ثقافة الشركة : كيف تحول شركتك إلى جنة الموظفين | أحمد شعبان استشاري الموارد البشرية

ثقافة الشركة : كيف تحول شركتك إلى جنة الموظفين | أحمد شعبان استشاري الموارد البشرية


في هذه الحلقة من بودكاست 360 طرحنا سؤالًا يتكرر كثيرًا في عالم الشركات الناشئة: لماذا يعمل بعض الناس 12 ساعة وربما 20 ساعة يوميًا؟ وهل هذا طبيعي أم مؤشر خلل؟ ومن هنا بدأ الحوار مع ضيف الحلقة أحمد شعبان، مدير الأفراد والثقافة (People & Culture Manager) في شركة كرتونة، والذي يعمل أيضًا مستشارًا لعدد من الشركات، ليشرح أن الإجابة لا تتوقف عند “ضغط العمل”، بل تمتد إلى نظام الموارد البشرية والثقافة المؤسسية التي تُبنى منذ اليوم الأول.

أولًا: لماذا يجب أن يدخل الـ HR مبكرًا مع تأسيس الشركة؟

يرى أحمد شعبان أن كثيرًا من روّاد الأعمال يبدأون بتفكير قصير المدى: “ماذا سأفعل هذا العام؟” بينما السؤال الأهم هو: “ماذا سأفعل حين تكبر الشركة؟”. هنا يظهر دور الموارد البشرية بوصفه ضلعًا أساسيًا في البناء، لأن وجود HR منذ البداية يوفّر على المؤسس أخطاءً مكلفة لاحقًا.

وجود الموارد البشرية مبكرًا يعني أن الشركة تُؤسَّس على استراتيجية واضحة في التوظيف وإدارة الأداء والرواتب والامتثال للقوانين. فصاحب الشركة لا يستطيع وحده متابعة كل موظف، ولا يمكنه وضع عقود وتأمينات ونظم رواتب وضوابط ضرائب وتقييمات أداء بدقة دون مختص. والنتيجة أن الشركات التي تؤجل HR غالبًا تخسر كوادر، وتُخطئ في الرواتب، وتدفع ثمنًا مضاعفًا حين تضطر “لبناء كل شيء من الصفر” بعد سنتين أو ثلاث.

ثانيًا: ما الذي يقدمه HR لصاحب العمل فعليًا؟

شرح أحمد شعبان أن الموارد البشرية ليست مجرد “قسم تعيينات”، بل منظومة متكاملة تبدأ من:

  1. وصف وظيفي دقيق لكل منصب (Job Description).

  2. اختيار الموظف المناسب وفقًا لاحتياج حقيقي لا وفق الانطباع.

  3. إدارة أداء عادلة تقيس الإنجاز بدل الحكم الانفعالي.

  4. ضبط الرواتب وفق السوق (Salary Benchmarking).

  5. الالتزام القانوني من عقود وتأمينات ونظم داخلية.

وفي رأيه، عدم وجود هذه الأسس لا يعني أن الشركة ستفشل فورًا، لكنها لن تنجح بنفس الكفاءة والاستقرار، وستدفع تكلفة الوقت والمال لاحقًا.

ثالثًا: أسطورة “HR المخيف” ولماذا تضر الشركة؟

انتقل الحوار إلى الصورة النمطية الشائعة: “الموارد البشرية وحش كاسر”. وهنا أكّد أحمد شعبان أن نجاح HR يبدأ من العكس تمامًا: القرب من الموظفين وبناء الثقة. فالموظف يجب أن يشعر أن باب HR مفتوح، وأنه يستطيع الحديث بأمان عن مشكلاته، وترقيته، وحتى خلافاته مع مديره.

إذا تحول HR إلى “شرطة داخلية” يخافها الجميع، فلن يأتي أحد للمصارحة، وستتراكم المشكلات في الظل. والأسوأ أن الموظف سيشعر أن HR لا يرى إلا مصلحة الشركة ضد الناس. بينما الصحيح—كما يراه شعبان—أن الموارد البشرية لا تكون في صف طرف ضد طرف، بل تعمل كميزان يحقق التوازن بين مصلحة الشركة ومصلحة الموظف.

رابعًا: التوازن بين مصلحة الشركة وحقوق الموظفين

قدّم أحمد شعبان أمثلة عملية على مفهوم التوازن. فإذا احتاجت الشركة مديرًا جديدًا، فالمصلحة الإدارية تقول: نأتي بمدير. لكن التوازن يقتضي أن يبحث HR أولًا عن الترقيات الداخلية، ويدرس من هو الجاهز ومن يحتاج تمكينًا وتدريبًا. بذلك تتحقق مصلحة الشركة بوجود قيادة، وتتحقق مصلحة الموظفين بوجود مسار نمو حقيقي.

وفي ملف الزيادات السنوية، لا يصح أن تتجاهل الشركة التضخم والوضع الاقتصادي بحجة الميزانية، ولا يصح أيضًا أن تُحمّل الميزانية فوق طاقتها. الحل الواقعي هو الزيادة التي تتوافق مع القدرة المالية، لكنها في الوقت نفسه تُشعر الموظف أن الشركة “تهتم” وتستثمر فيه.

خامسًا: لماذا تغيّر المصطلح إلى People & Culture؟

توقفنا عند لقب الضيف: “مدير الأفراد والثقافة”. وشرح شعبان أن مفهوم Human Resources كان يركز على الموارد البشرية بوصفها وظائف وإجراءات. لكن التجربة أثبتت أن عاملًا مهمًا كان يُهمل: الثقافة.

المهارة وحدها لا تكفي. قد تستقطب موظفًا ممتازًا جدًا ثم يغادر سريعًا لأن “ثقافة المكان لا تناسبه”. لذلك ظهر مفهوم “People & Culture” ليشمل ما هو أعمق: بيئة صحية، شعور بالانتماء، تواصل داخلي شفاف، فعاليات، تقدير، ومشاركة في النجاحات.

الثقافة ليست رفاهية؛ هي سبب مباشر في تقليل دوران الموظفين، ورفع المعنويات، وزيادة الإنتاجية، وبالتالي زيادة المبيعات.

سادسًا: كيف نختار الموظفين بشكل صحيح؟

يؤكد أحمد شعبان أن التوظيف “معادلة صعبة” لكنها تصبح أقل خطورة إذا التزمت الشركة بخطوات واضحة:

  • وصف وظيفي محدد: ماذا سيفعل الموظف يوميًا؟ ما مسؤولياته؟

  • KPIs واضحة: كيف نقيس نجاحه؟ ما معيار الأداء؟

  • خطة قوة عمل (Workforce Plan): كم عدد الموظفين المطلوبين لتغطية العمل؟

  • رواتب مناسبة للسوق عبر Salary Survey، وتحديد هل الشركة ستدفع مثل السوق أم أقل أم أعلى (بحسب استراتيجيتها).

  • تحديد مصادر التوظيف الصحيحة: فليس كل منصب يُستقطب من نفس المكان. قد يصلح لينكدإن لوظائف مكتبية، بينما وظائف ميدانية قد تحتاج إحالات (Referrals) أو مصادر مختلفة أو وكالات توظيف.

سابعًا: كيف نحافظ على الكفاءات وسط منافسة شرسة؟

يرى شعبان أن الحفاظ على الموظفين أصعب من جذبهم. ومن أهم ما يحافظ عليهم:

  1. إشعار الموظف أنه جزء من النجاح عبر مشاركة أرقام وتقدّم الشركة وخططها.

  2. رواتب واقعية مرتبطة بالسوق، لأن الثقافة وحدها لا تعوّض ضعف الأجر.

  3. الحوافز طويلة المدى مثل الأسهم (Stock Options): إذ تجعل الموظف يشعر بملكية حقيقية ويعمل بعقلية “هذا بيتي”.

  4. فتح قنوات الاستماع: سؤال الموظف عن رأيه في العمليات والمنتج، وتحويله من منفذ إلى مساهم.

وتحدث شعبان عن تجربة داخل كرتونة: أن موظفي الميدان يساهمون بتعليقات السوق، وتصبح هذه التعليقات مدخلًا لقرارات تطوير المنتج والخدمة. حين يشعر الموظف أن رأيه يغيّر الواقع، يتحول إلى عنصر ولاء قوي.

ثامنًا: بناء بيئة عمل صحية ليس مكلفًا كما يظن البعض

قد تكون بعض التفاصيل بسيطة لكنها ذات أثر كبير: مساحة ترفيه صغيرة، فعاليات داخلية، لقاءات دورية، Team Building، وOne-to-One feedback. هذه الأشياء—برأي شعبان—لا تُنفذ للمنظر، بل تُقاس عبر استبيانات وقياس رضا الموظفين، مثل سؤال: “هل تنصح صديقًا بالعمل هنا؟”.

الثقافة الصحية تجعل الموظف يأتي وهو مبسوط، ويعطي “مسافة إضافية” بطيب نفس، لا بالإجبار.

خاتمة: دور HR في الأزمات الاقتصادية

في الختام ناقشنا سؤالًا حساسًا: ما دور الموارد البشرية عند الأزمات؟ وهل الحل دائمًا هو تسريح الموظفين؟
يرى أحمد شعبان أن التفكير القديم كان يبدأ فورًا بـ “كم شخص سنستغني عنه؟”، لكن الصحيح هو تجربة حلول أقل ضررًا أولًا: تجميد التعيينات، عدم تعويض من يغادر، إعادة توزيع المهام، تحسين الكفاءة التشغيلية. وهنا يبرز أثر الاستثمار السابق في الثقافة: هل سيقف الموظفون مع الشركة عند الشدة؟ وهل يستطيعون حمل مسؤوليات إضافية لأنهم يشعرون بالانتماء؟

وفق هذه الرؤية، الموارد البشرية ليست “قسمًا إداريًا”، بل شريك استراتيجي يصنع الفارق في النمو، وفي الاستقرار، وحتى في النجاة وقت الأزمات.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد شعبان

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *