في قلب تجربة «سُترة» يظهر سؤال يبدو بسيطًا لكنه يكشف معادلة معقّدة: كم تبيع الشركة عبر الإنترنت، وكم تبيع عبر الفروع؟
يجيب ضيف الحلقة المهندس أحمد حاتم بوضوح: إن نسبة المبيعات عبر الإنترنت تدور غالبًا بين 15% و20%، بينما تستحوذ الفروع على النصيب الأكبر، بل إن الفروع –بحكم قربها من العميل– قد “تأكل” جزءًا من مبيعات الأونلاين. هذه الحقيقة تفتح الباب لفهمٍ أوسع: النجاح اليوم لا يقوم على قناة واحدة، بل على إدارة التوازن بين العالمين، وبناء تجربة تجعل العميل يثق ويشتري ويعود.
أولًا: معركة الأونلاين والفروع… من يربح؟
يتحدث أحمد حاتم عن مشهد واقعي جدًا:
عميل يسكن في الإسكندرية مثلًا، وبجواره فرع «ميامي»… فهل سيطلب أونلاين وينتظر ثلاثة أيام، أم ينزل إلى الفرع القريب ويشتري فورًا؟ غالبًا سيختار الفرع. لكن هذا لا ينفي أن هناك شريحة أخرى تفضّل الطلب عبر الإنترنت حتى لو كانت تسكن فوق الفرع حرفيًا؛ لأن ثقافة الأونلاين انتشرت، والراحة أصبحت عاملًا حاسمًا.
ومن هنا يتضح أن السؤال ليس: أيّهما أفضل؟
بل: كيف نجعل القناتين تعملان كأنهما شركتان داخل شركة واحدة؟
يؤكد أحمد حاتم أنهم بالفعل يتعاملون معهما بهذه الطريقة:
-
فريق الفروع له أهدافه وأرقامه.
-
وفريق الأونلاين له أهدافه وأرقامه.
-
وبينهما تنافس طبيعي قد يبدو كصراع، لكنه “صراع لصالح العمل” كما وصفه، لأن كل فريق يريد أن يثبت قدرته ويزيد حصته من “التورتة”.
ثانيًا: هل الأونلاين فعلًا أقل تكلفة؟
هنا يفجّر الضيف مفاجأة مهمة:
الكثيرون يظنون أن الأونلاين “شغل موبايل ورسائل”، لكن الواقع مختلف تمامًا. فالأونلاين –خصوصًا عندما يكبر– قد يصبح أكثر تكلفة من الفرع.
لماذا؟
لأن الفرع لديه تكاليف ثابتة وواضحة:
إيجار + رواتب + تشغيل + بعض الدعاية.
أما الأونلاين فله وحش اسمه: الإعلانات.
الإعلانات هي “الهيرو”، وهي التي تحرك المبيعات، وهي التي قد تبتلع ميزانيات ضخمة.
وفوق ذلك، يحتاج الأونلاين إلى جيش من خدمة العملاء والردود والمتابعة والتأكيدات، خاصة عندما تكون آلية البيع عبر الرسائل.
يضرب أحمد حاتم مثالًا: قد يصل الأمر في بعض البراندات إلى ثلاث شفتات يوميًا، وكل شفت فيه عشرات الأشخاص فقط للرد على الرسائل. عندها يصبح الانتقال إلى الموقع الإلكتروني ليس رفاهية، بل ضرورة تشغيلية.
ثالثًا: من الجروب إلى الصفحة إلى الموقع… رحلة النمو الطبيعية
يرى أحمد حاتم أن بناء قناة بيع رقمية يمر بمراحل:
-
جروب (أحيانًا أفضل في البداية لبعض المنتجات)
لكنه محدود ولا يصلح للتوسع الكبير. -
صفحة سوشيال ميديا
لتوسيع الجمهور وكسب معارف ومعارف المعارف. -
موقع إلكتروني
عندما تزيد الطلبات والرسائل وتصبح الإدارة اليدوية مستحيلة.
وفي رأيه، على الشركة أن تُعلِّم العميل الشراء عبر الموقع، لأن هذا أصبح سلوكًا طبيعيًا بعد انتشار التطبيقات:
كما يطلب الناس الطعام بضغطة زر، يمكنهم طلب الملابس بالطريقة نفسها.
بل إن «سُترة» واجهت تحديًا حقيقيًا في تحويل العملاء إلى الموقع، حتى وصلوا إلى مرحلة أصبحت فيها المبيعات عبر الموقع هي الأساس.
رابعًا: «الأشهر يبيع أكثر من الأجود»… هل هذا صحيح؟
يطرح الضيف قاعدة عملية متداولة في عالم الأعمال:
“الأشهر يبيع أكثر من الأجود.”
المنطق بسيط: المنتج الممتاز إن لم يعرفه أحد فلن يشتريه أحد.
قد توجد علامة أفضل في الجودة لكنها “مغلقة على نفسها”، بينما علامة أخرى وصلت للناس فأصبحت هي الأكثر مبيعًا. حتى في البراندات العالمية، ليست كل العلامات الأشهر هي الأفضل جودة، لكنها الأكثر حضورًا في ذهن العميل.
ومع ذلك، عندما يُسأل: ما الذي يميز «سُترة»؟
يؤكد أحمد حاتم أن الجودة هي الرقم واحد لديهم، وأنهم لا يتعاملون مع الجودة كأمر ثانوي حتى في ظل التضخم وارتفاع الأسعار.
خامسًا: كيف تحافظ على الجودة في زمن التضخم؟
يشرح أحمد حاتم فكرة حساسة:
كثير من الشركات تخاف تطوير الخامة لأن ذلك يرفع السعر، فتختار إما:
-
تثبيت الخامة للحفاظ على السعر، أو
-
تقليل الخامة لتقليل التكلفة.
أما «سُترة» فاختارت طريقًا أصعب:
رفع الخامة وتقديم “نيو جنيريشن” من المنتجات، ثم توفير منتجات “Entry Level” بأسعار أقل لمن لا يستطيع.
لذلك تجد لديهم مستويات متعددة:
-
منتجات تبدأ بأسعار منخفضة نسبيًا لتناسب شريحة واسعة.
-
ومنتجات أعلى جودة وتصميمًا لمن يبحث عن الأفضل.
ويضيف نقطة ذكية:
ليس كل العملاء يحبون اللوجو!
لذلك نسبة كبيرة من منتجاتهم لا يظهر عليها الشعار، لأن هناك من يريد قطعة “شيك” بلا هوية واضحة.
سادسًا: البراند المصري… ماذا ينقصه؟
في رأي أحمد حاتم، كثير من البراندات المصرية لا ينقصها التصنيع فقط، بل ينقصها:
-
علم التسويق
-
والخبرة المتراكمة عبر الزمن
فالبراندات العالمية بدأت منذ عقود، بينما التجارب المحلية الحديثة لا تزال تبني نفسها.
كما يوضح حقيقة يغفل عنها البعض:
ليس كل ما يسمى “قطن مصري” يُستخدم داخل السوق المحلي، بل كثير من الخامات في السوق المصري مستوردة (من الصين والهند وبنجلاديش… إلخ) وتُشترى بالدولار، وهذا يغيّر تمامًا فكرة التسعير عند الناس.
سابعًا: التسويق ليس قسمًا… بل عقلية مؤسس
من أهم أفكار أحمد حاتم:
الناس تظن أن التسويق “موظف” أو “شركة إعلانات”، لكن الحقيقة أن التسويق قرار قيادي.
يرى أن ميزة «سُترة» كانت أن المؤسِّس نفسه يمسك التسويق، ويفهم كيف توضع الرؤية وكيف تُقاس النتائج. لأن من لا يفهم التسويق لن يعرف:
-
كيف يختار فريقه،
-
ولا كيف يقيم وكالة،
-
ولا كيف يضع مؤشرات أداء،
-
ولا كيف يضمن أن “الحكاية” تصل للناس بالشكل الصحيح.
بل إنه يقول صراحة: كثير من أصحاب المشاريع يطلبون من المسوِّق أن يقرر بدلًا منهم، وهذا خطأ؛ لأن المسوِّق ليس صانع القرار.
ثامنًا: كم تصرف على التسويق؟
عندما يُسأل عن نسبة الصرف على التسويق، يجيب بإجابة عملية جدًا:
اصرف قدر ما تستطيع، ولا تقلل… لأن التسويق أثره يأتي لاحقًا.
ثم يضيف نصيحة واضحة لمن يبدأ مشروعًا بميزانية محدودة:
من الأفضل ألا تقل ميزانية التسويق عن الثلث إذا كنت تريد نموًا قويًا، بشرط أن تكون فكرتك أصلًا مطلوبة في السوق.
ويحسم نقطة مهمة:
التسويق يبدأ من فكرة المنتج نفسها:
هل السوق يحتاجها؟ هل هناك مساحة؟ ولماذا سيترك العميل المنافس ويأتي إليك؟
تاسعًا: مدرسة «سُترة» في الأفكار المفرقعة
يتحدث أحمد حاتم عن فلسفة الأفكار داخل الشركة:
الأفكار لا تأتي من شخص واحد فقط، بل من الفريق كله، حتى من موظف الفرع الذي يسمع العميل يوميًا.
ويؤكد أن معيار الفكرة تغيّر مع الزمن:
في البداية كان يفرحه “الريتش” واللايكات، أما الآن فالمعيار الحقيقي هو:
الفكرة التي تجلب مبيعات.
مثال شهير: “مش هنختلف”
من أقوى الحملات التي أثرت على مبيعات الفروع كانت فكرة إغلاق واجهة العرض (الـ Window) بلاك بانر أسود وعبارة كبيرة: “مش هنختلف”.
الناس دخلت المحل لتعرف “مش هنختلف في إيه؟” فتحولت العبارة إلى مغناطيس ترافيك ومبيعات.
مثال آخر: تريند محمد عبد المنعم
حين سجل اللاعب محمد عبد المنعم هدفًا مهمًا، نشروا في الثانية صباحًا منشورًا بسيطًا:
“أي حد اسمه محمد عبد المنعم ييجي بكرة… خصم 50%”.
النتيجة كانت مذهلة: ملايين وصول عضوي، وزيادة مبيعات، ودخول عملاء جدد لم يكونوا يعرفون «سُترة» أصلًا.
عاشرًا: عندما ينقلب الترند ضدك
يعترف أحمد حاتم أن “التريند جاكينج” سلاح حساس:
قد تدعم شخصًا باعتبار القصة إنسانية، ثم تتغير الوقائع في اليوم التالي، فيتحول الترند إلى موجة سلبية، وتصبح أنت وسط عاصفة من الشكر والشتائم معًا.
الدرس هنا:
الترند ليس مضمونًا، ويحتاج تقدير مخاطر سريع.
الحادي عشر: خدمة العملاء… قرارات مكلفة لكنها تصنع البراند
يصف أحمد حاتم خدمة العملاء بأنها ليست “كلام لطيف”، بل سياسة قد تكلفك آلافًا لكنها تشتري ولاءً لا يُشترى بإعلانات.
القصة الأولى: رد المنتج لـ70 عميلًا
اكتشفوا عيبًا في “أسورة” سويت شيرت شتوي، فبدلًا من ردّ من اشتكى فقط، قرروا ردّ المنتج لكل من اشترى، ودفعوا الشحن ذهابًا وعودة، وتحملوا الخسارة… ثم ظلوا عامًا ونصفًا حتى استعادوا قيمة الخامات من المورد.
هذا قرار “يربح عميلًا على المدى الطويل”، حتى لو خسر مالًا على المدى القصير.
القصة الثانية: سويت شيرت مسروق
عميل اشترى سويت شيرت أحمر، نشره على الحبل، فسرق!
قال لهم: “أنا عارف إنها مش مشكلتكم، لكني متضايق”.
فقرروا إرسال قطعة بديلة له.
ويعلق أحمد حاتم:
العميل الذي تُرضيه في ضيقة، قد يتحول إلى أكثر عميل وفيّ لك، بل وقد يصنع لك دعاية لا تستطيع شراؤها.
الثاني عشر: التوسع… هل كان سريعًا؟
يؤكد أحمد حاتم أن التوسع مرتبط بالرؤية التي تتغير حسب السوق.
بعد كورونا مثلًا، حدثت طفرة وتوسع سريع: من فرع إلى سبعة فروع تقريبًا خلال عام، ثم جاءت مرحلة إدراك أن السرعة قد تُسقط شيئًا من الدراسة والاختيار، فبدأوا يميلون إلى توسع أهدأ وأكثر تركيزًا.
كما يوضح أن الفروع لديهم ليست كلها مملوكة مباشرة:
هناك فروع فرانشايز، لكن الإدارة تبقى تحت إشراف «سُترة» كأنها فروعها تمامًا.
الخلاصة: كيف تبني براند قويًا مثل «سُترة»؟
من تجربة أحمد حاتم يمكن تلخيص الدروس في نقاط عملية:
-
لا تجعل الأونلاين والفروع يتصارعان بلا نظام؛ اجعلهما شركتين داخل شركة واحدة.
-
الأونلاين ليس “أرخص” دائمًا؛ الإعلانات وخدمة العملاء قد تجعل تكلفته أعلى من الفرع.
-
الموقع الإلكتروني ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة عند التوسع.
-
التسويق يبدأ من الفكرة، وليس من إعلان ممول.
-
الشهرة تسبق الجودة في البيع، لكن الجودة تصنع الاستمرارية.
-
الأفكار المفرقعة مهمة، لكن الأهم أن تُترجم إلى مبيعات.
-
خدمة العملاء هي الاستثمار الذي يصنع السمعة ويثبت البراند في السوق.
-
التوسع السريع مغرٍ، لكن التوسع الصحيح هو الذي يحافظ على الجودة والهوية.
وهكذا، لا تبدو «سُترة» مجرد علامة ملابس نجحت في التسويق فحسب، بل نموذجًا لكيف يُبنى البراند حين يكون المؤسّس حاضرًا بعقله التسويقي، وفريقه متحدًا حول تجربة العميل، وقراراته جريئة بما يكفي لصناعة الثقة قبل صناعة الأرباح.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد حاتم

لا تعليق