"صنع في مصر" Simplex نموذج نجاح للصناعة المصرية

"صنع في مصر" Simplex نموذج نجاح للصناعة المصرية


في هذه الحلقة التي نستضيف فيها رائد الأعمال المصري أحمد شعبان، تتكشف أمامنا حكاية مختلفة عن السائد في عالم الشركات الناشئة؛ حكاية لا تبدأ بتطبيق أو منصة رقمية، بل تبدأ من قلب ورش التصنيع، ومن سؤالٍ صعب: لماذا نظل نشتري كل شيء من الخارج، بينما نستطيع أن نصنع هنا؟ أحمد شعبان لم يكتفِ بالحلم، بل دخل ميدانًا شديد القسوة: الصناعة الثقيلة، حيث الأخطاء مكلفة، والإجراءات مرهقة، والثقة أصعب من التمويل.

صناعة مصرية وسط دهشة الناس

يروي أحمد أن أول ما صدمه في رحلته لم يكن تعقيد الماكينات، بل نظرة الناس ذاتها. في معارض خارج مصر، كان يرفع علم مصر بفخر، ثم يلاحظ أن الزوار يمرّون على الجناح وينصرفون سريعًا. حتى جاءه أحدهم صراحةً: “نعرف عنكم أسماءً في الغناء الشعبي، لكن لا نعرف عنكم الصناعة!”. كانت جملة موجعة، لكنها واقعية؛ فالصورة الذهنية عن “المنتج المصري” في بعض الأسواق كانت ضعيفة للغاية.

ولأن المنافسة شرسة، اضطر الفريق في البداية إلى استخدام حيلة تسويقية مؤقتة: أن يُقال إن المنتج “صُنع في الصين”. والمفارقة أن هذا منحهم فرصة البيع الأولى، ثم بعد أن بدأت الجودة تظهر، والزبائن يجرّبون ويثقون، تلاشت الحاجة لهذا الأسلوب تمامًا، وأصبح اسم الشركة يُعرف تدريجيًا في أكثر من دولة.

البدايات: هندسة بالقرار… وشغف بالتجارة

نشأ أحمد في نجع حمّادي، وتخرج في كلية الهندسة عام 2011. لكنه يعترف بصراحة أن دخوله الهندسة لم يكن نتيجة “شغف هندسي خالص”، بل كان جزءًا من قرار أسري، بينما كان هو ميّالًا منذ صغره للتجارة والبيع، واشتغل مع والده مبكرًا.

ويحكي عن سنوات الثانوية كمنعطف غريب؛ فقد مرّ بفترة فوضى وعدم اهتمام، ثم حدثت ظروف عائلية قاسية جعلته يشعر بالمسؤولية فجأة، فانقلب أداؤه الدراسي رأسًا على عقب وحقق مجموعًا مرتفعًا، لتبدأ العائلة في تغيير توقعاتها وطموحاتها عنه. هذه التحولات صنعت لديه قناعة مبكرة: أن الإنسان قد يملك طاقات لا يكتشفها إلا تحت الضغط.

مشروع تخرج غير تقليدي… وبوابة إلى الصناعة

في الجامعة، رفض أحمد وفريقه منطق “مشروع التخرج التقليدي” الذي ينتهي بتقرير ورقي. اختاروا العمل على مشروع تطبيقي، وشاركوا في مسابقات، وحاولوا جذب شركات كبرى لرعاية الفكرة. يتذكر كيف كان يطوف المعارض يجمع كتالوجات الشركات، ثم يعود ليتصل بهم واحدًا واحدًا حتى يملّوا منه… إلى أن استجابت شركة كبيرة أخيرًا، وجاء من يمثلها ليرى المشروع.

هذه المرحلة لم تمنحهم تمويلًا بقدر ما منحتهم شيئًا أهم: ثقة أولية بأن ما يفعلونه يمكن أن يُرى كمنتج حقيقي، لا كمجرد تدريب جامعي.

درس مبكر: كيف تُبنى “سلاسل التوريد” في بلد يستهلك كثيرًا ولا يصنع بما يكفي

عندما بدأ الحديث عن تصنيع ماكينات (CNC) محليًا، اصطدم أحمد بحقيقة قاسية: الصناعة ليست “فكرة” فقط، بل هي منظومة كاملة من الموردين، وقطع الغيار، والخامات، والمقاييس الدقيقة. وهو يرى أن أحد مشاكلنا أن السوق يطلب، لكن الشبكة التي تخدم المصنع ليست مكتملة؛ فتجد المصانع مضطرة لاستيراد كل شيء، ثم تتعطل بسبب تفصيلة صغيرة.

ويضرب أمثلة على الفجوة: في دول أخرى، توجد أسواق متخصصة لمكونات الماكينات الصناعية، أما هنا فقد يُعرَّف جزء أساسي بمنطق “اسم العربية” أو “استخدام منزلي”، بينما الصناعة تحتاج مواصفات هندسية دقيقة. لذلك يرى أن المنافسة المحلية ليست تهديدًا، بل نعمة؛ لأنها تخلق موردين محليين وتبني منظومة تساعد الجميع.

«المنتج المصري» لا يُقنع بالكلام… بل بالخدمة

من أخطر العوائق التي واجهتهم: الثقة. كثيرون كانوا يقولون ببساطة: “لا أشتري كوتش مصري… فكيف أشتري ماكينة بمئات الآلاف؟”. هنا يشرح أحمد أن الحل لم يكن في الشعارات، بل في استراتيجية مزدوجة:

  1. تسعير ذكي في البداية: كانوا أحيانًا يطرحون ماكينة بسعر أقل بكثير من البديل الصيني، ليقللوا مخاطرة التجربة لدى العميل.

  2. خدمة ما قبل البيع وما بعده: التدريب، التركيب، المتابعة، حل المشكلات بسرعة… لأن العميل في النهاية لا يهمه “أصل المنتج” بقدر ما يهمه أن يعمل ويُصلَّح ويستمر.

وبهذا استطاعوا الدخول إلى مصانع كبيرة وأسماء مؤثرة، حين أدركت هذه الجهات أن ما يُشترى ليس مجرد ماكينة، بل منظومة دعم حقيقية.

بيروقراطية الصناعة: سجل صناعي قد يستغرق سنوات

يتحدث أحمد بوضوح عن البيئة التنظيمية، ويقول إن الصناعة في مصر “ليست سهلة”، ليس لأن التصنيع مستحيل، بل لأن الإجراءات معقدة، وقد تستنزف سنوات من عمر الشركة. يذكر مثالًا على السجل الصناعي وكيف تأخر سنوات بسبب تفاصيل تتعلق بالموقع والكود الصناعي وتصنيفات لا تعترف أصلًا بنوع النشاط الجديد.

ويضيف أن بعض المفارقات تقتل التنافسية: استيراد ماكينة كاملة قد يكون عليه رسوم أقل، بينما استيراد “مكوّن” تحتاجه لتصنيع نفس الماكينة محليًا قد يكون عليه رسوم أعلى؛ فتُعاقَب الصناعة قبل أن تبدأ.

لماذا شاركوا في Shark Tank؟

يقول أحمد إن المشاركة في البرنامج كانت لها ثلاثة أهداف واضحة:

  • فتح باب تمويل جديد بعد فترة طويلة بلا استثمار.

  • حملة علاقات عامة ضخمة “مجانًا” تُعرّف الناس بالاسم والمنتج.

  • جذب كوادر أقوى للعمل، لأن سمعة الشركة ومكانها في السوق يؤثران على قرار المهندسين والموظفين.

ويؤكد أن الظهور الإعلامي سلاح ذو حدّين: إن لم تكن مستعدًا بسلاسل توريد، ومخزون، ومبيعات، وتجربة عميل جيدة، فقد يتحول الزخم إلى أزمة. لذلك جهزوا أنفسهم قبل الحلقة بسياسة واضحة للتعامل مع الزيادة المتوقعة في الطلب.

خلاصة التجربة: الصناعة تحتاج صبرًا… لكنها تصنع دولة

في النهاية، رسالة أحمد شعبان ليست “قصة نجاح وردية”، بل شهادة واقعية: الصناعة طريق طويل، مليء بالأخطاء والإصلاحات والخسائر المؤقتة والضغط النفسي. لكنه يكرر قناعة أساسية: الدول لا تُبنى بالخدمات وحدها؛ فالتكنولوجيا مهمة، لكن بجوارها يجب أن تقف الزراعة والصناعة، لأنهما يشكلان عمق الاقتصاد الحقيقي.

ويرى أن مصر سوق ضخم يستهلك كثيرًا، وهذا وحده كفيل بإقامة مصانع عديدة تغطي الاحتياج المحلي أولًا، ثم تتوسع. أما التحدي الأكبر فهو أن تتغير الثقافة: أن يتوقف البعض عن احتقار المنتج المحلي قبل أن يجرّبه، وأن تتحول الأنظمة إلى بيئة أسهل، لأن “سلاسة الطريق” تعني أن محاولات أكثر ستولد، وشركات أكثر ستنجح.

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد شعبان

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *