يُخطئ كثيرون حين يظنون أن النجاح المهني يمكن أن يُبنى بمعزلٍ عن القيم، أو أن الأخلاق ليست سوى وسيلةٍ لزيادة الأرباح وكسب العملاء. وهي الفكرة التي شدّد عليها المهندس طاهر السعيد، مؤكدًا أن الفصل بين الأعمال والأخلاق فصلٌ تعسفيّ؛ لأن الإنسان لا يعيش بنصف عقل ونصف قلب، ولا يعمل بنصف دين ونصف مبدأ. فالقيم ليست شعارات تُعلّق على الجدران، بل تعريفٌ للذات قبل أن تكون تعريفًا للمؤسسة، وهي ما يضبط السلوك حين تغيب الرقابة وتشتدّ الإغراءات.
ومن هذا المنطلق، تتكرّر أزمةٌ واضحة لدى فئةٍ كبيرة من المهنيين، لا سيما بعض المهندسين، الذين يتعاملون مع الواقع بمنطقٍ تقنيّ صارم: صواب أو خطأ، أبيض أو أسود، في حين أن عالم الأعمال تحكمه سياقات إنسانية معقّدة وتقديرات مرنة، لا يدركها إلا من طوّر أدواته في التواصل، وإدارة النفس، وفهم العلاقات البشرية.
خطورة اختزال النجاح في المصلحة
تكمن المشكلة الأكبر في اختزال النجاح في “النتيجة” فقط، والنظر إلى الأخلاق باعتبارها وسيلة لا قيمة ذاتية لها. هذه النظرة تُنتج تنازلاتٍ لا تنتهي: غشّ، خداع، تبرير للخطأ بحجة السوق أو الظروف.
بينما الرؤية المنضبطة تقرر أن الأخلاق نتيجة لبناءٍ عقدي وفكري صحيح، وأن الرزق ليس ثمرة الخداع بل ثمرة السعي المشروع. فحين يوقن الإنسان أن الرزق بيد الله، تقلّ عنده دوافع التحايل، ويصبح النجاح عنده التزامًا قبل أن يكون مكسبًا.
وهم الحظ واكتشاف الذات
كثيرون يعلّقون فشلهم على “قلة الحظ”، بينما الحقيقة أن هناك أسبابًا واقعية: بيئة، علاقات، فرص، خبرات متراكمة. الفارق أن الإنسان الواعي يستثمر ما لديه بدلًا من الشكوى مما لا يملك.
ومن هنا تأتي أهمية اكتشاف الذات مبكرًا: ما الذي أُجيده؟ وما الذي لا أصلح له؟ فليس كل من يُجيد تقييم شيء يُجيد فعله. لكن المسار التعليمي التقليدي كثيرًا ما يحرم الشباب من التجربة، فيدخلون الحياة العملية دون معرفة حقيقية بأنفسهم.
السوشيال ميديا وتشويه مفهوم النجاح
في عصر السوشيال ميديا تغيّر تعريف النجاح عند كثيرين: صار مرتبطًا بالشهرة السريعة والنتائج الفورية، لا بالمسار الطويل والبناء المتدرّج. ومع هذا المحتوى المتراكم، ظهرت هشاشة نفسية وقصر نفس، وطموحات تريد حصاد سنوات في شهور.
والمشكلة أن هذه الصورة الزائفة تُقارن بواقع قاسٍ، فيشعر الإنسان بالإحباط لا لأنه فشل، بل لأنه لم يفهم طبيعة الطريق. فكلما زاد العلم الحقيقي، أدرك الإنسان كم يجهل، أما من يظن أنه يعرف كل شيء، فهو غالبًا لا يرى أخطاءه.
البدايات، التعلم، وبناء المشروع
تتجلى هذه المعاني في رحلة المهندس طاهر السعيد، الذي تنقّل في بداياته بين مجالات متعددة بعد التخرج، وهي مرحلة طبيعية في ظل غياب التوجيه آنذاك. لكن البدء في العمل الحر دون خبرة كافية كان مكلفًا، وأشبه بإعادة اختراع العجلة.
ومع الوقت، أدرك أهمية الجمع بين العمل والتعلم، فدرس الإدارة، وتوسّع في العلوم الإنسانية والدينية، ما منحه رؤية أعمق للأعمال. ثم جاءت تجربة تأسيس “كاد ماسترز” عام 2007، بكل ما فيها من أزمات وضغوط، أبرزها أزمة طويلة شكّلت نقطة نضج حقيقية وغيرت طريقة التفكير واتخاذ القرار.
التوازن، الجودة، ومعنى الاستمرار
يؤكد هذا المسار أن الاحتراق الوظيفي لا يُعالج بالراحة الجسدية وحدها، بل بإعادة المعنى للحياة، ووضع حدود واضحة بين العمل والراحة. فالوقت مورد لا يُعوّض، وضياعه أخطر من ضياع المال.
وفي النهاية، يرتبط نجاح أي مشروع برضا العملاء، لا بوصفه حيلة تسويقية، بل التزامًا أخلاقيًا طويل الأمد: صدق في الوعد، ضبط للتوقعات، واعتراف بالخطأ عند وقوعه.
فالقصة في جوهرها ليست قصة مشروع ناجح، بل قصة إنسان بنى نفسه أولًا، فاستقام له الطريق، وإن طال.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا طاهر سعيد

لا تعليق