يصف مصطفى عبد اللطيف واقع أسيوط والصعيد عمومًا بأنه واقع مليء بالتحديات، ليس بسبب نقص العقول أو غياب الطموح، بل لأن الفرص أقل، والبرامج التدريبية الجيدة كانت نادرة، خاصة في الفترة بين عامي 2011 و2012. لذلك اضطر وهو لا يزال طالبًا في الجامعة إلى السفر المتكرر إلى القاهرة بحثًا عن فرص تعلم مختلفة، ليتعلم مهارات لا توفرها البيئة المحيطة بسهولة، ويقابل أشخاصًا أكثر خبرة ويستفيد من مستوى أعلى في التدريب والانفتاح المهني.
لم يكن الانتقال للقاهرة رفاهية، بل كان ضرورة. فقد كان يشعر أن التطور المهني في تلك الفترة يحتاج حضورًا مباشرًا ودخولًا إلى بيئات تدريبية لم تكن متاحة في محافظته. ومع الوقت أصبح هذا الأسلوب جزءًا من حياته، حتى اعتاده أهله وتقبّلوا الأمر كواقع.
الدراسة ليست دائمًا “الحلم”… والانضباط قد يكون أقوى من الشغف
يشير مصطفى إلى نقطة مهمة: ليس شرطًا أن تكون الدراسة هي الشغف الأول حتى ينجح الإنسان. فقد كان يرغب في دراسة السياسة والاقتصاد، لكنه لم يستطع الانتقال للقاهرة لدخول هذا المجال، فدخل كلية الهندسة في أسيوط باعتبارها الخيار المتاح الأفضل وفق ظروفه. ومع ذلك لم يقدّم نفسه كضحية “لكسر حلم”، بل تبنى فلسفة مختلفة: الاجتهاد في المتاح، وإتقان ما بين اليدين، ثم بناء الطريق خطوة خطوة.
ويؤكد أنه لا يؤمن بفكرة انتظار “الشغف” ليبدأ الإنسان، بل يرى أن الالتزام والانضباط هما القاعدة الأهم. فالإنسان قد لا يتحكم في ظروفه دائمًا، لكن يتحكم في قدرته على العمل بإتقان، وتطوير نفسه، والاستمرار حتى مع ما يكره أو لا يفضله.
من المبادرات إلى الاستدامة: كيف وُلدت فكرة التحول لشركة
يشرح مصطفى أن المبادرات التطوعية التي بدأت بها التجربة كانت قادرة على تقديم تعليم مجاني لآلاف الأشخاص، لكنها كانت تعتمد على منح وتمويلات خارجية عبر وسطاء، وهذا كان يجعل الاستمرار صعبًا وغير مضمون. فحين تكون الأموال بيد جهة أخرى تتحكم في القرار، يصبح من المستحيل بناء منظومة مستقلة ومستدامة، كما يصبح من الصعب دفع مقابل عادل للأشخاص الذين يعملون ويقدّمون مجهودًا ضخمًا.
ومن هنا جاءت نقطة التحول: السفر إلى الولايات المتحدة ضمن منحة تدريبية في ريادة الأعمال الاجتماعية، حيث تعلّم كيف تتحول المبادرات إلى مشاريع مستدامة قادرة على الاستمرار دون الاعتماد على دعم خارجي دائم. هناك اكتسب أيضًا عادة “النظام”، وتعلم أن النجاح ليس لحظة عابرة بل هو “عملية” تنجح إذا التزم الإنسان بالمنهج والعمل المتكرر.
كورونا: لحظة الأزمة التي تحولت إلى نقطة انطلاق
حين جاءت جائحة كورونا وأغلقت الأنشطة والتجمعات، حدث ما يشبه الصدمة للجميع، لكن مصطفى تعامل معها كفرصة. فقد تم إغلاق مقر الشركة بالشمع، لأن الجهات اعتقدت أنه مركز تدريبي به تجمعات. لكن بدلًا من التوقف، قرر الفريق الانتقال فورًا إلى التعليم عبر الإنترنت في اليوم التالي مباشرة.
المثير في القصة أن الانطلاقة الرقمية لم تبدأ بنظام معقد ولا بتطبيقات ضخمة ولا بمنصة احترافية، بل بأدوات بسيطة جدًا: دفع إلكتروني بسيط، ثم تجميع المتدربين في مجموعات واتساب، وإرسال رابط “GoToMeeting”، وانتهى الأمر. ومع ذلك كانت الأعداد ضخمة، ووصلوا أحيانًا إلى آلاف المتعلمين يوميًا، رغم أن الفريق كله كان لا يتجاوز عشرة أشخاص تقريبًا.
هذه التجربة قدمت درسًا واضحًا: لا تنتظر الظروف المثالية لتبدأ. فالتعليم هو الأساس، أما المنصة والتطبيق فهما أدوات مساعدة يمكن تطويرها لاحقًا.
التوسع والتمويل: من تشغيل بسيط إلى استثمار وخطوات إقليمية
مع النجاح السريع في التدريب عبر الإنترنت، بدأ اهتمام المؤسسات والشركات بالتعاون معهم. ثم جاءت مرحلة الاستثمار الأولى، التي ساعدت على بناء موقع بسيط (حتى لو كانت تكلفته كبيرة لاحقًا)، وتطوير الفريق، وإضافة وظائف مؤسسية مهمة مثل الموارد البشرية، وتحسين المنتج التعليمي تدريجيًا.
ثم جاءت جولة تمويل أكبر لاحقًا، ساعدت على فتح أبواب التوسع خارج مصر، خاصة في الإمارات. وهناك اكتشف مصطفى أن المنافسة تختلف: أنت لا تنافس شركات محلية فقط، بل تنافس علامات عالمية قوية وخبرات متنوعة. في البداية كانت نسبة الفوز بالعطاءات “صفر”، ثم بدأوا يتعلمون كيف يطورون عروضهم الفنية، ويقارنون أنفسهم بالمنافسين، ويضاعفون الجهد حتى يفوزوا بمناقصات كبيرة ويحققوا أرقامًا أعلى من المعتاد.
فلسفة الرفض والمحاولة: كيف يتعامل رائد الأعمال مع الفشل؟
يضع مصطفى قاعدة بسيطة: الرفض لا يعني النهاية. قد تقدم عشرات العروض في الشهر، وتُرفض مرات عديدة، لكن المهم أن تسأل: لماذا رُفضت؟ وكيف تتحسن؟ ثم تعود للتقديم من جديد. وهذا التفكير نابع من إيمان داخلي بأن ما لم يحدث لم يكن خيرًا في وقته، وأن الاستمرار أهم من الانفعال.
كما يرفض فكرة “العمل المجاني ثم التحول للمدفوع” كنموذج دائم، لأن الجمهور إذا اعتاد أن الخدمة مجانية سيصعب عليه قبول الدفع لاحقًا. لذلك يرى أن البداية الصحيحة تكون بخدمة مدفوعة مع إمكانية تقديم خصومات، لكن دون جعل المجانية هي الأصل.
الذكاء الاصطناعي القادم: منظومة مغلقة قائمة على خبرة متراكمة
من أكثر النقاط إثارة في التجربة حديثه عن الخطوة القادمة: إطلاق نظام متكامل يعتمد على الذكاء الاصطناعي، لكن ليس بطريقة “البحث المفتوح” التي قد تأتي بمعلومات غير مؤكدة. بل يخططون لبناء نظام مغلق يتغذى من محتواهم المعتمد، وتسجيلاتهم، وتفاعلات المدربين والمتدربين، والأسئلة والإجابات التي تراكمت عبر السنوات، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي مرشدًا تعليمياً قائمًا على خبرة موثقة داخل المنظومة.
خاتمة: حين تكون الأحلام عملية… تصبح قابلة للتحقق
قصة مصطفى عبد اللطيف ليست فقط عن تأسيس شركة تعليم، بل عن عقلية تعتبر الانضباط أصلًا، وترى أن التعلم رحلة، وأن بناء الأنظمة يبدأ من أبسط الأدوات ثم يتطور بالتدريج. وهي أيضًا رسالة واضحة لكل من يظن أن النجاح يحتاج منصة كاملة قبل البداية: قد تبدأ “بشكل بدائي”، لكنك إن بدأت فعلًا وواصلت، فستصل إلى منظومة متكاملة تخدم ملايين الناس.
وفي النهاية، يبقى طموح مصطفى أن تصل التجربة إلى نطاق أكبر، وأن تحقق أرقامًا أعلى في عدد المتعلمين والتوظيف، وربما تصل إلى مرحلة الإدراج في البورصة خلال سنوات قليلة، كخطوة تؤكد أن المشروع لم يعد مجرد فكرة، بل أصبح تجربة عربية قابلة للنمو والتأثير عالميًا.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا مصطفي عبد اللطيف

لا تعليق