كيف تصنع شركة لا تُقهر؟ I هشام العدوي المدير التنفيذي لشركة مهر

كيف تصنع شركة لا تُقهر؟ I هشام العدوي المدير التنفيذي لشركة مهر


يطرح المهندس هشام العدوي، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة «مهر»، فكرة محورية في عالم الأعمال مفادها أن أخطر عدو لنجاح الشركة في المستقبل قد يكون نجاحها الحالي. فحين يتصدر مشروعٌ ما السوق ويحقق أرباحًا كبيرة، تميل الإدارة إلى الاطمئنان إلى “الوصفة الرابحة” وتقاوم تغيير نموذج العمل الذي يدرّ المال، فتتأخر عن رؤية “الحصان الأسود” القادم من الخلف. وهنا تبدأ رحلة الانحدار: شركة تظن أنها محصّنة، فتُفاجأ بتقنية جديدة أو لاعبٍ ناشئ يبدّل قواعد اللعبة ويقتطع حصتها بسرعة.

مفهوم “الشركات التي لا تُقهر”… أم السعي نحو اللاقهر؟

يشير العدوي إلى أن مصطلح “الشركة التي لا تُقهر” أُعيدت صياغته عند بعض مدارس التفكير الاستراتيجي ليصبح أقرب إلى مفهوم ملاحقة اللاقهر أو “السعي نحو المناعة”، لأن العالم لا يعرف ثباتًا: شركات تصعد وأخرى تهبط. لذا، الهدف الواقعي ليس ادّعاء الاستحالة، بل بناء منظومة تحذير مبكر وعقلية مرنة تسمح للشركة بأن تتجنب السقوط، أو على الأقل أن تتعافى بسرعة عند الأزمات.

“كُل نفسك قبل أن يأكلك المنافس”: عقليّة تعطيل الذات قبل أن تُعطَّل

تبدأ المناعة من عقلية تقبل فكرة صادمة: أن تُحدث الشركة اضطرابًا في نفسها قبل أن يفعله غيرها. فالقائد الذي يركن إلى الأرقام الحالية فقط قد يغفل أن السوق يتغير من حوله. وهنا تبرز قاعدة: “ما دام الخليط شغّالًا لا تلعب فيه”… لكنها قد تكون القاعدة التي تقتل الشركة لاحقًا، لأن “الخليط” يفسد فجأة عندما تتغير البيئة أو تظهر تقنية بديلة.

نوكيا: نجاحٌ ساحق تحوّل إلى نقطة عمى

يُستشهد كثيرًا بـنوكيا باعتبارها نموذجًا كلاسيكيًا: شركة عريقة تحولت عبر تاريخها أكثر من مرة، لكن حين وصلت إلى قمة صناعة الهواتف أصبحت زعامتها عبئًا. النجاح الكبير صنع “قناعة داخلية” بأن الفريق يرى كل شيء، بينما الواقع أن المنافسة كانت تتحضر من الخلف. في بضع سنوات، تراجعت الأسطورة، لأن الشركة لم تلتقط التحول القادم بالسرعة المطلوبة.

نتفليكس وبلوكباستر: حين تصنع التغيير وتُضحّي بما يدرّ المال

على النقيض، يقدّم العدوي مثال نتفليكس التي بدأت بحل مشكلة بسيطة مرتبطة باستئجار أقراص الأفلام، ثم أخذت تطوّر نموذج عملها تدريجيًا: من توصيل الأقراص، إلى الاشتراكات الشهرية، إلى التوصيات المبنية على تفضيلات المستخدمين، ثم إلى القفزة الكبرى: البثّ عبر الإنترنت. الأهم أنها لم تتوقف عند ذلك، بل دخلت مجال الإنتاج الفني، لتتحول من منصة توزيع إلى كيان يصنع المحتوى نفسه.
وفي الجانب الآخر، كانت بلوكباستر ترى نفسها قائد السوق، فقللت من شأن الاستحواذ على نتفليكس في بدايتها، ثم تأخرت عن التحول، فانتهت إلى الإفلاس. الدرس هنا واضح: أحيانًا تحتاج الشركة أن توقف نشاطًا مربحًا اليوم كي لا تختفي غدًا.

الابتكار ليس فكرة عابرة… بل إدارة لتيارين داخل الشركة

يؤكد العدوي أن الشركات تحتاج إلى فصل ذكي بين مسارين:

  1. مسار التشغيل (Operations): تشغيل المنتج الحالي، خدمة العملاء، الإنتاج، التوريد، ضمان الجودة… وهو مسار هدفه تقليل الفشل وتحسين الكفاءة.

  2. مسار الابتكار (Innovation): استكشاف الجديد، تجربة نماذج مختلفة، السماح بالفشل السريع، ومحاولة “تعطيل المنتج الحالي” قبل أن يعطله المنافسون.

لكن المشكلة أن هذين المسارين قد يصطدمان: فريق التشغيل يكره المخاطرة ويرى الابتكار “إهدارًا للميزانية”، بينما فريق الابتكار يرى التشغيل “بطئًا ومقاومًا للتغيير”. الحل ليس إلغاء الصراع، بل إدارته بوصفه صراعًا صحيًا حول مستقبل الشركة.

كوداك: حين اخترعت الشركة مستقبلها ثم رفضته

يبرز مثال كوداك كتحذير بالغ: التقنية التي هزّت سوقها (التصوير الرقمي) خرجت من داخل معاملها، لكن القرار الإداري خاف على مصدر الربح الأساسي المرتبط بالأفلام والتحميض. الفكرة رُفضت لأنها “توقف البزنس”، فانتقلت الثورة إلى الخارج، وتحول العملاق إلى ذكرى. الدرس: إذا جعلت الشركة “أرباح اليوم” شرطًا يمنعها من تبنّي “تقنيات الغد”، فهي تمهد لنهاية نموذجها الحالي بلا بديل.

مايكروسوفت: القيادة تصنع الفرق بين عقلية البيع وعقلية الابتكار

يتوقف العدوي عند الفرق بين قيادة تميل إلى التركيز على المبيعات والأرباح قصيرة المدى وقيادة تستثمر في الابتكار طويل المدى. فالشركة التي تريد أن تبقى قوية أمام موجات التحول التكنولوجي تحتاج قائدًا يفهم كيف يوازن بين تشغيل ما يدرّ المال الآن، وبين بناء ما سيصنع المال لاحقًا، حتى لو لم تظهر نتائجه فورًا.

هل “السعي نحو اللاقهر” ينطبق على الشركات الناشئة؟

يرى العدوي أن الشركات الناشئة تمر غالبًا بمراحل قبل “الانطلاق”:

  • ملاءمة المشكلة للحل (Problem–Solution Fit): التأكد أن المنتج يحل مشكلة حقيقية.

  • ملاءمة المنتج للسوق (Product–Market Fit): التأكد أن السوق يريد المنتج، وأنه قابل للنمو.

  • ملاءمة نموذج العمل (Business Model Fit): بناء آلية تكرارية للبيع والتوسع يمكن لفريق غير المؤسسين تنفيذها.

ويحذر من خطأ شائع: تحويل جولات التمويل إلى “محطات بنزين” يقف عندها المؤسس باستمرار دون أن يعرف وجهته. الاستثمار ينبغي أن يأتي عندما يكون المنتج قد أثبت نفسه، لا كبديل عن إثباته.

الاستثمار في الابتكار: لماذا يفشل أحيانًا؟

سؤال “كم نصرف على الابتكار؟” ليس له رقم سحري؛ لأن الابتكار بطبيعته غير مضمون. لكن العدوي يلفت إلى أخطاء متكررة تؤدي للفشل:

  • محاولة “تنميط الابتكار” بإجراءات خانقة تقتل الإبداع.

  • إسناد التنفيذ التشغيلي لمن هو بارع في توليد الأفكار فقط.

  • محاسبة الابتكار بمعايير التشغيل نفسها، رغم اختلاف الطبيعة بينهما.

  • تجاهل العامل البشري وثقافة الشركة، وكأن الأدوات وحدها تصنع التحول.

توصيات ختامية: كيف تقترب شركتك من “المناعة”؟

  1. لا تثق في نجاحك الحالي بوصفه ضمانًا للمستقبل.

  2. ابنِ مسارين متوازيين: تشغيل قوي + ابتكار جاد.

  3. اسمح بالتجربة والفشل السريع داخل مسار الابتكار.

  4. اقرأ محيطك باستمرار: اقتصاد، تقنية، سلوك مستهلك، منافسون، بدائل.

  5. لا تجعل التمويل هدفًا بذاته؛ اجعله وقودًا لوجهة واضحة.

  6. ضع الأشخاص في أماكنهم الصحيحة: ليس كل ممتاز في التشغيل ممتاز في الابتكار، والعكس صحيح.

بهذه العقلية، لا تصبح “لا تُقهر” بمعنى الاستحالة، لكنك تصبح شركةً تعرف كيف تتغير قبل أن يُجبرها السوق على التغير، وكيف تحمي نفسها من سكين النجاح الذي قد يذبح مستقبلها إن اكتفت بالانتصارات القديمة.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا هشام العدوي

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *