من داخل عش الدبابير | كنت أعمل في القروض وتدمرت | ضحايا القروض يروون قصصهم وموظفون يعترفون بالحقيقة

من داخل عش الدبابير | كنت أعمل في القروض وتدمرت | ضحايا القروض يروون قصصهم وموظفون يعترفون بالحقيقة


بعد الحلقة السابقة التي تناولنا فيها أزمة القروض، وصل إلينا مئات الرسائل ليس فقط من أشخاص عانوا من ويلات القروض والفوائد المركبة وبلطجة مكاتب التحصيل، بل أيضاً من أشخاص يعملون داخل هذه الشركات والبنوك. هؤلاء كشفوا لنا عن حجم من المآسي والكوارث التي لا يسمع عنها أغلب الناس، بل لا يتخيلونها. لذا قررنا تقديم حلقة ثانية نغطي فيها جوانب لم نتناولها من قبل، لنرى عمق الفجوة التي نواجهها في أزمة القروض التي يعاني منها المجتمع.

استضفنا في هذا الجزء عدة نماذج؛ أولهم شخص عمل داخل شركات التمويل متناهي الصغر، ثم سيدة دمرت القروض حياتها وأسرتها، ثم شاب وصل به الحال إلى محاولة الانتحار، ثم ضحايا للاحتيال الإلكتروني، ثم أشخاص خاضوا شراكات ربوية ظنوا أنها شراكات تجارية، وأخيراً من اقترض من أجل القمار الإلكتروني.

شاهد على الجريمة، من داخل شركات التمويل، عندما يصبح الموظف جلاداً

استضفنا الأستاذ عبد الرحمن الذي عمل في أربع شركات تمويل متناهي الصغر. بدأ حديثه قائلاً: “شركات التمويل هذه بحر كبير جداً. هناك شركات كثيرة مسيطرة على السوق، لا يستطيع أحد التحدث عنها لأنه لو تكلمت ستُجلب من وراء الشمس حرفياً”.

يكشف عبد الرحمن عن الممارسات التي شهدها: “كنا نصدر قروضاً وننزل للتحصيل، وكنا نشهد مهازل قد لا يتوقعها العقل البشري. أبسط مثال: كنا نكسر باب شقة وندخل ونأخذ شيئاً ونمشي، وكأن هذا أمر طبيعي. أنت تهدد السيدة بأنك ستشتكيها بسبب شيكات، فتضعها تحت ضغط. والفضيحة التي تحدث لها أمام بيتها هي جزء من الأسلوب”.

البلطجة بأمر الإدارة

يصف عبد الرحمن واقع التحصيل: “تكون جالساً أنت وزوجتك في بيتك، فتجد خمسة أو ستة أشخاص واقفين تحت البيت. كلمة ‘بلطجة’ قليلة عليهم. أنا كنت واحداً منهم، وكل ما كنا نفعله كان تحت بند ‘نحن نحاول جلب القسط'”.

وعن دور الإدارة، يؤكد: “هذه الممارسات كانت تتم بعلم المسؤولين في الشركات، بل بالعكس. أنت بالنسبة لهم رقم فقط. يريدون رقماً على الشاشة لكي لا يوبخهم من هو أعلى منهم. أنا أريد سداداً أو إنتاجية، غصب عنك إجبارياً. هناك مبالغ كبيرة تُضخ في هذا المجال، والموظف قد يصل راتبه إلى 30 ألف جنيه، لكن الأساسي 4 آلاف، والباقي حوافز من القروض التي يجلبها أو يحصلها”.

اللعبة الكاملة: من إقراض إلى تحصيل

يوضح عبد الرحمن كيف يعمل النظام: “أنت مسؤول عن السداد والإنتاجية، لك هدف معين – 150 ألفاً على خمسة ملفات، أو 200 ألف على ستة ملفات. وعلى حسب منصبك، الحد الأقصى للعائد الثابت 7 أو 8 آلاف جنيه، والباقي كله حوافز. والسلم الإداري بأكمله – أنت ومديرك ومدير مديرك – كلهم بلا استثناء يأخذون نسباً على إغلاق الزبون”.

