في بداية هذا الحوار الصريح، يروي المهندس أحمد زلط رحلته الطويلة في عالم ريادة الأعمال، رحلة لم تكن مفروشة بالنجاحات السهلة، بل مليئة بالتجارب القاسية، والخسائر المؤلمة، والانكسارات التي صنعت في النهاية وعيًا حقيقيًا بمعنى بناء الشركات. يؤكد أحمد منذ اللحظة الأولى أن ريادة الأعمال ليست حكاية ملهمة تُروى على المنصات، بل واقع شديد القسوة، لا ينجو فيه إلا من يفهم قواعد اللعبة جيدًا.
البدايات الخاطئة: عندما لا تكفي الثقة وحدها
يسترجع أحمد زلط بداياته الأولى، حين دخل عالم الأعمال بثقة كبيرة، دون خبرة إدارية حقيقية. اعتمد في تلك المرحلة على الحماس والإقناع أكثر من التخطيط العميق، فنجح في جمع استثمارات ضخمة وصلت إلى عشرة ملايين دولار، لكنه فشل في إدارة المشروع، ما أدى إلى إفلاس الشركة بالكامل.
يصف تلك المرحلة بأنها صدمة حقيقية، خاصة عندما وجد نفسه فجأة أمام قضايا قانونية وأحكام محاكم نتيجة شراكات واختيارات غير مدروسة. هنا يبرز أول درس محوري: الثقة وحدها لا تكفي، والاختيار الخاطئ للفريق أو المستثمر قد يكون قاتلًا للمشروع.
الفريق قبل الفكرة: قاعدة لا تقبل الجدل
من أهم القناعات التي وصل إليها أحمد بعد سنوات من التجربة أن الفريق أهم من الفكرة. فالفكرة مهما كانت قوية يمكن إنقاذها بفريق ذكي، بينما الفكرة العبقرية تفشل إذا حملها فريق ضعيف أو غير منسجم.
يشدد أحمد على أن اختيار الشركاء لا يجب أن يكون عاطفيًا أو مبنيًا على العلاقات الشخصية فقط، بل على التكامل الحقيقي في المهارات، والقدرة على العمل تحت الضغط، والصدق في الأزمات. ويضيف أن اختلاف القدرات بين الشركاء هو سر النجاح، وليس تشابههم.
وهم “البدء من الصفر”
يتوقف أحمد عند عبارة تتكرر كثيرًا في عالم الأعمال: “ابدأ من الصفر”. ويطرح سؤالًا جوهريًا: أين هو الصفر فعلًا؟
هل الصفر أن تبدأ وفي جيبك مليون دولار؟ بالطبع لا.
من وجهة نظره، الصفر الحقيقي يبدأ من عنصرين فقط:
-
الصحة: النفسية والجسدية.
-
المهارات: التقنية والناعمة (Soft Skills).
فمن دون صحة نفسية مستقرة، لا يمكن لرائد الأعمال تحمّل الضغوط الهائلة، ومن دون مهارات حقيقية، لا قيمة لأي تمويل أو فكرة.
ريادة الأعمال والضغط النفسي
يحذّر أحمد زلط من الصورة الوردية التي تُروّج لريادة الأعمال على وسائل التواصل الاجتماعي. فخلف المؤتمرات، والصور، والنجاحات المعلنة، يوجد ضغط نفسي هائل، ومسؤوليات ثقيلة، وسهر طويل، وقرارات مصيرية قد تغيّر حياة أشخاص كُثر.
يرى أحمد أن كثيرين يدخلون هذا العالم وهم غير مستعدين نفسيًا، فينهارون سريعًا عند أول أزمة. لذلك، ينصح كل من يفكر في بدء مشروعه الخاص أن يسأل نفسه بصدق:
هل أستطيع تحمّل سنة كاملة دون دخل؟ وهل أستوعب احتمال الفشل؟
دراسة السوق: الخطأ الأكثر شيوعًا
من الأخطاء المتكررة التي رآها أحمد لدى رواد الأعمال، الدخول إلى السوق دون فهم حقيقي لحجمه أو احتياجاته. ويؤكد أن البحث عبر الإنترنت وحده لا يكفي، بل لا بد من البحث الميداني المباشر (Primary Research) عبر الحديث مع العملاء المحتملين، وفهم سلوكهم الحقيقي.
فالسوق لا يكافئ من يقلّد، بل من يحل مشكلة حقيقية بطريقة مختلفة.
الفكرة لا تُسرق… السوق هو الحكم
ينفي أحمد زلط فكرة “سرقة الأفكار” تمامًا، ويؤكد أن الأفكار لا تُسرق، بل تُنفّذ. فالسوق يتسع للجميع، ومن ينزل إلى السوق أولًا ويعمل بجد، هو الأجدر بالنجاح. أما الخوف المبالغ فيه من مشاركة الفكرة، فهو في رأيه عائق نفسي أكثر منه خطرًا حقيقيًا.
الثقة والاحتياط: معادلة لا بد منها
رغم إيمانه العميق بالثقة، يشدد أحمد على أهمية التوثيق القانوني لكل شيء. فالعلاقات مهما كانت قوية، قد تتغير، والاتفاقات الشفهية تُنسى. لذلك، يرى أن كل تفصيلة يجب أن تكون مكتوبة وموقعة، ليس انعدامًا للثقة، بل حماية لجميع الأطراف.
تقسيم الأسهم بعدالة
يتناول أحمد موضوع تقسيم الأسهم (Equity Split) بأسلوب عملي، مؤكدًا أن التقسيم العادل لا يعتمد على الأشخاص بل على الأدوار. فكل دور في الشركة له وزن، ويتم توزيع الأسهم بناءً على قيمة هذا الدور وتأثيره في نجاح المشروع، وليس على من صاحب الفكرة فقط.
المستثمرون: ليسوا جميعًا سواء
يميّز أحمد بين المستثمر التقليدي والمستثمر الملائكي. فالأخير يفهم طبيعة الشركات الناشئة، ويتوقع الخسائر في البدايات، ويدعم النمو طويل المدى، بينما المستثمر التقليدي غالبًا ما يبحث عن أرباح سريعة، ما قد يخلق صدامًا خطيرًا مع طبيعة الستارتاب.
الخلاصة: ريادة الأعمال اختيار واعٍ
يختتم أحمد زلط حديثه بالتأكيد على أن ريادة الأعمال ليست بطولة فردية، ولا طريقًا مضمونًا للثراء، بل اختيار واعٍ مليء بالمخاطر. النجاح فيها يتطلب تعلّمًا دائمًا، واستعدادًا للفشل، وقدرة على الاختيار الصحيح في كل مرحلة.
ويؤمن أن من ينجح في هذا الطريق، لا ينجح لأنه لم يفشل، بل لأنه تعلم من فشله أسرع من غيره.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد زلط

لا تعليق