خبرات من المطبخ الداخلي لشركات عملاقة | مصطفى مصري مؤسس شركة Fincart

خبرات من المطبخ الداخلي لشركات عملاقة | مصطفى مصري مؤسس شركة Fincart


في أولى حلقات بودكاست 360 نستضيف المهندس مصطفى مصري، أحد رواد الأعمال المصريين الذين صنعوا خبرة عملية نادرة داخل “مطبخ” شركات كبرى مليارية، ثم عاد ليؤسس مشروعه الخاص. يدور الحوار حول كيف تتحول الشركات الناشئة من فكرة صغيرة إلى كيان عملاق، وما الذي يصنع الفارق الحقيقي بين مشروع عادي وآخر يتجاوز قيمته مليارات الدولارات، مع التوقف عند محطات مصطفى بين كريم، وجوميا، وجلوفو، وتجربة العمل في أوروبا، وصولًا إلى تأسيس “فين كارت” في مصر.

من قلب الشركات المليارية: هل كان النجاح متوقعًا؟

عندما سُئل مصطفى إن كان يتخيل أنه يشارك في بناء كيان تتجاوز قيمته بعد سنوات ثلاثة مليارات دولار، أجاب بصراحة: لم يكن يتوقع الرقم تحديدًا، لكنه كان واثقًا من نجاح التجربة. السبب في ذلك، كما يوضح، أن الفريق الذي عمل معه آنذاك كان من “أشطر الناس” الذين قابلهم في حياته المهنية. هذه القناعة المبكرة بأهمية الفريق كانت مقدمة لدرس يتكرر طوال الحلقة: الأفكار مهمة، لكن الفريق والقيادة والتنفيذ السريع هم من يصنعون الفارق.

التعليم الجامعي والأنشطة الطلابية: أين تُبنى المهارات الحقيقية؟

مصطفى خريج الأكاديمية البحرية، كلية اللوجستيات والنقل الدولي، وتخصصه في إدارة سلاسل الإمداد. لكنه يؤكد أن الجامعة كانت “الحجر الأساس” ليس فقط بالمعرفة الأكاديمية، بل لأنها منحته مساحة للانخراط في الأنشطة الطلابية والعمل المبكر. ويرى أن كثيرين يخطئون عندما يقللون من قيمة هذه الأنشطة بحجة أنها تضيع الوقت.

من وجهة نظره، 80% من النجاح المهني يعتمد على مهارات لا تُكتسب من الكتب: التواصل، القيادة، العمل ضمن فريق، الإقناع، كتابة البريد باحتراف، البحث الجيد، إعداد الميزانيات، وفهم أساسيات التنفيذ داخل الشركات. لذلك ينصح أي طالب جامعي لديه ميول للأعمال بأن يعتبر سنوات الجامعة “نسخة تجريبية للحياة”؛ مساحة للتجربة والخطأ والتعلم بتكلفة أقل، قبل أن تصبح الأخطاء لاحقًا أكثر كلفة وعواقبها أكبر.

ماذا يفعل الشاب الذي يريد دخول عالم الأعمال؟

نصيحته الأساسية: جرّب قدر الإمكان. لا ترفض الأعمال البسيطة لأن قيمتها ليست في “المسمى” بل في الخبرة. ويضيف أن أي شخص يريد إنشاء مشروع يجب أن يتقن أمرين بوضوح:

  1. فهم الأرقام (الميزانية، الربحية، التكاليف).

  2. فهم البيع (كيف تقنع العميل وتبني قيمة).

ويؤكد أن الشاب في بدايته قد يظن أنه يناسبه مجال معين، ثم يكتشف على أرض الواقع أن الصورة مختلفة تمامًا. لذلك التجربة العملية المبكرة هي الطريق الأسرع لمعرفة نقاط القوة الحقيقية.

ريادة الأعمال مباشرة بعد التخرج: حماس أم مخاطرة؟

يتحدث مصطفى عن “الترند” الشائع: تخرج وابدأ شركتك فورًا. لا يصفه بأنه خطأ مطلق، لكنه يراه غالبًا أقل فرصة للنجاح مقارنة بمن يكتسب خبرة أولًا. فالخبرة ليست مجرد معلومات؛ هناك أمور “الوقت” وحده يعلمها: بناء المهارات، فهم السوق، إدارة الأشخاص، واتخاذ القرارات في سياقات معقدة.

