في لقاء صريح وعميق، فتح زياد هنداوي، نائب رئيس مجلس إدارة شركة ماش للأدوية، قلبه قبل عقله، متحدثًا عن رحلته الشخصية والمهنية، وعن التحديات المعقدة التي تواجه صناعة الدواء في مصر، وعن فكرة «النجاح الموروث» والخوف من أن يُنسب الإنجاز إلى الاسم لا إلى الجهد. لم يكن الحوار مجرد سرد لمسيرة شاب وصل إلى منصب قيادي في سن مبكرة، بل كان شهادة حيّة على صراع داخلي، وفهم عميق للاقتصاد، وإيمان بدور الإنسان قبل المنصب.
البدايات: من التوزيع البسيط إلى صناعة متكاملة
تعود جذور شركة ماش إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين أسسها الدكتور سيد هنداوي، أستاذ الطب بجامعة المنصورة وطبيب الأورام، كبداية متواضعة في توزيع المستلزمات الطبية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى كيان صناعي دوائي متكامل. لم تكن البداية قائمة على المغامرة العشوائية، بل على فهم احتياجات حقيقية في السوق، وهو ما ظهر بوضوح في منتجات مبكرة مثل شاش الفازلين، الذي حل مشكلة عملية يومية في علاج الحروق، وفتح الباب أمام توسع حقيقي في مجال الرعاية الصحية.
التسجيل الدوائي: معركة صامتة لا يراها المستهلك
أوضح زياد هنداوي أن أحد أكبر إنجازات ماش يتمثل في قوة ملفها التنظيمي، حيث تمتلك عشرات المستحضرات الدوائية المسجلة والمتداولة، إلى جانب مئات مستحضرات التجميل. عملية تسجيل الدواء، كما شرح، ليست سهلة ولا رخيصة، بل تمر بمراحل طويلة تشمل دراسات التكافؤ الحيوي، التي تُعد من أكثر المراحل تكلفة وتعقيدًا.
ورغم شيوع الاعتقاد بأن الأدوية الجنيسة أقل جودة، شدد هنداوي على أن جميع الأدوية – سواء أصلية أو جنيسة – تخضع لنفس اختبارات الجودة والفعالية، وأن الفارق الحقيقي غالبًا ما يكون نفسيًا أو ثقافيًا، لا علميًا.
لماذا لا نكتشف المادة الفعالة محليًا؟
تطرق الحوار إلى سؤال شائك: لماذا لا تكتشف مصر مواد فعالة جديدة بدلًا من الاكتفاء بتصنيع الجنيس؟
الإجابة، كما أوضح هنداوي، معقدة وتشريعية واقتصادية في آن واحد. اكتشاف مادة فعالة جديدة قد يتطلب استثمارات تصل إلى مليارات الدولارات، وسنوات طويلة من البحث، فضلًا عن غياب إطار تشريعي محلي واضح ينظم هذه العملية. لذلك، يرى أن التركيز الذكي على «الجنيس المتقدم» هو الخيار الأكثر واقعية حاليًا.
أزمة فيروس سي: عندما يصبح الدواء قضية وطن
كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة ماش خلال أزمة فيروس سي في مصر، حيث ساهمت الشركة في إنتاج أحد البدائل المحلية للعلاج، في وقت كانت فيه البلاد تواجه واحدة من أخطر الأزمات الصحية. لم يكن الدور تجاريًا فقط، بل امتد إلى المشاركة في حملات الكشف والدعم بالمحافظات الأكثر احتياجًا، في تعاون وثيق مع الدولة.
الخوف من «النجاح الجاهز»
يعترف زياد هنداوي بصراحة أنه عاش صراعًا داخليًا حقيقيًا قبل الانضمام إلى شركة العائلة. كان يخشى أن يُنظر إليه باعتباره «ابن صاحب الشركة» لا ككفاءة مستقلة. هذا الخوف دفعه إلى العمل في وظائف بعيدة تمامًا عن المجال، حتى غسل الصحون في مطعم، فقط ليختبر معنى الاعتماد على النفس.
لكن التجربة قادته إلى قناعة مهمة: لا أحد ينجح وحده. الفرص تُصنع أحيانًا، وأحيانًا تُستثمر، والكفاءة الحقيقية تظهر في كيفية استغلال الفرصة لا في مصدرها.
من الإدارة النظرية إلى مدرسة الواقع
بعد عودته إلى مصر، خاض هنداوي تجربة ميدانية قاسية في التسويق والتوزيع، خاصة خلال جائحة كورونا، حين عمل على بيع المطهرات يدويًا للصيدليات في المناطق الشعبية. هناك تعلّم دروسًا لا تُدرّس في الجامعات: التفاوض، إدارة الثقة، فهم السوق، وضبط الانفعال.
هذه التجربة شكّلت أساس فلسفته الإدارية لاحقًا، القائمة على الاستماع أكثر من الكلام، والتحقق من المعلومة قبل اتخاذ القرار، وعدم الخلط بين الكرامة الشخصية ومنطق السوق.
القيادة بين اللين والحزم
يرى هنداوي أن القيادة ليست نمطًا واحدًا، بل موقفًا يتغير حسب الأشخاص والظروف. لا يؤمن بالديكتاتورية الإدارية، ولا بالديمقراطية المطلقة، بل بما يسميه «القيادة الموقفية». فبعض الموظفين يحتاج إلى دعم معنوي، وآخرون إلى حزم واضح، والأهم هو الصدق والانضباط السلوكي.
ويؤكد أن الأخطاء السلوكية – مثل الغش أو الإضرار المتعمد بالشركة – خط أحمر، لأن بقاء شخص غير أمين في موقعه يعني حرمان شخص أمين من الفرصة.
التصدير: طوق النجاة للصناعة المصرية
يعتبر هنداوي أن التصدير هو المستقبل الحقيقي لصناعة الدواء في مصر، خاصة في ظل أزمات العملة ونقص السيولة. وقد نجح خلال فترة قصيرة في مضاعفة صادرات الشركة عدة مرات، عبر إعادة ترتيب أولويات الإنتاج، وتوجيه الموارد نحو الأسواق الخارجية، لا سيما في إفريقيا والعراق.
لكنه يعترف بأن الطريق ليس سهلًا، فكل دولة لها معاييرها التنظيمية، وشهاداتها الخاصة، واستثماراتها المطلوبة، ما يستدعي تخطيطًا طويل الأمد.
الدين والعمل: علاقة لا تنفصل
يرفض هنداوي فكرة الفصل الكامل بين القيم الدينية والعمل، مؤكدًا أن الالتزام الأخلاقي، والعدل، والنية الصادقة، عناصر أساسية في أي نجاح حقيقي. ويرى أن التوفيق الإلهي لا يقل أهمية عن التخطيط والإدارة، وأن الدعاء أحيانًا يكون مفتاح الحل حين تُغلق كل الأبواب.
رسالة أخيرة للشباب
في ختام اللقاء، وجّه زياد هنداوي رسالة واضحة للشباب، خاصة أبناء العائلات ذات الأعمال القائمة:
«إذا كانت لديك فرصة في عمل عائلي، فلا ترفضها خوفًا من كلام الناس. العيب ليس في البداية، بل في ألا تترك بصمتك. كل جيل ينجح بطريقته، وكل شيخ وله طريق».
هكذا لم يكن الحوار مجرد حديث عن دواء أو إدارة، بل درسًا في الإنسان، والخوف، والاختيار، وكيف يمكن للفرصة الموروثة أن تتحول إلى إنجاز مستحق.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا زياد هنداوي

لا تعليق