محنة ومنحة   اسمها تسنيم ||أم رأت النعمة حيث رأى الناس الابتلاء||صدام ما بين نظرة المجتمع وصبر أم

محنة ومنحة.. اسمها تسنيم ||أم رأت النعمة حيث رأى الناس الابتلاء||صدام ما بين نظرة المجتمع وصبر أم


في هذه الحلقة المؤثرة استضفنا الأستاذة سارة، الأم والطبيبة والشاعرة، لتروي لنا حكاية ابنتها تسنيم؛ الطفلة التي تعيش تحديات صحية وعصبية معقدة، وتخوض معها الأسرة رحلة يومية شاقة بين الألم والرجاء. لم تكن القصة مجرد سرد لمعاناة شخصية، بل تحوّلت على لسان الأستاذة سارة إلى شهادة إنسانية تفتح أعيننا على معنى النعمة، وحدود التكليف، ومسؤولية المجتمع في التعامل مع ذوي الهمم باحترام ووعي.

بداية القصة: تشخيص مبكر ومسار طبي معقد

تبدأ رحلة تسنيم قبل الولادة، حين ظهر في الفحوصات ما يشير إلى متلازمة “داندي ووكر”، وهي حالة تتعلق بتكوّن جزء من المخيخ، وقد يصاحبها كيس (سيست) ومشكلات في تصريف السوائل داخل الدماغ. بعد الولادة، تابعت الأسرة حالتها، وكانت المؤشرات في البداية مستقرة نسبيًا، إذ كانت السوائل تُصرَّف دون حاجة لتركيب صمام. لكن المتلازمة بطبيعتها لا ترتبط بعرض واحد، فقد تحمل احتمالات متشابكة؛ وقد أوضحت الأستاذة سارة أن بعض الحالات قد تترافق مع مشكلات أخرى في القلب أو الكلى أو الكبد، والحمد لله لم تكن تسنيم تعاني منها.

حين بدأت الأعراض تتكشف: توحد وتأخر ذهني وتدهور تدريجي

مع مرور الوقت ظهرت على تسنيم علامات التوحد والتأخر الذهني، ثم بدأت الحالة تتدهور بصورة أشد في السنوات الأخيرة. لم يقتصر الأمر على التحديات السلوكية والإدراكية، بل ظهرت مشكلة عضوية مؤلمة: ضمور في عصب إحدى الرجلين أدى إلى ضعف شديد وصعوبة في الحركة، مع نوبات قد تصل إلى شلل مؤقت يمنعها من المشي لفترات. كما تحدثت الأستاذة سارة عن تشنجات عصبية قاسية تزداد مع العمر، ما يفرض جرعات دوائية مرتفعة يصعب الاستغناء عنها رغم آثارها الجانبية المحتملة.

أمّ تقاتل وحدها: رعاية على مدار الساعة

تصف الأستاذة سارة حياتها بأنها دائرة لا تتوقف: رعاية وملاحظة وخوف دائم. فالتشنجات قد تأتي في أي لحظة، خصوصًا ليلًا، ما يجعل النوم نفسه حالة من الترقب. ولهذا اضطرت إلى تقليص كثير من خططها المهنية، رغم أنها طبيبة تعمل في مجال النساء والتوليد، لأن وجود تسنيم يحتاج إلى من يراقبها ويستجيب لأي طارئ فورًا. ومع ذلك لا تتحدث الأم بلغة الشكوى فقط، بل بلغة المسؤولية: “هذه أمانة”، كما تقول، وتؤمن أن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها.

لماذا “تيك توك”؟ بين الذكرى والتوعية

لم تأتِ فكرة نشر مقاطع تسنيم على وسائل التواصل بدافع الاستعراض، بل جاءت من لحظة إنسانية قاسية: رحلة قصيرة إلى البحر فرحت بها تسنيم، ثم أعقبتها أيام صعبة من تشنجات متقاربة كادت توقف التنفس وتسبب ازرقاقًا كاملًا. في تلك اللحظة، أدركت الأستاذة سارة هشاشة الوقت، وأن ما تفعله مع ابنتها من تدريب وتعليم ومهارات قد يصبح يومًا ما ذكرى تحفظ أثر تسنيم، وفي الوقت ذاته محتوى نافع لأمهات يواجهن الظروف نفسها. فالتعليم البسيط الذي يبدو عاديًا لدى الآخرين—مثل صب الماء في كوب أو الإمساك بالملعقة—قد يستغرق شهورًا من التدريب والتكرار لدى طفل يجمع بين التوحد والتأخر الذهني.

التنمر: ألمٌ إضافي فوق الألم

المؤلم أن بعض الناس قابلوا هذه المقاطع بالسخرية؛ صنعوا “كوميكس” ومقاطع تهكم، وكتبوا تعليقات جارحة وصلت إلى حد التساؤل المستفز عما “تشربه الأم لابنتها”. لم تجرح الأستاذة سارة فكرة النقد بقدر ما جرحها الجهل؛ فحتى من يمدح أحيانًا يمدح بلا فهم، ويتعامل مع تسنيم كأنها طفلة عادية يمكن إدخالها في مسابقات أو أعمال صوتية، بينما الحقيقة أنها تحتاج وقتًا طويلًا لتكوين كلمة صحيحة، وقد تختلط عليها المفاهيم الأساسية مثل الزمان والمكان. المشكلة ليست في اختلاف تسنيم، بل في عدم وعي المجتمع بكيفية تقدير الاختلاف.

“لا تكليف على غير مُكلَّف”: معنى عميق في التربية والرحمة

من أهم رسائل الحلقة أن الإنسان يجب أن يُعامل بقدر عقله وإدراكه؛ فليس من العدل أن نحمّل طفلًا غير مكلّف بما لم يُكلّفه الله به. تؤكد الأستاذة سارة أن وجود حالات مثل تسنيم على الأرض ليس “نقصًا” بل تذكير بالنعم؛ فكم من نعمة نعيشها بلا انتباه: القدرة على صعود السلم، أو احتمال الضوضاء، أو التحكم في الحركات الدقيقة. وتشرح أن طفل التوحد قد يمتلك حساسية سمعية أو بصرية مضاعفة؛ صوت الخلاط قد يبدو له زلزالًا، والازدحام قد يدفعه لنوبة غضب أو خوف، وأن العلاج الحقيقي ليس بالصراخ والعقاب، بل بالتدريب الهادئ والتدرّج والتعويد حتى يتعلم الدماغ العزل والتكيّف.

الأسرة والمجتمع: درجات متفاوتة من الفهم

تقول الأستاذة سارة إن الأسرة مع مرور السنين تعلّمت وتقبّلت وأحبّت تسنيم ببراءتها وخصوصيتها، بينما تأتي القسوة غالبًا من “البعيدين” الذين لا يعيشون التفاصيل. بعضهم يلوم: “لماذا تضيعين عمرك؟” وهي ترد بأن تسنيم رسالة، وأن الإنسان لا يعرف قيمة ما لديه إلا حين يرى من يفتقده. وتضرب مثالًا مؤثرًا بامرأة بسيطة قالت لها في المستشفى إن هناك أوجاعًا أكبر من خلافات البيت، لأنها ترعى ابنًا مشلولًا بالكامل؛ عندها يصبح العتاب اليومي رفاهية لا معنى لها.

رسالة أخيرة: الكلمة الطيبة نجاة… والتنمر سقوط

تختم الأستاذة سارة رسالتها لكل متنمّر: تذكّر أنك قد تصبح في لحظة واحدة في موضع من تسخر منه؛ مرض مفاجئ أو حادث أو أزمة صحية قد تبدل حياة الإنسان بالكامل. فهل تحب أن تُقابَل وقت ضعفك بالازدراء؟ ثم تضيف أن المتنمّر غالبًا يحمل مشكلة داخلية، ولذلك تشفق عليه أكثر مما تغضب منه.

خاتمة: من الألم يولد الشعر… ومن الصبر يولد النور

وسط هذه الرحلة، لم تفقد الأستاذة سارة إنسانيتها ولا جمال روحها؛ فقد عادت إلى الأدب والشعر، وكتبت لتسنيم قصائد تهديها لها، وكأنها تقول: إن الألم قد يجرح، لكنه قد يصنع معنى. وتبقى تسنيم—بضحكتها وأغنيتها ومحاولاتها الصغيرة—مرآةً تذكّرنا أننا نعيش في “بحر من النعم” لا نشعر به، وأن الرحمة ليست خيارًا اجتماعيًا، بل واجبٌ أخلاقي وديني وإنساني.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفتنا الاستاذة سارة

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *