في هذه الحلقة من بودكاست 360 نستضيف الأستاذ محمد بهاء—مؤسس تجربة «رفيقك المهني»—ليفتح ملفًا شديد الأهمية لكل شاب: لماذا قد تكون بارعًا فعلًا، ومع ذلك لا تأتيك الفرص؟ الفكرة التي ينطلق منها الحديث بسيطة لكنها موجعة: قد تكون شاطرًا، لكن لا أحد يعرف أنك موجود، أو لا أحد يعرف مقدار تميّزك. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل المشكلة في المهارة؟ أم في طريقة عرضها؟ أم في التسويق الذكي للنفس دون ابتذال؟
من الجامعة إلى أول خطوة على لينكدإن
يروي محمد بهاء أن البداية كانت في فترة الجامعة، وبالتحديد في السنة الثالثة. لم تكن الخطة أن يؤسس شركة أو “مشروعًا ضخمًا”، بل بدأ على نحو عملي: يساعد الناس في تحسين حساباتهم على لينكدإن، ويوجّههم لكيفية تقديم أنفسهم بشكل مهني. المدهش أنه لم يعلن في البداية عن خدمات واضحة، لكن الناس كانوا يطلبون مساعدته لأنهم عرفوا ما الذي يفعله، ولأنهم لمسوا أثره.
مع الوقت، تراكمت الخبرات: ورش عمل، دورات، جلسات استشارية… ثم جاءت فكرة “جمع العمل في مكان واحد” ليصبح الأمر مشروعًا منظمًا لا مجرد مساعدات متفرقة. وهكذا تحولت المبادرة تدريجيًا إلى منصة تقدم مسارات متعددة للتأهيل المهني، من بناء الملف الشخصي إلى الاستعداد للمقابلات وتطوير المهارات الناعمة.
هل المال يغيّر الرسالة؟
يتوقف الحوار عند نقطة شائعة: حين يتحول المشروع إلى ربحي، يبدأ بعض الناس في إطلاق الأحكام: «الفلوس غيّرتك»، «أنت بتبيع علمك»… يرد محمد بهاء بهدوء: تقديم خدمة مدفوعة لا يعني خيانة الرسالة، خصوصًا إذا كان هناك تدرّج يُراعي اختلاف الظروف.
فلسفة «رفيقك المهني»—بحسب ما يوضح—قائمة على ثلاث طبقات:
-
محتوى وخدمات مجانية متاحة للجميع.
-
خدمات مدعومة/مخفضة لمن لا يملك القدرة المالية الكاملة.
-
خدمات أعلى سعرًا لمن لا يملك الوقت ويريد تنفيذًا مباشرًا أو دعمًا كثيفًا.
ويضيف أنه يشارك بانتظام في مبادرات تطوعية ولقاءات مجانية، ليثبت أن الربح ليس نقيض العطاء، بل قد يكون وسيلة لاستدامته.
الفجوة الكبرى: “تعلمت مهارة… ثم ماذا؟”
أحد أهم محاور الحلقة هو تفسير الإحباط الذي يصيب كثيرًا من الشباب: يتعلم الشاب مهارة—تصميم، برمجة، كتابة، تسويق…—ثم ينتظر أن تأتي الوظيفة وحدها، وحين لا تأتي يظن أن المشكلة في السوق أو في “حظّه”. هنا يوضح محمد بهاء الفجوة: المهارة وحدها لا تجلب العمل إن لم تكن مصحوبة بقدرة على عرضها وتوثيقها وتسويقها بطريقة محترمة.
يضرب مثالًا بمصمم جرافيك تعلّم التصميم: الخطوة التالية ليست “الانتظار”، بل:
-
هل طبّقت عمليًا؟
-
هل لديك Portfolio واضح؟
-
هل تستطيع عندما يُسألك أحد: “ورّيني شغلك” أن تقدم نماذج قوية؟
-
هل وصلت لمرحلة أن الناس تطلبك بالاسم؟
التسويق للنفس: ليس صراخًا… بل توثيقًا ذكيًا
يسأل المُحاوِر بوضوح: هل المطلوب أن أكتب يوميًا منشورات من نوع “أنا جامد”؟
الإجابة: لا. التسويق للنفس ليس ضجيجًا ولا مبالغة. الفكرة في التوثيق:
-
بعد إنهاء مشروع ناجح، اطلب توصية “Recommendation” من العميل.
-
احتفظ بالتوصيات في لينكدإن.
-
حدّث معرض أعمالك باستمرار.
-
انشر أحيانًا عن مشروع أنجزته أو تجربة تعلمتها، دون مبالغة ودون تكرار ممل.
ويحذر من خطأ شائع: الإفراط في التسويق حتى ينفر الناس. المطلوب توازن بين:
-
محتوى مفيد/تعليمي، 2) عرض خبرات وتجارب، 3) لمسة إنسانية بسيطة، لا تتحول إلى يوميات شخصية كاملة.
لماذا لينكدإن تحديدًا؟
يشير محمد بهاء إلى أن جمهور لينكدإن قد يكون أقل عددًا من منصات مثل فيسبوك، لكن قيمته أعلى من ناحية: القوة الشرائية، الاهتمام بالتعليم والتطوير، وسهولة الوصول لفرص مهنية حقيقية. لذلك ينصح المبتدئ: اختر منصة واحدة وركّز عليها بدل التشتت على كل المنصات بلا نتيجة.
ومن تجربته في النمو، يوضح أن سر النجاح ليس “حيلة سحرية”، بل:
-
دراسة المنصة وفهم طبيعتها.