وعن بداية دخوله المجال، يسأل المذيع: “ألم تشعر أن هناك شيئاً خاطئاً؟ أنت تمنح قروضاً لأناس قد لا يستحقونها أو لا يملكون القدرة على السداد؟” فيجيب عبد الرحمن: “بالعكس، كنت أرى أنني أساعد الناس! كنت أضرب لهم مشروعاً وهمياً، وأجري معاينة وهمية، ثم أعطيهم المبلغ. هناك من يأخذون بدون سجل ولا بطاقة، حتى 100 ألف جنيه”.

تزوير الأوراق بحق الضعفاء

يعترف عبد الرحمن بتزويره عقود إيجار وهمية: “كنت أضرب عقد إيجار من ورق، وأعطي قروضاً لأصدقائي. وبالطبع، أغلبهم تعثروا. كنت أضع قسطاً من جيبي الخاص، لأن راتبي كان كبيراً – 30 ألفاً أو 25 ألفاً. ليست مشكلة مبلغ، لكن المشكلة أن الصداقة كانت تفسد حرفياً”.

وعن حالة مؤثرة يتذكرها، يروي: “في 2021، في إحدى الشركات الكبرى، كان هناك رجل يملك مصنعين للملابس، وكان معه سيارة وعيشة مريحة. أخذ القرض كرفاهية. فجأة، اشتعلت النار في المصنعين. ثم جاء أخوه لتفقد الأمر، وفي الطريق انقلبت به السيارة وتوفي في نفس اليوم. الرجل جلس على كرسي متحرك من شدة الصدمة. ونزلنا نحن للتحصيل!”.

الكلمة التي كسرت الرجال

يكمل عبد الرحمن: “الجملة التي كسرتنا ونحن واقفون حرفياً كرجال، كانت حين قال لنا هذا الرجل: ‘اصبروا علي، أخرج لأتشحذ’. كان قد أخذ 40 ألفاً أو 50 ألفاً أو 100 ألف، والآن أصبح على كرسي متحرك. كل القروض بلا استثناء تأتي بخراب. لا يوجد عميل لا يتأثر. من لم يتعثر اليوم سيتعثر غداً، لأنه لا أحد يعلم ماذا يخبئ له الغد”.

يسأله المذيع: “نفسياً، عندما تنزل إلى سيدة أخذت قرضاً لتجهيز ابنتها، وأنت تعلم أنها لا تستطيع السداد، بماذا تشعر؟” فيجيب: “أنت تريد فقط جلب القسط. ‘تصرفي، اضطري، اشتكي، افعلي ما بدلك’. وكثيراً ما كنت أضطر لأن آخذ شيئاً من الشقة، أو أفضحها في الشارع لكي يحلها أحد. أنت لا تنزل وحدك، وحتى لو نزلت وحدك، أنت عاجز. لا بد أن تأتي بالأس. وإذا لم أفعل أنا، فسيأتي غيري ويفعل”.

الاعتراف بالخطأ

يسأل المذيع: “عندما كنتم تنزلون خمسة أو ستة أشخاص، ألم تتحدثوا فيما بينكم أن ما تفعلونه ليس صحيحاً؟” يجيب عبد الرحمن: “أنا دخلت المجال لأسباب مختلفة. لكن عندما تلمس الأرض وترى أننا لا نساعد الناس بل نخنقهم ونشنقهم، تحدث يقظة ضمير. كنا نشبه أنفسنا بملك الموت، إذا رآك عند البيت، فأنت ملك الموت بالنسبة له. لا للقروض، ولا للتقسيط، ولا للسلف. الذي يأخذ قرضاً ليجهز بنته، أو ليدخل ابنه الجامعة، أو قرض تأخذه الزوجة من وراء زوجها – هذه النقطة نراها كثيراً جداً. ثلثا العملاء بلا استثناء، زوجاتهم أخذت قروضاً ولم تخبرهم”.

أسلوب استغلال نقاط الضعف

يكشف عبد الرحمن عن الاستراتيجية القذرة: “نحن لا ندرس قوتك، بل ندرس ضعفك. هذا هو ما نلعب عليه. وعندما لا نستطيع تحصيل منك، نذهب إلى الضامن. نرهبه بيته، أو بمكالمة هاتفية. لكن لا توجد أي شركة تمويل تستطيع أن تشتكي عميلاً قبل 90 يوماً من التعثر. وغير ذلك، شركات التمويل كلها بلا استثناء تخصم أول قسط. فإذا أردت أن تأخذ 30 ألفاً على سنتين بقسط 2200، فأنت لا تأخذ 30 ألفاً بل 27 ألفاً و800، وهذا غير المصاريف الإدارية”.

وعن حجم القروض، يقول: “الغالبية العظمى تحت المليون، في حدود 100 و200 ألف. يأتي من يريد 10 آلاف ليجز بنته، أو 20 ألفاً ليجري عملية. ظاهرياً، هذه الشركات تركز على من لديه مشروع يريد تطويره، لكن في الحقيقة هذا لا يحدث. إنه تمويل استهلاكي بحت. أنا أريد غسالة، ثلاجة، أريد تجهيز بنتي”.

لحظة الاستقالة

عن أكثر لحظة شعر فيها بضرورة ترك المجال، يروي: “في شهر 25، كنت نازلاً إلى منطقة أعرفها جيداً. كان هناك رجل أخذ 50 ألفاً، اكتشفت بالصدفة أن لديه مشكلة في رجله اليمنى. في المرة الثالثة التي مررت عليه، وجدت رجله مبتورة. نظرت إليه وقلت: ‘من أين ستسد؟’ كان هذا أول سؤال سألته لنفسي. ابنه في الجيش، الضامن ليس موجوداً. ماذا سأفعل؟ انتظرت حتى شهر 10 ثم استقلت”.

ويوجه رسالة: “بلاش قروض، بلاش تقسيط، بلاش سلف. القروض تجلب الخراب، وإن لم يكن اليوم فغداً. الخراب ليس بالضرورة أن يحترق البيت، بل يكفي الضغط النفسي، ويكفي أنها مذكورة في القرآن كحرب مع الله ورسوله”.

من نجاح إلى تشرد – عندما دمرت القروض أسرة، كفاح امرأة فقدت كل شيء

استضفنا الأستاذة غالية، التي كانت تمتلك سنتراً تعليمياً ناجحاً وآلاف الطلاب. تروي: “بدأت الحكاية عندما اشتريت سيارة بثمن مليون و200 ألف جنيه بالتقسيط. كانت هذه رابع سيارة تقريباً، لكنها الأولى بالتقسيط. في ذلك الوقت، كان العمل معي جيداً جداً”.

وتضيف: “جاءت سنة 2023، وفجأة حصل دروب في العمل. بدأت الأعداد تقل، ثم جاء الامتحان مبكراً. أصبحت مطالبة كل شهر بدفع 22 ألفاً، وفي شهر 75 ألفاً. هذا غير مصاريف المدارس الخاصة للأولاد، وغير مصاريفي الشخصية. كنت في الصيف أحتاج 200 ألف جنيه”.

السماسرة والبداية

توضح غالية: “ناس ولاد حلال أشاروا عليّ بأن آخذ قرضاً. ذهبت لأخذ قرض، وهناك سماسرة يسهلون الأمور ويأخذون نسباً 10% أو 20% من المبلغ. أخذت قرضاً، لكن المبلغ لم يكن كبيراً، دفع قسط سيارة واحد فقط. في الشهر التالي، قالوا لي: ‘طالما أن الائتمان الخاص بك لا يزال جيداً، يمكنك أخذ قرض ثانٍ’. وفعلت”.

