في عالمٍ تُقاس فيه القيمة بعدد ساعات العمل، يظن كثيرون أن زيادة الجهد تعني تلقائيًا زيادة النتائج. لكن الواقع غالبًا ما يُكذّب ذلك: نعمل كثيرًا، ونُنهك أنفسنا، ثم نفاجأ أن “التارجت” لم يتحقق. في هذا السياق جاءت هذه الحلقة الاخيرة ضمن سلسلة ريادة وعبادة، حيث نستُضيف المهندس مصطفى جبر ليفكك لنا فكرة الإنتاجية من جذورها: ليست حِيَلًا سريعة ولا حماسًا عابرًا، بل طريقة تفكير تُبنى على الوعي، والمراقبة، وتغيير العادات، قبل أي أدوات أو تطبيقات.
الإنتاجية ليست ساعات… بل وعي
الفكرة المحورية التي شدّد عليها الضيف أن المشكلة ليست دائمًا في “قلة العمل”، بل في غياب الوعي بالوقت. قد يكدّ الإنسان طوال اليوم ثم لا يرى إنجازاته لأنه لا يقيسها ولا يسجّلها، فيشعر أن يومه ضاع “في اللاشيء”. هنا يبدأ الخلل: حين يصبح العمل مجرد حركة بلا رؤية، ويغيب عنا إدراك أين ذهب الوقت، ولماذا لم تتناسب النتائج مع عدد الساعات.
ويضيف أن كثيرًا من الناس يقعون في فخ “التركيز الخرافي”، فيردد أحدهم: “تركيزي عالي”، بينما يومه مليء بمشتتات لا تنتهي: مكالمات، زملاء يتحدثون حوله، إشعارات، مكاتب مفتوحة، وضوضاء مستمرة. لذلك فالإنتاجية لا تبدأ من زيادة المهام، بل من رفع الوعي: ماذا أفعل؟ كم يأخذ؟ ما الذي يقطعني؟ وما الذي يجعلني أتعثر؟
ثلاثة أعمار… والأهم هو الثالث
طرح الحوار فكرة لافتة: أن الإنسان يعيش ثلاثة “أعمار” في وقتٍ واحد:
-
العمر الزمني: وهو عدد السنوات التي مضت من حياتك.
-
العمر البيولوجي: وهو عمر صحتك وأعضائك الداخلية؛ قد يكون شخص عمره 40 سنة لكن صحته “كأنه 25”.
-
العمر الإنتاجي: وهو مقدار ما أنجزته خلال حياتك، في العمل، والأسرة، وتطوير الذات، والتعلم والترفيه.
والرسالة هنا واضحة: قد تتساوى مع غيرك في العمر الزمني، لكنكم تختلفون جذريًا في العمر الإنتاجي. وهذا هو العمر الذي يستحق أن نهتم به؛ لأنه خلاصة ما نعيشه فعلًا، لا مجرد أرقام في بطاقة الهوية.
نقل التخطيط من الرأس إلى الورق
من أقوى النقاط التي تكررت في الحوار: “لا تترك المهام في دماغك”. حين تُحاصر المهام في عقلك تتداخل وتتشابك، فتقودك للتشتت والضغط. أما حين تُكتب على ورقة أو في ملف واضح، فإنك تُخرجها من الفوضى الداخلية إلى مساحة قابلة للإدارة.
ولذلك يدعو الضيف إلى بناء قائمة مهام (To-Do List) يومية أو أسبوعية، ثم رؤية الإنجازات “مكتوبة”؛ لأن رؤية النجاح تُعيد الثقة وتكشف مواضع الخلل: لماذا هذه المهمة تأخرت؟ ولماذا استهلكت تلك المهمة أكثر مما ينبغي؟
التايمر: أداة مراقبة قبل أن يكون أداة إنجاز
منهجيًا، لا يرى الضيف أن قائمة المهام وحدها تكفي. لذلك يضيف “التايمر” بوصفه نظام مراقبة. الفكرة ليست أن تتحول إلى آلة، بل أن تُضيء لنفسك حقيقة وقتك: هل حقًا تحتاج ثلاث ساعات لمهمة ما؟ أم أنها تُنجز في نصف ساعة إذا أغلقت المشتتات؟
واعتمد الحوار على تطوير فكرة “بومودورو” الشهيرة، لكن بمدرستين مرنتين:
-
مدرسة الوقت القصير: 20 إلى 40 دقيقة عمل، ثم استراحة قصيرة 5 دقائق، واستراحة طويلة 10 دقائق بعد تكرار عدة جولات.
-
مدرسة الوقت الطويل: 45 إلى 60 دقيقة عمل، ثم استراحة قصيرة 10 دقائق، وطويلة 15 دقيقة.
المهم ليس الرقم، بل المبدأ: العمل في “كتلة تركيز” ثم استراحة منتظمة تُعيد شحن الطاقة، لأن التركيز يتآكل بطبيعته مع الوقت الطويل دون فواصل. وهنا يظهر أثر التايمر: حين تُنهي مهمة في نصف ساعة داخل جلسة مدتها 45 دقيقة، ستندهش: “كيف كانت تأخذ مني ثلاث ساعات؟”. هذا الانتباه وحده يرفع الوعي ويُحسن الأداء.
“أنا أُعوِّد الناس… لا العكس”
من أكثر العبارات صراحةً في الحوار أن الإنتاجية قرار اجتماعي أيضًا. المشكلة ليست في كثرة المهام فقط، بل في أن بعضنا يربي من حوله على أنه “متاح 24 ساعة”. ثم يشتكي أنه لا يركز. الحل: أن تُحدد حدودك وتُعلّم الآخرين احترامها.
حتى على مستوى التواصل، ضرب الضيف مثالًا عمليًا: جعل رقم العمل “واتساب فقط” وإغلاق استقبال المكالمات، وإطفاء الإشعارات، والدخول للرسائل في وقتٍ محدد، بدل الاستجابة الفورية التي تمزق اليوم إلى شظايا.
التفويض: دواء “المالتي تاسكينج” في الشركات الناشئة
تحدث الحوار عن مشكلة شائعة لدى روّاد الأعمال: تعدد الأدوار في مشروع صغير. المدير يقوم بدور المحاسب، والمسوق، وكاتب المحتوى، والمنفذ… ثم يتساءل لماذا الإنتاجية ضعيفة. هنا يطرح الضيف التفويض كحل واقعي، لكنه يُصحح مفهومه: التفويض لا يحدث فجأة، بل يمر بمراحل: تدريب ثم متابعة ثم تفويض، مع تشجيع وصبر.
ويشير أيضًا إلى فخ الكمالية: “أنا أفعلها أفضل من أي شخص”. نعم ربما، لكن إذا بقيت رهينة هذا الاعتقاد ستظل أسيرًا للأعمال الصغيرة، بينما تتعطل الأعمال الكبرى. الحل هو اختيار فريق قوي، وتطويره، والثقة به، وتقبل اختلاف طريقة التنفيذ مع الحفاظ على الهدف.
بناء العادات بأربع خطوات
قدم الضيف صيغة عملية لتكوين العادة (أو التخلص من عادة سلبية) عبر أربع مراحل متتابعة:
-
البدء: خطوة صغيرة واقعية.
-
التكرار: يوميًا وبنَفَس طويل.
-
المتابعة: تقييم أسبوعي (مثلًا في اليوم السادس) بسؤال: ما الإيجابيات؟ ما العوائق؟ ما إجراءات التحسين؟
-
المكافأة: مكافأة ذكية غير مبالغ فيها، ويفضل تنويعها حتى لا تتحول العادة إلى “ارتباط شرطي” بالمكافأة.
وضرب مثالًا بالمشي 15 دقيقة يوميًا بدل القفز مباشرة للجيم؛ لأن النتائج لا تُبنى بحماس البداية فقط، بل بالاستمرارية. كما حذّر من “جلد الذات”، لأن اللوم الزائد يتحول إلى حديث سلبي مع النفس يُسقط الاستمرار بدل أن يدفعه.
الإنتاجية في مواسم العبادة: التخطيط مع المجاهدة
في رمضان، وبالأخص العشر الأواخر، تتغير المعادلة: النوم قد يكون متقطعًا، والطاقة قد تتذبذب، لكن الهدف الروحي أكبر. هنا دعا الضيف إلى التخطيط الواقعي المكتوب: ما مقدار الورد؟ متى أقرأ؟ كيف أستثمر الأوقات؟ وكيف أوازن بين العمل والعبادة دون أن ينهار الجسد؟
والفكرة الجوهرية: “القليل الدائم خير من الكثير المنقطع”، مع مجاهدة النفس، والاستعانة بالله، والتعامل بوعي مع الطاقة بدل ترك اليوم للارتجال.
خاتمة: ركّز في ورقتك
ينتهي هذا الحديث برسالة إنسانية عميقة: ركّز في ورقتك، لا في مقارنة نفسك بالآخرين. افرح لنجاح غيرك، لكن لا تترك عينيك على إنجازاتهم فتنسى طريقك. راقب نفسك، اكتشف مشكلاتك واحدةً تلو الأخرى، وابدأ بتحسينها قبل أن تنفجر في وجهك.
الإنتاجية — كما لخصها الحوار — ليست خدعة سريعة، ولا شعارًا يُقال كل أسبوع، بل بناء تراكمي: قربٌ من الله، ووعي بالوقت، ومراقبة للسلوك، وعادات صغيرة ثابتة تُراكم “عمرًا إنتاجيًا” يستحق أن يُعاش.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا مصطفي جبر

لا تعليق