-
بناء ملف قوي.
-
الاستمرار في النشر ولو مرة أسبوعيًا على الأقل.
-
تحليل النتائج بانتظام: ما الذي جلب ظهورًا؟ ما الذي جلب تفاعلًا؟
الصورة والملف الشخصي: الانطباع الأول لا يُهمَل
من الأخطاء الشائعة التي يذكرها:
-
ملف بلا صورة.
-
ملف لا يوضح “أنت تعمل ماذا؟”
-
عنوان مليء بتخصصات متناقضة بلا وضوح: محاسب/صانع محتوى/مبرمج… دون تركيز.
أما موضوع الصورة: ليست ضرورة أن تكون “فورمال مكشر”، لكن يجب أن تكون صورة محترمة بإضاءة جيدة وخلفية مناسبة—لا صور حفلات أو مناسبات صاخبة. لأن لينكدإن ليس مجرد “تقديم وظيفة”، بل منصة علاقات ومصداقية.
التوصيات والمهارات الموثّقة: المصداقية التي لا تُزوّر
يلفت محمد بهاء إلى نقطة قوية: ما تكتبه عن نفسك يمكن أن يكون مبالغًا فيه، لكن التوصيات (Recommendations) وتزكيات المهارات (Endorsements) تأتي من الآخرين، فتمنحك مصداقية أعلى. لذلك ينصح بأن تأتي توصياتك—قدر الإمكان—من أشخاص ذوي وزن مهني: مدير مباشر، عميل موثوق، أستاذ جامعي، أو زميل عمل له قيمة.
السيرة الذاتية و”المصيبة الكبرى”: سي في واحد لكل شيء
ينتقل الحديث إلى الـCV، وهنا يضع محمد بهاء قاعدة ذهبية: لا يوجد CV واحد يصلح لعشر سنوات وعشر وظائف مختلفة. كل وظيفة لها متطلبات، وعلى السيرة الذاتية أن تُفصّل وتُضبط وفقًا لها دون كذب أو ادعاء. ويحذر من “نسخ ولصق” مهارات مطاطة مثل: “القدرة على العمل تحت الضغط” لمجرد أنها منتشرة.
كما يوضح تأثير أنظمة فرز السير الذاتية (ATS): التصميمات المعقدة، التقسيمات الغريبة، النجوم والرسومات… قد تربك النظام والإنسان معًا. الأفضل غالبًا: تنسيق بسيط واضح، صفحة إلى صفحتين، بعناوين مرتبة وإنجازات قابلة للقياس.
السوفت سكيلز: المعيار الذي يصنع الفارق
في سوق اليوم—خصوصًا العمل عن بُعد والفريلانس—تظهر مهارات لا تقل أهمية عن التقنية: التواصل، التفاوض، بناء العلاقات، إدارة الوقت، وكتابة الإيميلات، وإدارة المشاريع. ويؤكد أن كثيرًا من الناس ينجحون تقنيًا لكن يفشلون لأنهم لا يعرفون كيف يقدّمون أنفسهم، أو كيف يفاوضون، أو كيف يحافظون على علاقات مهنية صحية.
ويرى أن التفاوض من أكثر المهارات المهملة تأثيرًا: قد تخسر فرصًا كثيرة لأنك لم تحسن تقديم عرضك أو لم تقدر قيمة وقتك وخدمتك.
بين الوظيفة وريادة الأعمال: الصورة ليست وردية كما يتخيل البعض
يصحح محمد بهاء وهمًا منتشرًا: “صاحب الشركة ينام ويستيقظ براحتُه”. الواقع—كما يصفه—أن صاحب المشروع يحمل مسؤوليات وضغوطًا مالية وذهنية أكبر، بينما الموظف لديه غالبًا دخل ثابت. المسألة ليست “أفضلية مطلقة”، بل اختيار نمط حياة: من يريد الاستقرار والوقت للأسرة؟ ومن يريد المخاطرة وبناء شيء خاص؟
إدارة يوم مزدحم: كيف يوازن بين شركتين والأسرة؟
يتحدث الضيف عن تحدٍ شخصي: الموازنة بين إدارة عملين وبين الالتزامات الأسرية. يعتمد على تقسيم اليوم، والاستفادة من هدوء الليل للإنتاج المركز، مع الحرص على حضور المناسبات الأسرية وعدم التضحية بها. ويؤكد أن الراحة النفسية جزء من القدرة على الاستمرار والإنتاج، وأن الضغط المبالغ فيه قد يقتل الشغف ويُضعف الأداء.
الرسالة الأخيرة: كن محترفًا… واجعل الناس تعرف ذلك
يختتم محمد بهاء برسالة عملية واضحة:
لا تعش وهم أن المهارة وحدها تكفي، ولا تنجرف في ضجيج “البراند الشخصي” المبالغ فيه. افعل الحد الأدنى الصحيح:
-
عرّف الناس من أنت وماذا تفعل.
-
وثّق شغلك وتوصيات عملائك.
-
ابنِ ملفًا قويًا ومحتوى مفيدًا متوازنًا.
-
طوّر مهاراتك التقنية والناعمة معًا.
-
والأهم: لا تكرر الخطأ نفسه كل يوم ثم تنتظر نتيجة مختلفة.
بهذه الخلاصة يغلق الحوار باب الأعذار، ويفتح باب العمل الحقيقي: التميّز لا يكتمل إلا حين يُرى ويُفهم ويُوثّق.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا محمد بهاء

لا تعليق