وتتابع: “أصبح لدي قرضان وقسط سيارة. كان معي ذهب كثير جداً – أكثر من مليونين – بعته كله. ثم بعت كل شيء في بيتي. كنت موضبة بيتي بأحسن حاجة، بعت العفش كله. بدأت دوامة القروض، وتفكيرك يبتعد عن الشغل. لم أعد مركزة في حياتي العملية، أصبحت أفكر فقط كيف سأسدد”.

التهديد والإذلال

تصف غالية معاناتها مع شركات التحصيل والتطبيقات: “التطبيقات مجرمون حرفياً. مرة اتصلت بي موظفة من أحد التطبيقات وقالت لي: ‘إنت دائرة على حل شعرك ومالكيش حاكم’. ووالدي كان جالساً بجواري، أخذ التليفون منها وقال لها: ‘عيب اللي بتقوليه ده’. كانوا يدخلوا عليّ بالرسائل يقولوا: ‘يلا يا نصابة، يلا يا كدابة’ ويشتموا أقذر الشتائم”.

وتضيف: “واحد من شؤونهم القانونية لما اتصل بيّ وقابلني عشان يجدول القروض، قال لي: ‘أنا مش مصدق الكلام اللي كان يتقال لك’. قلت له: ‘تعرف أن الزميلة التي كانت تشتمك هي زميلتي؟’ قال لي: ‘سامحيني’. الرجل أراد أن يقول لي: ‘أنا مش عارف أعمل إيه عشان أرد لك اعتبارك'”.

القرض بفائدة 250%

تصل غالية إلى نقطة مروعة: “دلوني على رجل أعطاني 100 ألف، وأرده 250 ألفاً. قلت له طبعاً لا، لكنه ألحّ. أخذت منه الـ100 ألف ورددتها 250 ألفاً، وعندي شيكات تثبت ذلك. طلبت منه جزءاً ثانياً، أعطاني إياه، ثم بدأ يهددني بالشيكات. ثم رفع عليّ قضية، وحكم عليّ غيابياً بسنتين. ذهبت إلى النيابة ودفعت كفالة 3000 جنيه، عملت معارضات على الشيكات، ووجدته يشتكني بشيك رابع، وخامس. استمر هذا خمسة أيام متتالية”.

القبض والفاجعة

تصف غالية لحظة القبض عليها: “كنت في بيت والدي في رمضان. جاءت ستة رجال طوال عريضين داخلين عليّ. قالوا لي: ‘غيري هدومك قدامنا’. قلت: ‘كيف أغير قدامكم؟’ قالوا لي: ‘أنا مش هطلع بره، مش هتقفلي الباب، وأنا واقف وإنت هتقلعي وتغيري قدامي’. قلت له: ‘مش نازلة ومش هتغير قدامك’ ورحت جلست على الكنبة. قال لي: ‘هشيلك زي ما إنت'”. وبعد محاولات، رضوا أن يديروا ظهورهم ويتركوا الباب مفتوحاً.

وتختم بالقول: “أنا اللي بنيت البيت، وأنا اللي كنت بصرف على الولاد، وأنا اللي معلماهم، وأنا اللي مكبراهم. وهو – زوجي – أخذهم على الجائزة. قال لي: ‘هتمشي’. طلعت حرفياً بالهدوم اللي عليّ، وضع هدومي في أكياس زبالة. طلعت من بيته بالهدوم اللي عليّ فقط”.

محاولة الانتحار – عندما يصبح القرض مسألة حياة أو موت، 25 قرصاً أنهت كل شيء

استضفنا الأستاذ عمرو الذي وصل به الحال إلى محاولة إنهاء حياته. يروي: “بداية القروض كانت في 2019، أول قرض في حياتي. جبت بيه عربية عشان أشتغل عليها أوبر. حصل أن والدي تعب، وكنت على وشك ولادة زوجتي، فبعتها”.

