في مستهل حلقة مميزة من بودكاست 360، استضافنا الأستاذ نادين بركات، مدير قطاع تطوير الأعمال الإقليمي بشركة شفاء، ليحكي تجربة مهنية ثرية بدأت من أبسط صور البيع المباشر، وانتهت إلى قيادة استراتيجيات تطوير أعمال في قطاعات متعددة. جاءت هذه الحلقة لتناقش أحد أهم أعمدة نجاح الشركات الحديثة، وهو تطوير الأعمال (Business Development)، ذلك المجال الذي أثبتت الدراسات أن الاستثمار فيه يرفع معدلات نمو الشركات التقليدية بنسبة تصل إلى 30%، بينما تزيد فرص نجاح الشركات الناشئة إلى ما يقارب 50%.
البدايات الأولى: البيع المباشر واكتشاف الذات
بدأت رحلة نادين بركات مبكرًا، حين قرر النزول إلى سوق العمل في سن صغيرة، ليس بدافع الشغف، بل بدافع الحاجة المادية. عمل في وظائف بيع بسيطة، من الوقوف في المحال إلى التعامل المباشر مع العملاء، وهناك اكتشف أنه يمتلك قدرة فطرية على التواصل والإقناع. لم يكن النجاح مخططًا له، بل جاء تدريجيًا مع الاحتكاك اليومي بالسوق، وتعلّم التعامل مع أنماط بشرية مختلفة، واكتساب خبرات حياتية لا تُدرَّس في القاعات الجامعية.
الرفض… المعلم الأول في حياة البائع
أحد أكبر التحديات التي واجهت نادين في بداياته كان الرفض المتكرر. فمن بين كل عشر محاولات بيع، قد لا ينجح سوى مرة أو مرتين، بينما يُقابل الباقي بالرفض. هذا الواقع كان صادمًا، خصوصًا لشخص سريع الإيقاع ويحب الإنجاز. لكنه مع الوقت أدرك حقيقة أساسية:
الرفض ليس حكمًا على الشخص، بل جزء طبيعي من طبيعة العمل.
هذا الإدراك أحدث تحولًا جذريًا في حالته النفسية، وعلّمه كيف يفصل بين قيمته الذاتية ونتيجة الصفقة، وكيف يحافظ على الحماس رغم الإخفاقات المتتالية.
كسر الأوهام وبناء الواقعية
الاحتكاك المبكر بسوق العمل كسر كثيرًا من الأوهام الشائعة لدى الشباب، مثل الاعتقاد بأن الجودة وحدها كافية للنجاح، أو أن السوق عادل دائمًا. فقد اكتشف أن العلاقات، والتوقيت، والسمعة، وأحيانًا المصالح، تلعب دورًا لا يقل أهمية عن جودة المنتج. هذه الصدمات المبكرة، رغم قسوتها، ساهمت في بناء شخصية أكثر نضجًا ومرونة.
من البيع إلى تطوير الأعمال
بعد سنوات من العمل في المبيعات، جرّب نادين مجالات أخرى مثل التسويق، قبل أن ينتقل إلى تطوير الأعمال، وهو دور لم يكن واضح المعالم في البداية، حتى للجهة التي وظّفته. لكنه استثمر هذه الضبابية لصالحه، فبدأ بالبحث والدراسة والتجربة، واستكشاف كيف يُمارَس هذا الدور في شركات وصناعات مختلفة.
مع الوقت، تحوّل القسم الذي كان يعمل فيه من تجربة فردية إلى فريق متكامل، ثم إلى إدارة مستقلة، وانتقل بعدها بين شركات متعددة، مكتسبًا خبرات متنوعة في الأغذية، والأثاث، والشحن، والدواء.
بناء العلاقات: من المجاملة إلى القيمة المتبادلة
يرى نادين أن بناء العلاقات ليس مجرد توسيع دائرة المعارف، بل هو عملية واعية تقوم على تقديم قيمة حقيقية. العلاقة المهنية الناجحة تقوم على الثقة، والالتزام، والقدرة على الوفاء بالوعود. ويؤكد أن العلاقات لا تُبنى بالشعارات، بل بالأفعال المتسقة مع الأقوال.
كما يرفض الفكرة السلبية عن تحويل العلاقات إلى فرص عمل، موضحًا أن البيع في جوهره عملية تبادل منفعة، وليس استغلالًا، ما دام الطرفان مستفيدين.
تطوير الأعمال: ما بين الداخل والخارج
يوضح نادين أن دور مطوّر الأعمال يختلف باختلاف حجم الشركة وطبيعة السوق. لكنه غالبًا ينقسم إلى شقين:
-
داخلي: تحسين العمليات، التسعير، تطوير المنتج، ورفع كفاءته.
-
خارجي: فتح أسواق جديدة، بناء شراكات، وإدارة العلاقات مع العملاء.
وفي الشركات الناشئة، يكون الدور تنفيذيًا في البداية، ثم يتحول تدريجيًا إلى دور استراتيجي مع نمو الشركة.
لا تحارب السوق… افهمه أولًا
من أهم الدروس التي يؤكد عليها نادين أن محاولة تغيير ثقافة السوق بالقوة مكلفة جدًا، وتتطلب رأس مال ضخمًا ونَفَسًا طويلًا. الأفضل هو فهم السوق كما هو، ثم تحسينه تدريجيًا، وتقديم قيمة حقيقية تجعل التغيير مقبولًا وطبيعيًا.
الانتقال بين الصناعات: احترام الصنعة
انتقال نادين بين صناعات مختلفة لم يكن بدافع الملل، بل بدافع التعلم. لكنه يؤكد أن كل صناعة لها قواعدها وخباياها، ولا يمكن فهمها دون التواضع والتعلم من أهل الخبرة. الدخول بعقلية “أنا أفهم كل شيء” هو أسرع طريق للفشل.
النجاح والاختيارات الشخصية
يرفض نادين فكرة النموذج الواحد للنجاح. فليس كل ناجح رائد أعمال، وليس كل موظف فاشلًا. النجاح مفهوم نسبي، ولكل مرحلة من الحياة أولوياتها. أحيانًا تكون الراحة النفسية، أو العمل مع فريق إنساني محترم، أهم من المال أو المنصب.
التعلم المستمر وإدارة الحياة
يؤمن نادين بأهمية الروتين المرن، الذي يوازن بين العمل، والأسرة، والتعلم، والحياة الشخصية. كما يرى أن التعلم يجب أن يكون واقعيًا ومتدرجًا، يبدأ بما يخدم الوظيفة الحالية، ثم يوسّع الأفق نحو المستقبل، دون إغفال الاهتمامات الشخصية.
خلاصة التجربة
تجربة نادين بركات تؤكد أن النجاح ليس خطًا مستقيمًا، بل مسار مليء بالرفض، والتجربة، والتعلم، وإعادة التقييم. تطوير الأعمال ليس مجرد وظيفة، بل عقلية تقوم على الفهم العميق للسوق، وبناء العلاقات، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات بوعي ومسؤولية.
وفي النهاية، لا توجد وصفة واحدة للنجاح، بل تجربة صادقة، وفهم للذات، واستعداد لدفع ثمن الاختيارات.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا نديم بركات

لا تعليق