في لحظة صريحة تشبه الاعتراف، يروي المهندس أحمد محفوظ كيف تلقّى “أول شلوط” في حياته المهنية عندما قرّر أن يخرج من عباءة العائلة ويختبر الطريق بنفسه. لم تكن القصة مجرد انتقال من بلد إلى آخر، ولا مجرد حماس شاب يطارد حلمًا لامعًا؛ بل كانت سلسلة من الصدمات المتتابعة التي صنعت منه عقلًا يرى التكنولوجيا كأداة لخدمة الناس، لا كترفٍ محصور على القادرين فقط.
بين “جلباب الأب” وصدمة الواقع
نشأ أحمد محفوظ في أسرة مستقرة نسبيًا، وفي بيئة تسمح بقدر من الدعم والطمأنينة. ومع ذلك، كان لديه دافع داخلي قوي ليصنع ذاته بعيدًا عن كل ما هو جاهز. يصف نفسه بأنه “الطالب المشاغب الشاطر”؛ الذي يصعب الإمساك عليه بخطأ، لكنه دائمًا يبحث عن التجربة. تخرّج في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا (هندسة إلكترونيات)، ثم اتخذ القرار الأصعب: السفر والعمل في الخارج لاكتساب الخبرة الحقيقية.
وهناك جاءت الصدمة الأولى. فالحياة دون شبكة دعم عائلية تختلف تمامًا: لا “مكافأة” جاهزة عند النجاح، ولا يد تُمسكك عند التعثر. ومع ذلك، لم يتراجع. اجتهد، تدرب في أكثر من مكان، ثم وصل إلى محطة كبيرة عمل فيها كـ محلل أمن سيبراني داخل منظومة الأمم المتحدة. لكنه بعد فترة وجد نفسه أمام سؤال وجودي ثقيل: “أين بصمتي؟ وما الذي سأتركه بعدي؟”.
شغف الإلكترونيات… والاختراع من لا شيء
لم يكن حب الإلكترونيات طارئًا؛ فالرجل يذكر أنه منذ طفولته كان يفكك الأشياء ويعيد تركيبها. وحين بدأ يفكر في الاختراع خارج بلده، اصطدم بمشكلة الإمكانيات. هنا ظهرت فلسفته: ليست المشكلة فيما تملك، بل فيما تفعل بما تملك. لذلك، بدل أن ينتظر “المعمل” أو “التمويل”، استخدم ما حوله من موارد بسيطة، حتى لو كانت أثاث البيت نفسه. ومع الوقت، بدأ يقترب من فكرة محورية: تكنولوجيا شاشات ثلاثية الأبعاد تُظهر المجسمات بشكل حقيقي ومن زوايا مختلفة.
لكن حتى مع نجاح الفكرة، كان أمامه عائق قانوني في أوروبا: تأسيس شركة هناك يتطلب شريكًا أجنبيًا بنسبة كبيرة. وبما أنه كان يريد مشروعًا مصريًا خالصًا، قرّر العودة إلى مصر… ليصطدم بـ“شلوط” جديد من نوع مختلف: صراعات الشركاء، اختلاف الأهداف، والخلط بين الحلم والربح السريع.
“أم كلثوم” تعود… وبداية الانطلاق الحقيقي
الفرصة التي غيّرت كل شيء جاءت بشكل غير متوقع: افتتاح قناة فضائية أراد القائمون عليها أن يكون حدثًا عالميًا، بفكرة جريئة: ظهور أم كلثوم على المسرح لتغني عبر “الهولوجرام”. كانت المشكلة أن مثل هذا العمل يحتاج ستة أشهر، بينما الموعد المتاح شهر واحد فقط.
كان التحدي مصيريًا: إما أن يتم التنفيذ أو تضيع الفرصة. اختار أن يخوض المغامرة، واعتمد على شراكات متعددة بسبب ضيق الوقت. والنتيجة كانت تاريخية: أول هولوجرام بهذا الحجم في المنطقة. ثم توسعت التجارب لتشمل تعاونات في الخليج، ومشروعات فنية كبيرة، وشراكات مع جهات ثقافية وإعلامية.
كورونا… وإعادة تعريف معنى التكنولوجيا
ثم جاءت جائحة كورونا، فأُغلقت المسارح وتوقف سوق الحفلات. هنا ظهر التحول الأهم: أدرك أحمد محفوظ أن “الهولوجرام” بالشكل السائد صار رفاهية: خدمة باهظة لمن يملك تذكرة بألف أو ألفي دولار، بينما جوهر التكنولوجيا هو أن تنتشر وتصبح في متناول الجميع.
من هنا بدأ هدف جديد: تصنيع جهاز “جاهز على الرف” مثل التلفزيون، يشتريه المستخدم ويشغله دون أن يكون خبيرًا. جهازٌ يمكن تركيبه بسهولة، ويعرض محتوى ثلاثي الأبعاد مجسمًا بشكل حقيقي. لم يكن الطريق سهلًا، لكن الفريق عمل كأنه في حرب: ساعات طويلة، ضغط مستمر، حتى خرج المنتج إلى مستوى “جاهز للسوق”.
نجاح كبير… ثم شعور مفاجئ بالفشل
رغم الفخر بالإنجاز، شعر أحمد محفوظ بصدمة جديدة: ماذا لو كان هذا الاختراع مجرد “هدية مجانية” تُشترى ثم تُفكّ هندستها وتُصنع بكميات هائلة في أماكن أخرى؟ عندها أدرك أن الجهاز وحده “جسد بلا روح”، وأن القيمة الحقيقية ليست في الحديد والزجاج فقط، بل في “الروح” التي تسكن داخله: الذكاء الاصطناعي.
من الهولوجرام إلى البشر الرقميين
بدأت الرؤية تتضح: لماذا لا يتم إنشاء “بشر رقميين” داخل الجهاز؟ شخصيات ثلاثية الأبعاد تتفاعل مع المستخدم وتتكلم معه مثل التفاعل الإنساني الحقيقي. الهدف ليس إبهارًا بصريًا فقط، بل كسر الحاجز بين الإنسان والشاشة. فالمكالمات عبر الفيديو لا تمنحك نفس العمق الذي تمنحه مواجهة مباشرة، أما وجود شخصية “حقيقية” أمامك فتخلق نوعًا جديدًا من التواصل.
ولأن التجربة لا تكتمل بالشكل وحده، تم العمل على عناصر أخرى: الصوت، الانفعالات، تعبيرات الوجه، الحركة، وحتى “الشخصية” نفسها. يصف أحمد محفوظ الرحلة بأنها انتقال تدريجي من نموذج أولي بسيط إلى نظام أكثر واقعية بفضل تقنيات متقدمة وشراكات استراتيجية مع شركات عالمية، مع تسجيل ساعات طويلة من الحركات التفاعلية للاقتراب من السلوك البشري.
شارك تانك… لماذا ذهب؟ وماذا ربح؟
حين سُئل عن سبب ظهوره في “شارك تانك”، قدّم أحمد محفوظ إجابة مختلفة: لم يكن الهدف المال. بل أراد إيصال رسالة: الاستثمار ليس “فلوس فقط”، بل خبرة وشراكة وحكمة. ولهذا قال عبارته الصادمة في البرنامج: “جايين لقوتكم أنتم مش لفلوسكم”. العرض كان رمزيًا: عشرة آلاف جنيه مقابل 10%، وكأن القيمة الحقيقية ليست في الرقم، بل في الاقتراب من خبرات المستثمرين.
والأهم أنه يرى النجاح الحقيقي فيما حدث بعد الحلقة: انتشار الاسم، وصول فرص تعاون واستثمار من أماكن متعددة، والأهم من ذلك كلمات الدعم من عربٍ شعروا بالفخر لأن واحدًا “من أولادهم” يتكلم بهذه الثقة عن ابتكار عربي قادر على المنافسة.
بين أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وخطر الاستخدام
في عمق الحديث يظهر قلق واضح: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أعظم ما صنعته البشرية، ويمكن أن يتحول إلى أخطر ما واجهته. المشكلة ليست في الأداة، بل في الاستخدام، وفي غياب الحوكمة الأخلاقية التي تمنع الانزلاق إلى مسارات مثل التضليل، أو التلاعب، أو توظيف التقنية في مجالات غير إنسانية.
وفي النهاية، يطرح أحمد محفوظ سؤالًا أشبه بإنذار: نحن في سباق عالمي، وموجة الذكاء الاصطناعي تتقدم بسرعة أكبر من قدرتنا على الفهم. فإما أن نكون جزءًا من صناعة المستقبل، أو نظل في دور المستهلك الذي يصفق للثورة بينما تفوته.
خاتمة: بصمة لا تُقاس بالمال
قصة أحمد محفوظ ليست قصة “مؤسس” يبحث عن شهرة، ولا “شركة” تسعى لبيع منتج. إنها قصة عقلٍ قرر أن يطارد معنى أوسع: أن تُصنَع التكنولوجيا في منطقتنا، وأن تكون نافعة، وأن تُدار بأخلاق، وأن تترك أثرًا يبقى.
فالبصمة التي يريدها—كما يقول—ليست شركة بمليارات، ولا لقبًا لامعًا، بل إرثٌ يغيّر طريقة تفاعل الناس مع التكنولوجيا… ويجعل العالم يقول: نعم، كان هنا شخص محترم… وترك شيئًا يستحق أن يُذكر.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد محفوظ

لا تعليق