يتابع: “دخلت في دوامة: قرض يفتح قرضاً، قرض يسدد قرضاً. افتتحت فيزا مشتريات، كنت أظن أني سأشتري وأسد في 54 يوماً بدون فوائد. لكن كلما زاد الليمت، طمعنا أكثر. وصل بي الأمر أني أخذت قرضاً وسافرت به إلى الإمارات لزيارة، ظناً أني سأجد شغلاً. لم أجد، وصرفت كل المصاريف. ثم جاء كورونا، وزوجتي اضطرت تفتح فيزا مشتريات لتصرف على البيت”.

الانهيار الكامل

يصف عمرو كيف وصل إلى النهاية: “بقت طول اليوم مكالمات من الناس، تهديدات من بنك، تهديدات من تطبيقات، تهديدات من علاقات شخصية. كان الأسلوب سيئاً جداً، كله تهديدات: ‘هنيجي وهنعمل وهنسوي وهنفضح’. وجاءوا عند البيت فعلاً وعملوا فضايح. حتى زوجتي في شغلها، اتصلوا أولاً ثم راحوا جريوا عند شغلها”.

وفي يوم من الأيام، اتخذ القرار: “أخذت 25 قرصاً. هذه الأقراص في المجال الطبي للربو، لكنها تفتح الصدر عند الرياضيين لتزيد المجهود. قرص واحد يرفع الأدرينالين في الجسم. أنا أخذت 25 قرصاً. قفلت باب الأوضة عليّ، وقلت: ‘خلاص’. ولكن صديقاً اتصل بيّ وقال: ‘أنا عايزك تنزل ضروري’، وكان لا يعرف شيئاً. نزلت، وغُلي عليّ في الشارع، ونقلوني إلى مستشفى السموم”.

الرسالة التي أنقذته

يسأل المذيع: “هل رأيت أن اتصال صديقك في ذلك الوقت كان رسالة من الله أن أمرك لم ينته بعد؟” فيجيب عمرو: “هذا حقيقي. ربنا هو الذي أنقذني مما أنا فيه، وسخر لي من وقف معاي بعد ذلك. قلت: ‘ربنا هو اللي أنقذني'”.

ويضيف: “الديون الآن حوالي 240 ألف جنيه أنا وزوجتي. وحصل انفصال بسبب هذه الديون كلها. أنا وصلت لمرحلة مش عارف أدفع إيجار، ولا أصرف على الولاد، زائد ضغوط من أهل زوجتي. أتمنى أن أقف على رجليّ مرة أخرى، وأنتبه لشغلي. العائق الأساسي: القروض. قفلت هذا الباب ولن أعود إليه أبداً. حرمته على نفسي”.

النصب الإلكتروني – عندما يتحول الحلم إلى كابوس، من 600 جنيه إلى 600 ألف دين

يبدأ الأستاذ هيثم قصته: “البداية كانت بكارت بسيط من البنك الذي آخذ منه مرتبي. ثم رأيت إعلاناً على فيسبوك: ‘امكسب ربحاً يومياً يصل إلى 5000 أو 10000 جنيه وأنت قاعد في البيت’. دخلت الإعلان، فوجدته يقول أننا نشتري حاجات من مواقع ليس شراءً حقيقياً، بل ندفع قيمتها لنرفع أعداد الشراء عليها. صاحب الموقع يعمل تمويلاً بدلاً من الإعلانات”.

يكشف هيثم عن تفاصيل الاحتيال: “أول يوم، ثلاث مهمات: الأولى 200 جنيه، الثانية 300، الثالثة 100. دفعت إجمالاً 600، وأخذت 2000. اليوم الثاني دفعت 3000 وأخذت 6000. اليوم الثالث دفعت 10 آلاف وأخذت 25 ألفاً. أنا الآن مقتنع تماماً، النصاب يضحك على الطماع”.

ثم جاء اليوم الرابع: “طلب مني أول مهمة 20 ألفاً. دفعت. طلب مني ثاني مهمة 100 ألف. اتصلت بصديق لي وقلت له قصة وهمية عن عربية. أرسل لي الـ100 ألف. ثم قال لي: ‘لازم تبعث 30 ألفاً أخرى’، وأرسلتها. ثم قال لي: ‘لازم 200 ألف’، فأرسلها صديقي أيضاً. أرسلت 615 ألفاً. بعدها أردت السحب، فطلب مني أن أرسل حسابي البنكياً، ثم سحب 3000 ثم 11 ألفاً، ثم توقف الإيميل عن العمل. قال لي: ‘لازم ترسل نفس المبلغ الذي وضعته (615 ألفاً) لكي تسحب المبلغ كله، هذا نظام بنكي عالمي'”.

من 600 إلى 600 ألف دين

يضيف هيثم: “أنا راتبي 8000 جنيه. أصبحت مديناً لصديقي هذا بـ300 ألف أو 360 ألفاً. رحت في داهية. حاولت أخذ قرض ثانٍ، فشلت. زميلان عرضا أن يأخذا قرضين وأنا أسددهما. تمت كل الإجراءات، ولكن مدير البنك نفسه قال: ‘أنا أطلع كروتاً بملايين، ولكن لا أستطيع إخراج كروت لكما!’ شعرت أن هذه إشارة من ربنا: ‘كفاية عليك كده'”.

ويلفت هيثم إلى ظاهرة خطيرة: “إعلانات على فيسبوك تقول: ‘خد قرض 5000 جنيه وسدده 5500’. تدخل على الماسنجر، ثم يرسلونك إلى مكتب فوري. يقولون لك: ‘أذهب إلى أي مكتب فوري، وقل لهم الكود 78.8، وسيكون لك 5000 جنيه تأخذهم’. لكن في الحقيقة، أنت من تدفع 5000 وليس العكس. أنا حذرت صاحب المكتب، وقال لي: ‘خلي بالك، ناس كتير وقعت في الفخ'”.

ويختم هيثم بنصيحة: “مافيش حاجة اسمها تبعث 200 جنيه أو 1000 جنيه وتاخد 5000 جنيه وأنت قاعد في بيتك. البورصة نفسها التي هي أعلى استثمار في العالم لا تكسب هكذا. البيتكوين نفسه لا يكسب هكذا. الجنيه لو لم تتعب فيه لن تجده”.

المطبخ الخلفي لشركات التمويل، رحلة خمس سنوات في صناعة الدمار

استضفنا الأستاذ أحمد، الذي عمل في شركة تمويل وتميز فيها لدرجة أن الجميع كان متمسكاً به وتأتيه عروض من بنوك أخرى. لكنه اكتشف أن ما يحدث لا يتناسب مع أخلاقياته، فترك المجال بعد خمس سنوات.

يبدأ أحمد قصته: “المعادلة كانت: ‘هتجيب 15 عميلاً بـ200 ألف، هتقبض عليهم كذا’. ثم زادت المعادلة إلى 25، ثم 60 و70 عميلاً في الشهر. كنت أجلب العملاء من خلال السمعة الحسنة، كنت محبوباً في الشارع، وكنت أقف مع ناس كثيرة، حتى أنني كنت أدفع أقساطاً من جيبي الخاص للعملاء المتعثرين. بعضهم إلى الآن لم يردوا الفلوس، وأنا أعلم ظروفهم ولا أستطيع مطالبتهم”.

عندما يدفع الموظف من جيبه

يضيف: “في نهاية الشهر، كان عندي عملاء لا يدفعون أقساطهم. إذا لم يدفعوا، فأنا لا آخذ حوافزي، بل قد أحرم من مرتبي الثابت. فكنت أضطر أن أدفع عنهم. في البداية 1000 أو 2000، ثم مع مرور الوقت كبرت المحفظة، وصرت أدفع 20 ألفاً و30 ألفاً. كنت ألتجئ إلى تطبيقات التقسيط – حوالي 5 أو 6 تطبيقات – لأسحب منها مالاً، لأن مرتبي الثابت يضيع، والحوافز لا تأتي”.

وعن إدارة الشركة، يكشف: “ذات يوم عرض عليّ بنك آخر وظيفة أفضل. ذهبت إلى مديري وأخبرته أني أريد الاستقالة. قال لي: ‘أول وآخر مرة أسمعك تقول هذه الكلمة. لو حد من الإدارة سمعك يقولها، فأنت تقضي على حياتك’. قلت له: ‘يعني أنا عبد عندكم؟’ قال لي: ‘هذا المكان لا يمكن أن تدخله وتخرج منه، إما أن تبقى وإما أن تنسى هذا المجال'”.

التهديد والمؤامرة

يسأل المذيع: “ما السلطة التي يمتلكها هذا المكان ليهدد حياتك؟” يجيب أحمد: “يمكنهم أن يقلبوا الطاولة. يأتون ويقولون: ‘أنت الذي جلبت العملاء’. صحيح أنك أنت الذي جلبتهم، لكنهم هم من أجروا المعاينة ووافقوا على القرض. لكنهم لا يعترفون بذلك. ولحسن الحظ، 99% من عملائي رفضوا أن يشهدوا ضدي. يقولون: ‘الرجل ده خيره عليّ، واقف في ضهري'”.

ويضيف: “لو مسكت التراب كان يبقى دهباً في يدي، إلى أن جاءت اللحظة التي انقلب فيها كل شيء. بدأت أكتشف أني في مكان أتقاضى راتباً لا يتناسب مع ما أقدمه. أنا أحقق أهدافاً بملايين، ومرتبي لا يتعدى 10 أو 12 ألفاً. وكل الضغط يقع على الموظفين بينما الإدارة تأخذ النسب”.

كارثة رمضان

يصل أحمد إلى نقطة الانهيار: “في رمضان، دفعت من جيبي 300 ألف جنيه في شهر واحد لأجل عملاء متعثرين. كل سيولتي التي في البيت ذهبت. واجهت مديري، فطلب مني أن أدفع 380 ألفاً أخرى. قلت له: ‘أنا اللي ماضي على العملاء؟ أنت المنح، أنت اللي اعتمدت، أنت اللي نزلت معاينة، أنت اللي وافقت، لا أنا’. قال لي: ‘لا، أنت هتتحبس، هيودوك أموال’. قلت له: ‘أنا معي ورق يثبت أن هؤلاء الناس مدينون لي'”.

ويختم: “اتقلبت من شخص يساعد الناس في كل حاجة، إلى شخص حياته متدمرة. انقلبت الطاولة. اللعنة بدأت تمسكني. يمحق الله الربا. حرب من الله ورسوله بدأت عليّ. بعت شقتي، سددت كل الديون، وبقيت في إيجار. وإلى الآن، هناك أناس لم يأخذوا حقوقهم، وأنا عاجز عن ردها لأنني أعطيت كل ما أملك”.

الشراكة الربوية – عندما يكون الشريك مقرضاً في ثياب مستثمر، قصة مشروع عمره 20 عاماً انهار في سنتين

يبدأ الأستاذ محمد قصته: “كان لدي مشروع من 2006 يعمل معي بكفاءة. في 2019، دخلت في مجال البلاستيك والأكياس مع شريكين، ثم توسعنا وأصبحنا أربعة شركاء. وزعنا السيولة بين الأكياس وإكسسوار المحمول والاستيراد. كان أحد الشركاء يأتي كل شهر ليأخذ ربحه بنسبة 10% على المبلغ الذي وضعه. فإذا وضع 50 ألفاً، يأخذ 55 ألفاً في نهاية الشهر، ثم يضعهم مع الـ50 ليصبحوا 100 في الشهر التالي”.