من AIESEC إلى الخليج: قيادة مبكرة وصدام ثقافي مفيد

خاض مصطفى تجربة طويلة مع AIESEC، ثم انتقل إلى البحرين ليقود فرعها هناك بعد انتخابات. كانت أول زيارة له للبحرين، وكان يظن أن التقارب اللغوي سيجعل الأمور سهلة، لكنه اكتشف عالمًا ثقافيًا مختلفًا وتاريخًا عميقًا. يذكر مثالًا بسيطًا لكنه دال: في مصر قد يُمدح الضيف إذا أنهى الطعام، بينما في البحرين قد يشعر المضيف بالذنب إن نفد الطعام! هذه التفاصيل الصغيرة، كما يرى، توسّع فهمك للناس وتُحسن قدرتك على العمل عبر الثقافات.

كريم: عندما تصنع الثقافة “شركة يشعر الجميع أنها شركتهم”

عاد مصطفى إلى مصر في لحظة كانت فيها كريم تتوسع وتبني فريقها. عمل في العمليات، ثم انتقل لبناء برامج ولاء وتحسين العلاقة مع “الكباتن” (السائقين)، بهدف زيادة ارتباطهم بالشركة وتشجيعهم على العمل معها أكثر.

وعندما سُئل: كيف تصنع ولاء العميل؟ قال إن الولاء لا يبدأ بالعاطفة، بل بالأساسيات:

  • نفّذ ما تعد به وفي الموعد الذي تحدده.

  • افهم مشكلة العميل بدقة وقدّم حلًا حقيقيًا.

  • ثم ابنِ ما يسمى “عامل الالتصاق” عبر خدمات ذات قيمة مضافة تجعل الانتقال لمنافس أصعب.

أما سر قوة كريم من وجهة نظره، فيجتمع في ثلاث نقاط: سوق كان يحتاج الخدمة بشدة، قيادة قوية، وثقافة فريق تجعل الموظف يشعر أن الشركة “شركته”. ويضيف أن الولاء الداخلي لا يُزرع فقط بالأسهم أو الحوافز، بل بالثقة، وإتاحة الفرصة، ومنح الحرية مع وضوح النتائج، ثم بروح الفريق التي تدفع الجميع لبذل جهد إضافي دون إجبار.

ومن أهم الدروس التي خرج بها من كريم: أنه قادر على تحقيق نتائج أكبر مما كان يتوقعه من نفسه، وأن إدارة المشروعات والانضباط في التخطيط والميزانيات، إضافة لبيئة عمل صحية، تصنع أداءً استثنائيًا.

جوميا وجلوفو: قرارات تخرجك من منطقة الراحة

انتقل مصطفى إلى جوميا لأن التجارة الإلكترونية كانت في صعود، ولأنه أراد فهم القطاع. ثم جاءت جلوفو كتجربة “فاصلة” في حياته المهنية. يصف ثقافة التنفيذ هناك بأنها شديدة السرعة، وتؤمن بالتجربة على نطاق صغير ثم التوسع. يشرح كيف بدأ بنفسه يجذب المناديب من الشارع ويقنعهم، ثم مع الوقت تحولت العملية إلى نمو ذاتي حتى وصلت أحيانًا لقوائم انتظار. كما يشير إلى تجربة التوصيل بالدراجات في مصر، وكيف نجحت لأن هناك مجتمعًا كبيرًا من محبي الدراجات، ولأن الفكرة تم اختبارها عمليًا بدل الاكتفاء بالافتراضات.

وعند تقييم فكرة جديدة، يرى أن الحل هو: عرّف النجاح بمؤشر واضح، اختبر على نطاق صغير، ثم قرر التوسع أو التوقف بناء على النتائج لا المشاعر.

ألمانيا وDelivery Hero: “القرار رقم قبل أن يكون رأيًا”

سافر مصطفى إلى ألمانيا للعمل ضمن منظومة تعتمد على البيانات بشكل مكثف: لا قرارات اعتباطية، وكل حركة تقف وراءها أرقام وتحليلات. يرى أن هذا النمط يعلّمك إدارة عمل ضخم متعدد العلامات التجارية والدول والثقافات. لكنه يعترف أن الغربة كانت حقيقية، إلا أن هدفه لم يكن الاستقرار الدائم بقدر ما كان اكتساب الخبرة ثم العودة لبناء شيء خاص به.

العودة وتأسيس “فين كارت”: عندما تكتمل “قطع البازل”

عاد إلى مصر وفي ذهنه قرار واضح: بدأ الوقت لبناء مشروعه. أسس “فين كارت” مع شريكته نهال علي، ويشرح أن نجاح الشراكة يعتمد على التكامل: لا يصح أن يكون الشريكان متشابهين بالكامل، بل يكمل كل واحد نقاط ضعف الآخر.

فكرة “فين كارت” تقوم على منصة تربط شركات الشحن بالتجار الإلكترونيين، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتساعدهم في اختيار أفضل شركة حسب الأداء في كل منطقة، مع نموذج اشتراك شهري. أول معيار نجاح راقبوه كان “سرعة استيعاب العميل للفكرة وقبوله لها”. وعندما وجدوا إقبالًا حقيقيًا، اعتبروا أنهم وصلوا إلى “ملاءمة المنتج للسوق”.

ويرى مصطفى أن كثيرًا من رواد الأعمال يفشلون عندما يحاولون بناء منظومة الشحن بأنفسهم وهي ليست جوهر عملهم؛ لأن الشحن “علم وأرقام ونظام” ويحتاج إدارة عمليات دقيقة. الأفضل في البداية الاعتماد على جهة متخصصة، ثم التعلم والتوسع لاحقًا.

النمو وحرق الأموال: موقف مختلف

يتحدث بصراحة عن نموذج “حرق الأموال” لزيادة النمو: لا يطبقه في “فين كارت” ولا يراه مناسبًا في المرحلة الحالية. يؤكد أنهم لم ينفقوا على التسويق حتى الآن، ويريدون أن تكون الشركة قادرة على النمو بذاتها، ثم يأتي الاستثمار لتسريع نمو موجود بالفعل، لا لتمويل التشغيل اليومي.

وعن جذب الاستثمار خلال سنة، يوضح أن الأمر يتطلب تجهيز الشركة لتصبح “جاهزة للاستثمار”: نمو واضح، نظام قوي، منتج يصعب تقليده بسهولة، وفريق يثق به المستثمرون. لكنه لا ينكر كثرة الرفض، ويؤكد أن النقد المفيد مطلوب لأنه يكشف نقاط التحسين.

في النهاية: ما الذي يجعل شركة “تكسر الدنيا”؟

يلخص مصطفى العامل المشترك بين الشركات العملاقة التي عمل فيها: قيادة شاطرة تصنع شغفًا جماعيًا، وسرعة تنفيذ عالية. ويضيف أن التعثرات واردة، لكن الشجاعة الحقيقية هي أن تعترف بالخطأ عندما تخطئ، وأن تدير قرارك بالبيانات والمؤشرات لا بالعاطفة أو “تكلفة ما تم إنفاقه”.

وفي فقرة الندم، يعترف أنه أحيانًا كان شديد التطلب مع فريقه، وأن التوازن بين العمل والحياة ما زال “قيد التطوير”. ويؤمن بأن الراحة الذهنية تساعد على اتخاذ قرارات أفضل، وأن الإرهاق المستمر يخلق تشوشًا يقود لأخطاء.

أما عن النصيحة الأهم، فهي كلمة واحدة تقريبًا: الفريق. فالفكرة لا تتحول إلى واقع إلا بمن ينفذها، وبثقافة عمل صحية تسمح بالإبداع، وتقدّر الإنجاز في وقته، وتلتقط اللحظات الصحيحة للثناء بدل انتظار التقييم السنوي.

بهذه الخلاصة ينتهي اللقاء: رحلة طويلة من التعلم والتجربة والسفر والعمل داخل أنظمة شديدة الاحتراف، ثم العودة لبناء مشروع جديد في توقيت صعب، لكن يرى فيه فرصًا أكبر لمن يملك الشجاعة والقدرة على التنفيذ.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا مصطفي مصري

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *