في مستهلِّ هذا الحوار المهم، نستضيف الداعية الدكتور عبد الله رشدي للحديث عن واحدةٍ من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الساحة الدينية، وهي قضية التصوف بين صفائه الأول وانحرافاته اللاحقة. وقد افتتح الدكتور عبد الله حديثه برؤيةٍ واضحةٍ لمفهوم الولاية، مؤكدًا أن الوليَّ الحقيقي هو المستقيم على أمر الله عز وجل، امتثالًا للأوامر واجتنابًا للنواهي، لا ذاك الذي تُنسب إليه الخوارق والعجائب دون ميزانٍ من كتابٍ أو سنة. فالميزان عنده واضح: «إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء، فلا تغتروا بحاله حتى تعرضوه على الكتاب والسنة؛ فإن وافقهما قُبل، وإلا فهو مردود».
الدين بين العقيدة والشريعة والسلوك
انطلق الدكتور عبد الله في تأصيل المسألة من جذورها، فبيَّن أن الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
أولها العقيدة، وهي ما يتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وسائر المغيبات.
وثانيها الشريعة، وتشمل العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج، والمعاملات كالبيع والنكاح والطلاق والحدود.
وثالثها السلوك أو الأخلاق، وهو ما يُعنى بتزكية النفس وصفاء القلب، حتى يلقى العبد ربَّه بقلبٍ سليم.
وأوضح أن كل محور من هذه المحاور خدمه علمٌ مستقل؛ فالعقيدة لها علم أصول الدين، والشريعة لها علم الفقه، أما السلوك فقد عُرف قديمًا بعلم الزهد، ثم شاع بعد ذلك اسم «التصوف».
نشأة التصوف وتطوره
أشار الدكتور عبد الله إلى أن مصطلح «التصوف» لم يكن معروفًا في القرون الأولى، وإنما ظهر وانتشر بدءًا من القرن الثالث الهجري. وكان في بداياته يعبر عن الزهد والإقبال على الآخرة، والانضباط بالكتاب والسنة. وذكر من رموزه الأوائل أبا القاسم الجنيد، والسري السقطي، والحارث المحاسبي، وغيرهم من العلماء الذين كان منهجهم قائمًا على «العمل مع الاتباع»، أي الالتزام بالنصوص الشرعية دون ابتداع.
وبيَّن أن الإمام الجنيد عرَّف التصوف بأنه «عمل مع اتباع، وذكر مع اجتماع، ووجد مع سماع»، أي التزام بالشرع، وذكرٌ لله بقلبٍ حاضر، وتأثرٌ بالقصائد التي تُذكِّر بالآخرة دون خروجٍ عن الضوابط.
غير أن المسار لم يبقَ على حاله؛ إذ تطور مفهوم السماع من إنشادٍ مشروعٍ إلى مظاهر اختلط فيها الذكر بالطبل والزمر والرقص، حتى تحولت بعض المجالس إلى ما يشبه الاحتفالات الشعبية، وهو ما رآه الدكتور انحرافًا عن الأصل.
مبدأ الاتباع وترك الابتداع
أكد الدكتور عبد الله على قاعدةٍ أصولية مهمة، وهي أن السنة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضًا؛ فما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضي وانتفاء المانع، لا يُشرع لنا إحداثه. واستشهد بمواقف الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين تردد في جمع القرآن لأنه أمر لم يفعله النبي ابتداءً، حتى تبيَّنت له المصلحة الشرعية.
ومن هنا انتقل إلى الحديث عن الاحتفال بالمولد النبوي، فذكر أن القرون الثلاثة الأولى لم تعرف هذه الموالد، وأن أول من أحدثها كانوا العبيديون الفاطميون. وبيَّن أن العلماء اختلفوا بعد ذلك؛ فمنهم من أجاز الاجتماع على ذكر السيرة بشرط الانضباط، ومنهم من منع أصل الفكرة باعتبارها لم ترد عن السلف. لكنه شدد على أن ما يصاحب بعض الموالد من مخالفات، كالتبرك بالقبور والطواف حولها والرقص المختلط بالطبل والزمر، لا يمكن قبوله شرعًا.
انحرافات عقدية خطيرة
انتقل الحديث إلى مرحلة التصوف الفلسفي، حيث اختلطت بعض مفاهيمه بأقوال الفلاسفة، فظهرت أفكار «وحدة الوجود» و«الاتحاد»، التي تُذيب الفارق بين الخالق والمخلوق. ورأى الدكتور أن هذه الاتجاهات تمثل خروجًا بيِّنًا عن عقيدة أهل السنة، وأنها كانت سببًا في محاكمات تاريخية، كما وقع مع الحلاج، الذي حُكم عليه بسيف الشريعة بعد أن أتى بأقوال عُدَّت خروجًا عن الدين.
كما رفض بشدة الأقوال التي تزعم سقوط التكاليف عن بعض «العارفين» إذا بلغوا مرتبة اليقين، مؤكدًا أن أشرف مقام يناله العبد هو مقام العبودية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم تسقط عنه التكاليف حتى وفاته.
قضية الأولياء بين الاعتدال والغلو
في سياق الحديث عن الأولياء، أوضح الدكتور عبد الله أن المسلم غير مُلزَم باعتقاد ولاية شخصٍ بعينه، وإنما الواجب هو حسن الظن بالمسلمين. لكنه رفض الغلو في بعض الشخصيات، سواء بسبِّهم بغير حق، أو برفعهم فوق منازل البشر، ونسبة ترك الصلاة أو قتل الناس إليهم على أنه «كرامة». فهذه – في نظره – خرافات تشوه صورة الدين، وتسيء إلى أصحابها قبل غيرهم.
وأكد أن الولاية لا تجتمع مع ترك الفرائض، ولا مع ارتكاب المحرمات، وأن الكرامة الحقيقية هي الاستقامة على الشرع.
بين الصفاء الأول والواقع المعاصر
خلص الدكتور عبد الله رشدي في حديثه إلى أن التصوف في صورته الأولى كان دعوةً إلى تزكية النفس والالتزام بالكتاب والسنة، وأن كثيرًا من العلماء – كابن تيمية وابن القيم – أثنوا على هذا الجانب المنضبط. غير أن الانحرافات اللاحقة، سواء في جانب العقيدة أو الممارسات، أوجبت على العلماء البيان والتحذير.
ووجَّه دعوته إلى العودة إلى الأصل النقي: تصوفٌ بلا فلسفة دخيلة، وزهدٌ بلا خرافة، وذكرٌ بلا طبلٍ ولا زمر، وولايةٌ تقوم على الطاعة لا على الأساطير.
وهكذا يتبين أن القضية ليست رفضًا للتزكية ولا حربًا على الأخلاق، بل هي دعوة إلى التمييز بين ما هو من صميم الإسلام وما أُلصق به عبر العصور. فالميزان باقٍ لا يتغير: كتاب الله وسنة رسوله، وما وافقهما قُبل، وما خالفهما رُدّ، كائنًا من كان قائله.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا د. عبد الله رشدي

لا تعليق