في حوارٍ عميق ومطوّل، استضافنا المهندس إيهاب معوّض، الاستشاري الأسري المعروف، للحديث عن واحدةٍ من أخطر القضايا الاجتماعية المعاصرة، وهي أزمة الزواج وارتفاع نسب الطلاق، وما يرتبط بها من خللٍ في المفاهيم، وسوء إعدادٍ نفسي واجتماعي للرجل والمرأة قبل الإقدام على هذه الخطوة المصيرية.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن القضية لا تتعلق بخلافاتٍ عابرة بين الأزواج، بل بمنظومةٍ كاملة تعاني خللًا عميقًا في التربية، والتعليم، والقيم السائدة.
الغريزة ليست المشكلة… بل اختزال الإنسان فيها
أوضح المهندس إيهاب معوّض أن الغريزة عند الرجل تمثل محركًا أوليًا في الزواج، لكنها ليست المحرك الوحيد. فالمشكلة الحقيقية تبدأ حين يُختزل الرجل في كونه كائنًا غريزيًا فقط، أو حين تُختزل المرأة في كونها وسيلة لإشباع هذه الغريزة.
وأكد أن الرجل بطبيعته كائن بصري، في حين أن المرأة كائن عاطفي سمعي، وهذه حقيقة فطرية لا يجب إنكارها، لكن الخطأ يقع حين يُبنى الزواج على هذا البعد وحده، دون اكتمال باقي الأبعاد الإنسانية.
الزواج منظومة خماسية الأبعاد
شدّد الضيف على أن الزواج ليس علاقةً ثنائية بسيطة، بل هو منظومة خماسية الأبعاد، لا يمكن أن تنجح إذا غاب أحد عناصرها، وهي:
-
الإشباع العقلي: أن يجد كل طرف في الآخر شريكًا في التفكير والنقاش.
-
الإشباع العاطفي: وجود مشاعر مودة واحتواء، لا اندفاع أعمى.
-
الإشباع الروحي: شعور الصداقة والطمأنينة، لا مجرد الانجذاب.
-
الإشباع الجسدي: التوافق الفطري، دون ابتذال أو هوس.
-
الإشباع الاجتماعي: التوافق بين البيئتين الأسريتين والثقافيتين.
وأي زواج يقوم على بُعدٍ واحد فقط، كالجمال أو المال أو الحب العاطفي المجرد، هو زواجٌ مهددٌ بالفشل.
وهم الحب الرومانسي وقصص الأساطير
توقف الحوار طويلًا عند وهم قصص الحب الرومانسي التي زُرعت في وعي الأجيال، سواء عبر الأفلام أو الروايات أو الحكايات الشعبية. وأشار المهندس إيهاب إلى أن معظم قصص الحب الشهيرة – مثل روميو وجولييت، وقيس وليلى، وعنتر وعبلة – انتهت بالموت أو الجنون أو الفشل.
وبيّن أن هذه القصص لم تصبح “أسطورية” إلا لأنها لم تدخل بيت الزواج، ولو دخلته لتحولت إلى حياةٍ عادية مليئة بالخلافات والمسؤوليات، ولما بقي لها ذلك البريق الخادع.
لماذا تفشل زيجات “الحب” وتنجح زيجات الصالونات؟
طرح الحوار تساؤلًا جريئًا:
لماذا تفشل نسبة كبيرة من الزيجات القائمة على الحب، بينما تستمر كثير من زيجات الصالونات؟
الإجابة – بحسب الضيف – أن الحب قبل الزواج غالبًا ما يكون نتاج تلاعب هرموني (السيروتونين والدوبامين)، لا وعيًا حقيقيًا. ومع أول احتكاك واقعي داخل البيت، تتساقط الأوهام، ويظهر الإنسان على حقيقته.
أما زيجات الصالونات، فعندما تُدار بوعي، وتُمنح الوقت الكافي للتعارف والتقييم المتدرج، فإنها تتيح فرصة حقيقية لبناء مشاعر ناضجة، لا اندفاعية.
خطورة “الفتى السيئ” والابتزاز العاطفي
حذّر المهندس إيهاب معوّض من الانجذاب إلى ما يُعرف بـ“الـBad Boy”، موضحًا أن هذا النموذج غالبًا ما يكون محترفًا في إثارة المشاعر، لكنه غير صالح للاستقرار.
كما شدّد على خطورة الابتزاز العاطفي أو الجسدي خلال الخطوبة، مؤكدًا أن أي رجل يهدد امرأة بقطع العلاقة إن لم تتنازل عن حدودها، هو رجل لا يصلح زوجًا، لأن الأمان هو الاحتياج الأول للمرأة، ومن يهددها يفقد صفة الأمان من الأساس.
أزمة بيت العائلة… حين يتحول الزواج إلى انتحار اجتماعي
وصف الضيف الزواج في “بيت العائلة” – في أغلب حالاته – بأنه قنبلة موقوتة، خاصة في البيئات التي تتداخل فيها الحدود، وتمتلك فيها الأم أو الأخوات مفاتيح بيت الزوجية.
وبيّن أن أكثر من 80% من النزاعات الزوجية التي تنتهي بالطلاق في بعض المناطق، تعود جذورها إلى هذا النمط من السكن، لما يسببه من انتهاك للخصوصية، وإعادة إنتاج للذكورية السامة، وتهميشٍ كامل للزوجة.
التربية الغائبة… الجريمة المشتركة
أكد الحوار أن الأسرة والمجتمع شريكان أساسيان في هذه الأزمة. فالفتاة لا تُربّى على دور الزوجة والأم، والشاب لا يُهيّأ نفسيًا لمسؤولية القيادة والرعاية.
وتساءل الضيف بمرارة:
كيف نُدرّس الطب والهندسة عشرات السنين، ولا نُدرّس سنةً واحدة عن الزواج، وإدارة الخلاف، وبناء الأسرة؟
الحل يبدأ من الوعي لا من المنع
في ختام الحوار، شدّد المهندس إيهاب معوّض على أن الطلاق في ذاته ليس شرًا مطلقًا، بل شُرع كحلٍ إنساني عند استحالة الاستمرار. لكن الكارثة هي تفشي الطلاق نتيجة سوء الاختيار، وضعف الوعي، وغياب التربية.
والحل – كما أكد – يبدأ من:
-
إعداد نفسي واجتماعي حقيقي قبل الزواج
-
اختيار الشريك المتشابه في القيم لا الأوهام
-
التدرج في التعارف لا الاندفاع
-
كتابة الشروط بوضوح
-
وتقديم الأسرة على الرغبات الفردية
فالزواج ليس مغامرة عاطفية، بل مشروع حياة، لا ينجح إلا بالوعي، لا بالغريزة وحدها.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا إيهاب معوض

لا تعليق