أو واحدًا من أفضل اثنين في فئته،
أو أن يتخلى صاحبه عن كثير من القيم، ويضغط التكاليف على حساب الجودة والإنسان.
الزبون دائمًا على حق… أم هكذا يُقال؟
من أكثر النقاط المثيرة للجدل في الحوار، إعادة تعريف مقولة “الزبون دائمًا على حق”. يؤكد أبو سمرة أن احترام العميل أمر أساسي، لكن تحويل الزبون إلى مركز الكون في كل الحالات ظلم صريح للعاملين.
فعندما يدفع العميل مبلغًا بسيطًا مقابل وجبة اقتصادية، لا يمكنه منطقيًا أن يتوقع خدمة فندقية فاخرة. الخدمة مرتبطة بالسعر، ونموذج العمل مبني على التوازن، لا على المثالية الزائفة.
ويشير إلى أن كثيرًا من العملاء يفرغون ضغوطهم النفسية في العامل البسيط خلف الكاشير، رغم أن هذا العامل يتقاضى أجرًا محدودًا ويعمل في ظروف صعبة. وهنا تتحول المشكلة من “خدمة” إلى سلوك اجتماعي يحتاج مراجعة.
الاقتصاد والعملة… معادلة غير عادلة
أحد التحديات الكبرى التي تواجه المطاعم في مصر، بحسب أبو سمرة، هو ارتباط الخامات بالدولار. فاللحوم، والدواجن، والزيوت، ومعظم المكونات الأساسية تُسعَّر عالميًا، بينما يُجبر المطعم على البيع بسعر يناسب دخل المواطن المحلي.
والنتيجة؟
نفس شطيرة اللحم تُباع في الخارج بأضعاف سعرها في مصر، بينما تُشترى الخامة بالسعر نفسه تقريبًا. هذا الخلل يضغط على الهوامش ويجعل أي خطأ إداري قاتلًا.
لماذا ينجح القليل فقط؟
عند النظر إلى السوق المصري، نجد أن كل فئة طعام تقريبًا لها أسماء محدودة جدًا نجحت واستمرت، بينما اختفى المئات. والسبب، كما يشرح أبو سمرة، أن النجاح في هذا القطاع يتطلب:
-
فهمًا عميقًا للأرقام، لا العاطفة
-
تركيزًا شديدًا على منتج أو منتجين فقط
-
انضباطًا تشغيليًا صارمًا
-
صبرًا طويلًا قبل أي توسع
-
وأهم من ذلك: اختيار المعارك بعناية
فليس كل زحام نجاحًا، وليس كل افتتاح توسعًا ذكيًا.
وهم الفرنشايز السريع
ينتقد أبو سمرة موجة “الفرنشايز السريع” التي انتشرت مؤخرًا، حيث تسعى بعض العلامات لبيع فروع قبل أن تثبت نموذجها التشغيلي. هذا السلوك، في رأيه، ليس نموًا بل هروب إلى الأمام، وغالبًا ما ينتهي بخسائر جماعية.
وينصح أي مستثمر محتمل ألا يصدق العروض التقديمية وحدها، بل أن ينزل بنفسه إلى الفروع، يراقب الحركة، يحسب متوسط الفاتورة، ويتأكد من الأرقام الحقيقية لا المعلنة.
العمل الشاق… شرط لا مفر منه
في رسالة مباشرة للشباب، يؤكد أبو سمرة أن النجاح لا يأتي بدون عمل شاق، خصوصًا في العشرينيات. من لم يتعب في بداياته، سيدفع الثمن لاحقًا. التوازن بين الحياة والعمل مهم، نعم، لكنه ترف لا يُكتسب إلا بعد مرحلة الكفاح.
ويضيف أن كل إنسان يختار تضحيته بنفسه:
إما وقت، أو راحة، أو مال، أو علاقات.
المهم أن يكون الاختيار واعيًا، لا عشوائيًا.
الخلاصة: الحقيقة أهم من الحلم
عالم المطاعم ليس جنة كما يُصوَّر، ولا جحيمًا مطلقًا كما يراه البعض. هو صناعة حقيقية، قاسية، تتطلب عقلًا باردًا، وقلبًا صبورًا، وضميرًا حيًا. من يدخلها بلا دراسة، يخسر. ومن يدخلها بوهم الثراء السريع، يُستنزف.
وكما يختصر مصطفى أبو سمرة الفكرة:
“لو لم تكن مستعدًا للتعب، فاختر صناعة أخرى. أما إن كنت مستعدًا للفهم والعمل، فالمطاعم قد تكافئك… لكن بعد طول انتظار.”
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا مصطفى أبو سمرة

لا تعليق