في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات التقنية، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداةٍ إضافية أو رفاهيةٍ رقمية، بل صار قوةً تعيد تشكيل الحاضر وترسم ملامح المستقبل. وبينما تتزايد المخاوف من تأثيره على سوق العمل، تتضح حقيقةٌ جوهرية: المشكلة ليست في “بناء” الذكاء الاصطناعي بقدر ما هي في “تشغيله” واستدامته وتوظيفه بشكلٍ صحيح. ومن هنا جاءت هذه الحلقة لاستضافة المهندس أحمد أباضة، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “سينابس أناليتكس”، للحديث عن الفرص والتحديات، وكيف يمكن لروّاد الأعمال في عالمنا العربي الانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المشارك في الثورة القادمة.
الذكاء الاصطناعي: واقعٌ لا خيال علمي
يشير الحوار إلى أن نظرتنا العربية للذكاء الاصطناعي غالبًا ما تتأرجح بين الانبهار والقلق. بعضنا يراه “خيالًا علميًا”، وبعضنا يراه تهديدًا مباشرًا لوظائف البشر، وبينهما من يتعامل معه على أنه مجرد دردشة مع “شات بوت” أو وسيلة لكتابة محتوى. لكن الحقيقة، كما يؤكد المهندس أحمد أباضة، أن الذكاء الاصطناعي ليس موجةً عابرة؛ إنه قادمٌ وسيبقى، وسيغيّر قواعد اللعبة في كل صناعة تقريبًا.
ولهذا تظهر نصيحة محورية: مهما كانت وظيفتك، ستحتاج إلى فهم الذكاء الاصطناعي. ليس بالضرورة أن تصبح عالم بيانات أو باحثًا في النماذج الضخمة، لكن أن تعرف تطبيقاته في مجالك، وكيف تستفيد منه بدل أن تكون ضحيته.
لماذا “سينابس”؟ قصة اسمٍ يلخّص الفكرة
اسم الشركة لم يكن قرارًا مُخطّطًا طويلًا، بل جاء في لحظةٍ سريعة قبل لقاءٍ مهم. كانت الشركة على وشك مقابلة عميلٍ، ثم اكتشف الفريق أنهم لم يحددوا اسمًا بعد! وهنا ظهر اقتراح “سينابس”؛ وهي الوصلة العصبية بين الخلايا الدماغية، تلك التي تتيح انتقال الإشارات وبزوغ الفكرة كأنها “لمبة” تضيء فجأة. لم يكن الاسم اختيارًا طبيًا مقصودًا، لكنه عبّر ببساطة عن الفلسفة: ربط البيانات بالخوارزميات لتحويلها إلى قرارٍ ذكيّ.
رحلة المؤسس: من الأتمتة الصناعية إلى ريادة الذكاء الاصطناعي
تبدأ رحلة أحمد أباضة أكاديميًا من هندسة الإلكترونيات بالجامعة الألمانية في مصر، ثم عمليًا في مجال الأتمتة الصناعية، حيث كان يعمل داخل المصانع لتركيب الأنظمة التي تراقب العمليات الإنتاجية وتديرها. تلك التجربة لم تمنحه خبرة تقنية فقط، بل منحته خبرة بشرية: التعامل مع مهندسين وعمال ومديري مشاريع وبيئات ضغط مختلفة.
بعد ذلك انتقل إلى تجربة أخرى في التدريب والتنمية البشرية، حيث تعمّق في مهارات الإدارة والقيادة والإنتاجية. ثم جاءت مرحلة “أوراكل”، حيث تعرف على العالم المؤسسي الكبير، وتعلم الحوكمة المؤسسية، وكيف تُدار المبيعات على مستوى الشركات الضخمة، وكيف تُبنى العلامة التجارية بحيث تحدث 90% من “البيعة” قبل الاجتماع أصلًا.
لكنّ نقطة التحوّل الكبرى جاءت عندما قرر أن يعود إلى “الملعب” بدل أن يبقى ترسًا في آلة ضخمة. قرأ كتبًا ألهمته مثل “Abundance” و”Exponential Organizations”، ثم بدأ يتعلم علوم البيانات والتعلم الآلي، ليؤسس مع شريكه جلال وفريقه شركة “سينابس أناليتكس” أواخر 2017 وبدايات 2018.
الفكرة الجوهرية: أهم ما ينقصنا هو “التشغيل” لا “البناء”
من التجارب العملية في عشرات المشاريع، اكتشفت سينابس أن بناء نماذج الذكاء الاصطناعي ليس أصعب مرحلة دائمًا. التحدي الحقيقي يظهر بعد ذلك: التشغيل. فالذكاء الاصطناعي “برمجيات مكتوبة بالبيانات”، وإذا تغيّرت البيانات تغيّر أداء النموذج. قد يتغير شكل قاعدة البيانات، أو تتغير أنماط الاستخدام، فتظهر نتائج خاطئة أو منحرفة دون أن يشعر أحد. لذلك تحتاج المشاريع إلى مراقبة مستمرة للبيانات، وقياس الانحراف، وإعادة التدريب عند الحاجة.
ومن هنا اتجهت الشركة لبناء منصات تُسهّل التشغيل وتمنح المؤسسات مراقبة وتحكمًا واستدامة، بدل أن يبقى الذكاء الاصطناعي مشروعًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء فريق التنفيذ.
منتجات واقعية: من OCR إلى “كونان” وذكاء الكاميرات
على مستوى التطبيقات، تتحدث التجربة عن مشاريع عديدة: التنبؤ بحركة العملاء في الفروع، توصية المنتجات في الصيدليات لزيادة “سلة الشراء”، التنبؤ بالمبيعات، وبناء أنظمة OCR عربية وإنجليزية لاستخلاص البيانات من المستندات. ومن تلك الخبرة وُلد منتجٌ كامل يُستخدم في “اعرف عميلك” إلكترونيًا (eKYC)، بحيث تستخرج المنصة البيانات من صور البطاقات والمستندات البنكية وتتحقق منها وتُقيّمها.
ثم جاء منتج التشغيل الأهم: “كونان”، منصة لإدارة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي (MLOps)، تمنح المؤسسات أدوات مراقبة وقياس وتحكم لضمان أن النموذج لا “يخرب” مع تغير البيانات. وبعدها ظهر منتج ثالث “اسكا فيجن” الذي يحوّل كاميرات المراقبة من مجرد أداة أمنية إلى “بيانات” يمكن تحليلها: فهم حركة العملاء داخل متجر، المناطق الأكثر جذبًا، عدد الزوار، خصائصهم العامة… إلخ.
اختيار المضيق: لماذا التركيز على القطاع المالي؟
في مرحلة لاحقة، أدركت الشركة أنها تعمل في صناعات كثيرة، لكن المنافسة مع عمالقة العالم في كل الاتجاهات ليست طريقًا عمليًا لشركة ناشئة. فاختارت ما يشبه “المضيق” الذي تضع فيه المنافسة: القطاع المالي والائتمان وتقييم المخاطر. السبب بسيط: هذه المؤسسات تمتلك “جاهزية” أعلى لتبنّي الذكاء الاصطناعي، وحاجتها للتقييم السريع والدقيق كبيرة، كما أن الأثر المالي واضح وقابل للقياس.
الفكرة هنا ليست “استبدال البشر”، بل رقمنة السياسة الائتمانية وتمكين فريق صغير من إنجاز عمل فريق أكبر، أو رفع القدرة من قبول 3000 طلب إلى 30000 طلب دون تضاعف الموارد البشرية.
الوظائف: هل الذكاء الاصطناعي سيأكل السوق؟
يقدّم الحوار رؤية متوازنة: نعم، سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى اختفاء بعض الوظائف كما حدث مع أدوات كثيرة سابقًا، لكنّه سيخلق وظائف جديدة أيضًا. ومع ذلك، يبقى معيار “النجاة” المهني واضحًا: من يعرف استخدام الذكاء الاصطناعي ستكون له أسبقية.
ويُضرب مثالٌ قريب: المحاسب الذي لا يستخدم إكسل اليوم أصبح خارج المنافسة. والقياس نفسه سيحدث على نطاق أوسع مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
القوة الناعمة: إدارة الخلاف دون تدمير الثقة
واحدة من أعمق نقاط الحوار ليست تقنية بل إنسانية: إدارة الخلاف داخل الشركات. يؤكد أحمد أباضة أن الجدال والخلاف جزء طبيعي من الحياة والعمل، وأن المشكلة في ثقافتنا أحيانًا أننا ننقل الخلاف إلى مستوى شخصي أو نهرب منه خوفًا على “الكرامة”. بينما الأصح هو تحويل طاقة الخلاف لصالح الفريق، بشرط وجود عنصر أساسي: الثقة.
ويستشهد بفكرة أن الفريق الناجح لا يخاف من النقاشات الصعبة، لأن هدفه ليس “إنهاء الخلاف” بل “حلّه”. ومن هنا يظهر الفرق بين أن تتفقوا تمامًا وبين أن تصلوا إلى “توافق عملي” يمضي بالشركة للأمام حتى لو لم يقتنع الجميع بنسبة 100%.
المرونة وعدم التجمد: صفتان للفائزين
من أبرز ما يخشاه الضيف هو “التجمد الفكري”: أن يظن القائد أنه نجح لأن طريقته هي الوحيدة الصحيحة، فيرفض الاستماع أو التطور. النجاح قد يأتي لأسباب كثيرة، وليس دليلًا على أن الأسلوب صالح لكل زمان. لذلك يكرر الضيف أن أهم الصفات في القيادات ليست ادّعاء المعرفة، بل المرونة والقدرة على إيجاد حلول والاستفادة من فريقٍ أقوى منك.
خلاصة الرسالة: تعلّم التطبيق… لا تكتفِ بالمشاهدة
الذكاء الاصطناعي يعيد تشغيل العالم من نقطة الصفر، وهذه فرصة نادرة لمن يريد بناء تطبيقات وحلول حقيقية في بيئته. قد يكون بناء “بنية تحتية” عملاقة للذكاء الاصطناعي صعبًا دون دعم حكومي أو تمويل ضخم، لكن بناء تطبيقات تحل مشكلات حقيقية هو مجال مفتوح على مصراعيه، خصوصًا في منطقتنا التي تعيش تحديات كثيرة… وكل تحدٍّ يحمل فرصة.
والدرس الأكبر الذي يخرج به المستمع: لا يكفي أن نراقب ما يفعله الآخرون ثم نستهلكه. المطلوب أن نسأل: ما التطبيق الذي يمكن أن يغيّر صناعتنا؟ وكيف نستخدم الذكاء الاصطناعي بوعيٍ وثقةٍ ومهارة؟
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد أباظة

لا تعليق