يوضح محمد المشكلة: “هذه لم تعد شراكة، بل قرض ربوي. الشريك الحقيقي يتحمل الربح والخسارة بنسبة متغيرة، أما هنا فالنسبة ثابتة 10% شهرياً، بغض النظر عن حقيقة الربح. كنت في بعض الأحيان لم أبع البضاعة كلها، ومع ذلك أخرج الفائدة من جيبي الخاص. حدثت خسائر، وحادثة لبضاعة بـ420 ألفاً، وكلما أخبرتهم قالوا: ‘أنت الغلطان'”.

انهيار الصحة تحت الضغط

يضيف محمد: “في أحد الأيام، نمت تعباناً، واستيقظت على نزيف في وجهي. نزلت لشقة والدتي، وبعد ثلاثة أيام بسيطة اختفى النزيف الحمد لله. كان بسبب الضغوط. ثم قال لي أحد الشركاء: ‘أنا لا أعرف الخسارة، أريد فلوسي خلال أسبوع’. وهكذا بدأ الجميع يطالب. اكتشفت أن بعض الشركاء لم يجلبوا أموالهم الخاصة، بل أموال أخوتهم وأقاربهم، ليكونوا وسطاء”.

وعن درس هذه التجربة، يقول محمد: “لو لم يحدث ما حدث، لكنت بقيت في محلي 20 سنة أخرى، يأتون ليأخذوا الأرباح كل شهر وأنا أظل كما أنا. لكن الآن أنا أدرس الماجستير، وأعمل في التسويق الإلكتروني، وأخطط لفتح شركة استيراد. الضربة التي جائتني وأنا كبير كانت قاسية، لكنها أيقظتني”.

القروض من أجل القمار، عندما يكون المدمن هو المقترض

يختم اللقاءات الأستاذ إبراهيم، الذي اضطر للاقتراض بسبب إدمانه على المراهنات الإلكترونية. يروي: “زميل لي احتاج قرضاً، فاستعرت باسمي قرضاً له. كان يدفع أول شهر وثاني شهر. ثم جاء زميل آخر عرض عليّ برنامجاً للمراهنات على الإنترنت. بدأنا بمبلغ 500 جنيه، ثم 1000، ثم 5000، ثم 20 ألفاً. خسائر متتالية من أموالي الخاصة”.

ويضيف: “أصبحت آخذ قروضاً جديدة من تطبيقات التقسيط لأقرض منها لكي أستطيع المراهنة على أمل تعويض خسائري. وهكذا حتى وصلت إلى خمسة أو ستة تطبيقات، بالإضافة إلى السلف الشخصية وصكوك الأمانة. لم يشعر أحد بما يحدث، لأنني كنت قليل السلف”.

وعن حجم الدين، يقول: “حوالي 600 ألف جنيه، في حين أن المبلغ الأصلي من التطبيقات لم يتجاوز 130 أو 140 ألفاً. الضعف أربع أو خمس مرات. وبعد سنة ونصف من هذه الدوامة، توقفت. الحمد لله أن زوجتي لا تعرف شيئاً، وأن شركات التحصيل وصلت ولكن لم يحدث ما أخشاه. نصيحتي: لا تقترض من أجل القمار، فهذا أسوأ من القرض نفسه”.

ختاماً: القرض خراب بيوت

جمعت هاتان الحلقتان قصصاً واقعية لأناس من مختلف الفئات، مالكة سنتر ناجحة، وموظف تفانى في عمله، وشاب حالم، ورجل أعمال، ومقامر. جمعتهم جميعاً حقيقة واحدة: القرض الربوي ليس حلاً، بل هو بداية النهاية. البنوك وشركات التمويل “أسماك قرش” تبتلع وتمتص دماء الفقراء من خلال الفوائد المركبة، هذا ليس كلاماً نظرياً، بل هو ما يعيشه الملايين.

ما استهدفناه في هاتين الحلقتين هو تسليط الضوء على ألم ينخر في المجتمع ويؤثر على السلام المجتمعي. دورنا هو تسليط الضوء على السلبيات لنتعامل معها، كما نبرز الإيجابيات لنطورها وننميها. والله ولي التوفيق.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيوفنا الكرام

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *