بدأت بـ25 ألف  وانتهت بشركة بتنافس دُوَل|| شاب بيصنع منتجات بمعايير عالمية وبلمسة مصرية مع أحمد عادل

بدأت بـ25 ألف..وانتهت بشركة بتنافس دُوَل|| شاب بيصنع منتجات بمعايير عالمية وبلمسة مصرية مع أحمد عادل


في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرةٍ غير مسبوقة، لم تعد المنافسة محصورة بين الشركات وحدها، بل أصبحت ـ كما يصفها كثير من روّاد الأعمال ـ منافسةً بين “دولٍ” تمتلك سلاسل إمدادٍ عملاقة، وبنى تحتية بحثية، وقدرةً تسويقية تتجاوز الحدود. في هذا السياق برزت تجربة المهندس أحمد عادل مؤسس شركة “كاردو” بوصفها قصةً مصريةً لافتة؛ قصةٌ تجمع بين الجرأة في اتخاذ القرار، والصرامة في تقييم الفرص، والإيمان بأن المنتج المتقن يمكنه أن يفرض احترامه حتى داخل أكثر الأسواق شراسة.

منافسة تتجاوز الشركات إلى الدول

يرى أحمد عادل أن دخول قطاع الأجهزة الذكية القابلة للارتداء والملحقات التقنية ليس طريقًا سهلًا؛ لأن اللاعب الحقيقي في هذا المجال ليس شركةً بعينها، بل منظومةٌ كاملة تمثل دولةً أو أكثر. فالولايات المتحدة لديها علامات راسخة، وكوريا لديها علامات عملاقة، والصين لديها عدد كبير من العلامات القادرة على طرح منتجات متنوعة بسرعة هائلة وبأسعار متقاربة، بينما تفتقر مناطق واسعة مثل الشرق الأوسط وإفريقيا ـ في نظره ـ إلى حضور قوي في هذا القطاع. ومع ذلك، اعتبر أن هذه “الفجوة” ليست سببًا للانسحاب، بل فرصة لصناعة علامةٍ محلية ذات طموح عالمي.

كواليس “شارك تانك”: لماذا قال “لا”؟

أحد أبرز المشاهد التي لفتت الأنظار كان ظهور “كاردو” في برنامج “شارك تانك”، حيث دار الحديث عن عرضٍ استثماري كبير قُدِّر بنحو مئة مليون جنيه. يوضح أحمد عادل أن المسألة لم تكن “رفضًا” بالمعنى السطحي، بل كانت قرارًا استثماريًا محسوبًا: فقبول عرضٍ بشروطٍ مجحفة قد يحقق سيولةً فورية، لكنه قد يُفقد الشركة نموّها المستقبلي ويقيّد حريتها. لذلك اعتبر أن القرار الحقيقي كان: التنازل عن مبلغٍ كبير اليوم مقابل الحفاظ على قيمة أكبر غدًا.

ويضيف أن تقييم الشركة حين شاركت في البرنامج كان يقترب من 10 ملايين دولار، ثم تجاوز في وقتٍ قصير حدود 15 مليونًا، وهو ما جعل أي تفاوضٍ يجب أن يحترم منطق التقييم، لا أن يفرض نسبًا مبالغًا فيها من الملكية. فالتقييم ـ كما يشدد ـ لا يُبنى على الانطباعات أو الحماس، بل على عمليات تدقيق طويلة، وقراءة للسوق، وتحليل للمبيعات وحصة السوق المتوقعة. ولهذا، كان من الطبيعي أن يرفض أي صفقة تُعامل الأرقام وكأنها قابلة للخصم العشوائي.

درسٌ من المستثمرين: التنفيذ أهم من الكلام

من أكثر ما أسعد أحمد عادل في تلك التجربة أن بعض المستثمرين عندما أمسكوا المنتجات قالوا بوضوح إن المنتج “جميل” ومقنع؛ لأن هذا تحديدًا هو جوهر فلسفة الشركة: أن يكون المنتج نفسه حجةً قائمة بذاتها. وفي المقابل، كان ما أزعجه هو عدم إدراك بعضهم لحجم الفرصة، أو التشكيك في قدرة فريق محلي على تنفيذ ما يبدو “مستحيلًا” في أذهان البعض.

إلا أن أحمد عادل يعيد التأكيد على فكرةٍ محورية: العالم تغيّر، ولم يعد امتلاك الفكرة كافيًا، بل أصبح التنفيذ هو الفارق الحقيقي. فمن يستطيع أن ينفّذ بسرعة، ويختبر، ويعدّل، ويتفاعل مع السوق، يملك ميزة تنافسية أكبر من مجرد الادعاء أو العرض النظري.

المنتج أولًا: “قطعة فن” قابلة للاستخدام اليومي

يصف أحمد عادل كل منتج في “كاردو” بأنه “ابتكار” أقرب إلى “قطعة فن”؛ ليس بمعنى الزينة، بل بمعنى أن التصميم والوظيفة والتجربة يجب أن تتكامل لتصبح جزءًا من حياة المستخدم يوميًا. وهنا تظهر صعوبة القطاع: أنت لا تبيع شيئًا ثانويًا، بل تبيع ساعةً تُلبس كل يوم، أو ميزانًا يُستخدم باستمرار، أو سماعاتٍ ترافق المستخدم في تفاصيل حياته.

ومن هذا المنطلق، تعتمد الشركة على أبحاث سوق واسعة: استبيانات، مجموعات نقاش، تحليل سلوك المستخدمين، والاستماع إلى شرائح مختلفة. والمفاجأة التي يذكرها أحمد عادل أن نسبة كبيرة من المستخدمين في السوق المصري ـ مثلًا ـ قد تضع التصميم والشكل في المرتبة الأولى عند شراء ساعةٍ ذكية، قبل ميزات الصحة والقياسات. هذا لا يعني أن الناس لا تهتم بالصحة، بل يعني أن “بوابة الدخول” غالبًا هي الانطباع البصري والهوية.

حين يفشل الاستطلاع… وينجح المنتج

من التجارب التي يذكرها أحمد عادل مشروع جهاز للكتابة الرقمية (لوح كتابة ذكي). تشير أبحاث السوق في البداية إلى تشاؤم شديد: الناس تقترح سعرًا منخفضًا جدًا، وبعضهم لا يفهم الفكرة أصلًا. لكن الشركة قررت ألا تتعامل مع النتيجة بوصفها “حكمًا نهائيًا”، بل بوصفها إشارة إلى مشكلة مختلفة: المستخدم لا يرفض الفكرة، بل لا يعرف قيمتها.

هنا ظهر دور “تثقيف العميل”. أنت لا تكتفي بإطلاق المنتج، بل تشرح: كيف سيستخدمه الطبيب؟ وكيف سيستفيد منه المهندس؟ وكيف يساعد العامل المكتبي أو الطالب؟ وقد أدى ذلك إلى قلب المعادلة، ونجاحٍ سريع تجاوز توقعات البيع خلال فترة قصيرة. الدرس هنا واضح: أبحاث السوق مهمة جدًا، لكنها قد تفشل إذا كانت المشكلة في الوعي لا في الحاجة.

استراتيجية التسعير: ليس الأرخص… بل الأفضل

يرفض أحمد عادل فكرة أن النجاح مرتبط بتقديم الأرخص دائمًا. ويستشهد ببدايات منتج نظارات الواقع الافتراضي التي عانت من ركودٍ في المبيعات رغم انخفاض السعر؛ لأن السعر المنخفض ـ في بعض الحالات ـ قد يرسل إشارة سلبية عن الجودة. وعندما رُفع السعر وجرى تحسين طريقة التسويق وشرح الفوائد، تغيّر الطلب سريعًا.

النتيجة: الناس لا تبحث دائمًا عن الأرخص، بل عن الأفضل قيمةً: جودة، خدمة ما بعد البيع، ضمان، تجربة استخدام، وثقة في العلامة. لذلك، استثمرت “كاردو” في خدمة عملاء ممتدة، وصيانة واستلام من المنزل، وتغطية جغرافية واسعة، وسياسة واضحة للتعامل مع الأعطال.

الشفافية مع الأخطاء: ثقافة “التحديث” بدل الإنكار

في قطاع الأجهزة الذكية، الأعطال البرمجية واردة، وقد يكفي تحديثٌ واحد لإصلاح خلل يظهر بعد تحديث نظام تشغيل جديد. لكن المشكلة ـ كما يشرح أحمد عادل ـ أن بعض المستخدمين لا يثقون بفكرة “سيتوفر تحديثٌ يحل المشكلة”، لأنهم اعتادوا على ثقافة الإنكار أو التهرب. لذلك تبنّت الشركة نهجًا مختلفًا: الاعتراف بالمشكلات المعروفة، وتوثيقها، وتحديد مسار حلها، بدل الاكتفاء بالوعود العامة.

ويؤكد أن وجود جهةٍ قوية لحماية المستهلك جزء من ضبط السوق، حتى لو بدا الأمر صعبًا على الشركات؛ لأن الضغط يدفع الشركات للالتزام والشفافية وتحسين الجودة باستمرار.

الذكاء الاصطناعي: “عقل بلا جسد”… ونحن نصنع الجسد

في رؤيته للمستقبل، يصف أحمد عادل الذكاء الاصطناعي بأنه “عقل” يتحدث ويقترح، لكنه بلا “جسد” ينفّذ في العالم الحقيقي. وهنا يأتي دور الأجهزة الذكية: ساعة وميزان وأجهزة منزلية وغيرها، تتكامل لتصبح أدوات تنفيذ لقرارات الذكاء الاصطناعي. فبدلًا من أن يجيبك الذكاء الاصطناعي فقط، يصبح قادرًا على تفعيل إجراءات: تذكير، تعديل نمط، اقتراح سلوك، وربما في المستقبل تنفيذ مهام متصلة بأجهزة المنزل والسيارة.

ويضيف أن التطور في هذا المجال لا يحتاج خمس سنوات كما يظن البعض، بل قد يحدث خلال أشهر قليلة، لأن دورة الابتكار أصبحت أسرع مما اعتاد الناس.

نحو العالمية: السعودية محطة منطقية

بعد نجاح محلي، يرى أحمد عادل أن التوسع الإقليمي خطوة طبيعية، ويضع السوق السعودي ضمن أولوياته لأسبابٍ تتعلق بحجم السوق، وقربه الثقافي، ووجود منظومات دعم للابتكار والشركات الناشئة. لكنه يكرر القاعدة نفسها: المنتج يجب أن يُصمَّم وفق احتياجات المستخدم وسلوكه وثقافته، لا أن يُنقل كما هو ثم يُفرض على الناس.

خلاصة التجربة: “لا” كثيرة… لكن “نعم” واحدة تصنع الفارق

تجربة “كاردو” كما يرويها أحمد عادل ليست قصة نجاحٍ رومانسي، بل قصة قرارات قاسية، و”لا” قيلت في توقيتات صعبة، ورهانٍ دائم على المنتج والتنفيذ والشفافية. وهي رسالة واضحة: إذا أردت أن تنافس في سوقٍ عالمي، فلا بد أن تفهم الناس والمال معًا، وأن تحترم أرقامك، وأن تدافع عن رؤيتك، وأن تؤمن بأن الابتكار ليس اختراعًا فقط، بل منظومة كاملة تبدأ من فهم المستخدم ولا تنتهي عند خدمة ما بعد البيع.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد عادل

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *