أسرار تُروى لأول مرة صندوق السياسة يُفتح على يد د السيد البدوي

أسرار تُروى لأول مرة صندوق السياسة يُفتح على يد د السيد البدوي


في حوارٍ كاشفٍ امتدّ عبر محطات مفصلية من تاريخ مصر الحديث، فتح الدكتور سيد البدوي، رئيس حزب الوفد الأسبق، قلبه وعقله وذاكرته، مستعرضًا شهادته على أحداث صنعت الواقع السياسي المصري منذ ما قبل ثورة يوليو 1952، مرورًا بعهدَي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، وصولًا إلى ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013. شهادة لا تُقدَّم بوصفها سردًا تاريخيًا مجردًا، بل قراءة ذاتية عميقة من رجل عاش في قلب الحدث، وشارك في صناعة القرار، واختبر تعقيدات السياسة والتحالفات والسلطة.

يؤكد البدوي منذ البداية أن السياسة في مصر لا يمكن فصلها عن السياق الإنساني والوطني، وأن اختزالها في صراع أيديولوجي أو حزبي يُفقدها معناها الحقيقي. ومن هذا المنطلق، استعاد تجربته الأولى مع حزب الوفد، الحزب الذي نشأ في بيئة عائلية مشبعة بذكريات الوطنية والنضال، وتأثره المبكر بسيرة فؤاد باشا سراج الدين، الذي مثّل لديه نموذجًا للزعيم الوطني الصلب، القادر على الجمع بين المبادئ والواقعية.

ويروي البدوي كيف شكّل الوفد مدرسة سياسية حقيقية، لا تقوم فقط على المنافسة الانتخابية، بل على ترسيخ فكرة الدولة الدستورية، والوحدة الوطنية، والمشاركة الشعبية. ويؤكد أن ثورة 1919 كانت حجر الأساس في بناء هذه الفكرة، حيث انصهرت الفوارق الدينية والاجتماعية في مشروع وطني واحد، وهو ما انعكس لاحقًا في دستور 1923، وفي الممارسة الديمقراطية التي عرفت مصر بعض ملامحها حتى عام 1952.

من الديمقراطية المقيدة إلى صدمة الاستبداد: دروس يناير ويونيو

ينتقل الدكتور سيد البدوي في شهادته إلى مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952، معتبرًا أن حل الأحزاب وإقصاء القيادات السياسية، وعلى رأسها الوفد، مثّل لحظة فاصلة أغلقت المجال العام، وأدّت إلى فراغ سياسي طويل الأمد. ورغم إقراره بأن ثورة يوليو حملت إنجازات اجتماعية ووطنية، فإنه يرى أن غياب التعددية السياسية كان خطأً استراتيجيًا، دفع المصريون ثمنه لاحقًا.

ويستشهد البدوي بمقولة الرئيس أنور السادات الشهيرة: «خطأ واحد من أخطاء الديكتاتورية يعادل ظهرًا كاملًا من أخطاء الديمقراطية»، معتبرًا أنها تلخص التجربة المصرية الحديثة. فالديمقراطية، من وجهة نظره، لا تُنتج الفوضى، بل تُنتج تباينًا صحيًا في الآراء، بينما الاستبداد هو الذي يراكم الاحتقان حتى الانفجار.

وفي حديثه عن ثورة 25 يناير 2011، يوضح البدوي أن الشرارة الأساسية لم تكن إسقاط الرئيس حسني مبارك، بل الاحتجاج على تزوير الانتخابات البرلمانية عام 2010، وانسداد الأفق السياسي. ويكشف عن ضغوط مباشرة مورست عليه آنذاك للتراجع عن مواقفه، مؤكدًا أنه تلقى تحذيرات صريحة بأن ما يجري قد “يحرق البلد”، لكنه تمسّك بإعلان المطالب السياسية السلمية، وعلى رأسها حل مجلس الشعب وإجراء انتخابات نزيهة.

كما يروي تفاصيل دقيقة عن تعاطي القوى السياسية مع المرحلة الانتقالية، وعن التحالفات التي نشأت ثم انهارت، خاصة مع جماعة الإخوان المسلمين، التي يرى أنها استفادت من الفراغ السياسي والتنظيمي، ومن دعم خارجي واضح، للوصول إلى الحكم. ويؤكد أن التحالفات التي عقدها الوفد في بعض المراحل كانت أخطاءً سياسية، لكنه يميّز بين الخطأ بحسن نية، وبين مشروع التمكين الذي سعت إليه الجماعة لاحقًا.

وحول أحداث 30 يونيو 2013، يشدد البدوي على أن ما جرى لم يكن انقلابًا عسكريًا، بل استجابة لإرادة شعبية جارفة، خرجت في جميع محافظات مصر، رفضًا لاحتكار السلطة ومحاولة “أخونة” الدولة. ويكشف أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، حتى أيام قليلة قبل 30 يونيو، لم يكن يفكر في عزل الرئيس محمد مرسي، وأن تدخل القوات المسلحة جاء بعد رفض الرئاسة أي حلول سياسية، ومع تصاعد خطر الانقسام والعنف الأهلي.

ويؤكد البدوي أن الجيش في الحالتين، يناير ويونيو، لعب دور “حامي الإرادة الشعبية”، لا صانعها، وأن البديل كان الانزلاق إلى فوضى شاملة. كما يوضح أنه رفض مرارًا تولي رئاسة الحكومة، سواء في عهد المجلس العسكري أو خلال حكم الإخوان، إدراكًا منه لخطورة المرحلة، ورفضًا لأن يكون غطاءً سياسيًا لمشروعات لا يؤمن بها.

وفي ختام شهادته، يرى الدكتور سيد البدوي أن التجربة المصرية، بكل ما حملته من إخفاقات ونجاحات، تؤكد حقيقة واحدة: لا استقرار بلا سياسة، ولا سياسة بلا ديمقراطية، ولا ديمقراطية بلا مؤسسات قوية وتعددية حقيقية. ويؤمن أن تصحيح أخطاء الديمقراطية لا يكون بالعودة إلى الاستبداد، بل بمزيد من الديمقراطية، ومزيد من الوعي، ومصارحة المجتمع بالحقيقة كاملة، مهما كانت مؤلمة.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا السيد البدوي

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *