في لقاءٍ خاص من بودكاست 360، نستضيف مجدداً الأستاذ أحمد صبيح ليحكي قصة انتقاله من تجارة بسيطة إلى مشروع عربي طموح هدفه صناعة محتوى آمن وهادف للأطفال، تحت اسم «جيل». وبين منعطفات العمل، وتحديات التمويل، وتعقيدات صناعة الأنيميشن، تتشكل رحلة ممتدة تعكس إصرارًا على بناء بديل تربوي يليق بهويتنا وثقافتنا.
بدايات غير متوقعة: تجارة مبكرة وتعلّم من الشارع
يؤكد أحمد صبيح أن بداياته لم تكن في عالم الإعلام ولا البرمجة، بل بدأت من حب التجارة في سن مبكرة، حيث عمل في بيع الملابس وتنظيم معارض صغيرة، وكان يميل بطبيعته للتعامل مع الأطفال وفهم سلوكهم وما يجذبهم. ومع الوقت اكتشف أن استمرار العمل بهذه الطريقة مرهق، وأن السوق يتغير سريعًا، فبحث عن مسار جديد يضمن الاستقرار ويتيح فرصًا أكبر للنمو.
ومن موقف بسيط في أحد الأسواق—حين طُلب منه أن يبتعد عن مكان البيع—بدأت فكرة التحول تتبلور: لماذا لا يترك “القفص” والتجارة التقليدية، ويرتدي “الكرافات” ويعمل في شركة، ويبدأ رحلة مختلفة تحت سقف “التكييف” كما يصفها ساخرًا؟
الدخول إلى عالم السوفت وير والمحتوى: من البيع إلى فهم الصناعة
ينقلنا صبيح إلى محطة مهمة حين التحق بشركة سوفت وير كانت من الشركات الكبرى في وقتها، تقدم منتجات للكبار والصغار. هذه التجربة جعلته يقترب من عالم المحتوى والمنتجات الرقمية، ثم انتقل بعدها إلى شركة أخرى متخصصة أكثر في مجال الأطفال والكونتنت، إلى أن اتخذ قرارًا مبكرًا بتأسيس شركته الخاصة.
ورغم أنه لم يكن يملك خلفية تقنية عميقة—بل يصف نفسه بأنه “رجل مبيعات” في الأساس—إلا أنه تعلم عمليًا بالاحتكاك اليومي، وخاض تجارب طويلة في المونتاج الصوتي والعمل الإنتاجي ساعات ممتدة، مؤكدًا أن “الفهم الحقيقي لما يقدمه” كان أهم لديه من تعلم كل التفاصيل الفنية بنفسه.
الإنتاج المبكر: مشاريع دينية وتربوية فتحت الطريق
بدأت التجارب الإنتاجية الأولى بأعمال متعددة: شرائط صوتية، ومشاريع تربط بين القيم الدينية والسلوك، ثم جاءت شرارة التحول الحقيقية عبر مشروعين تركا أثرًا واضحًا في تفكيره:
-
مشروع بصياغات تربوية جذابة تربط بين المعاني القرآنية وواقع الناس وسلوكهم.
-
ومحاولة إنتاج رسوم متحركة تحكي قصصًا من السيرة النبوية، بجودة عالية وتحديات كبيرة لأن أسلوب “فريم بفريم” يتطلب جهدًا ووقتًا ضخمين.
هنا بدأ إدراكه يتوسع: صناعة المحتوى ليست مجرد فكرة جميلة، بل منظومة إنتاج ومعايير وجودة وسوق.
سؤال الأمان: لماذا نحتاج بديلًا عربيًا حقيقيًا؟
يتوقف صبيح كثيرًا أمام أزمة المحتوى الموجه للأطفال، ويؤكد أن المشكلة ليست فقط في قلة المحتوى العربي، بل في أن الجزء الأكبر من المعروض عالميًا لا يراعي قيم الأسرة العربية، حتى لو “فلترنا” ما نراه غير مناسب. فالتحدي لا يتعلق بالمشاهد وحدها، بل بالشخصيات التي يتعلّق بها الطفل، وبالرسائل التي تتكرر في خلفية القصص، وبالتحولات الثقافية التي تدخل البيوت بهدوء.
كما يلفت إلى واقع صادم: نسبة المحتوى العربي على الإنترنت محدودة للغاية مقارنة بالمحتوى الغربي، ما يجعل الأسرة في الغالب “مضطرة” لاستهلاك البدائل المترجمة. ومع مرور الوقت تظهر آثار تربوية وسلوكية ولغوية، خصوصًا عند الأطفال في المدارس الدولية، حيث تطغى الإنجليزية وتضعف صلتهم بالعربية والهوية.
«جيل»: من حلم التطبيق إلى منظومة متكاملة
من هنا وُلدت فكرة «جيل»، ليس كتطبيق فحسب، بل كنواة لعلامة يمكن أن تمتد إلى منتجات متعددة: محتوى، وقصص، وأناشيد، وملابس، وألعاب، ومنصات تعليمية، وربما قناة تلفزيونية لاحقًا. الاسم نفسه يحمل معنى “تربية جيل” وبناء جيل جديد.
لكن البداية كانت شديدة الصعوبة: سنتان من إنتاج المحتوى دون وضوح كامل لخطة الربح أو مسار التمويل. ثم جاء التحول عندما آمن بعض المستثمرين بالمشروع، وقرروا الدخول كشركاء. عندها—كما يروي—تمت إعادة البناء من الصفر تقريبًا، بوضع منهج واضح: كل قصة وكل مسلسل يسير وفق خريطة قيم تربوية، لا وفق اجتهادات عشوائية.
كيف يُصنع مسلسل كرتوني “آمن”؟ منهجية تُشبه المصانع الكبرى
يشرح صبيح أن صناعة محتوى مثل «ديدو» ليست قرارًا سريعًا، بل رحلة تمر بمراحل كثيرة: تبدأ بفكرة عامة، ثم تحويلها إلى أهداف تربوية محددة، ثم كتابة سيناريو احترافي، ثم ورش عمل مع الرسامين وفريق الإبداع، ثم دراسة “العالم” الذي ستعيش فيه الشخصيات، وتصميم المواقع والخلفيات، ثم الستوري بورد، فالأنيماتيك، ثم التحريك، وهكذا عبر مراحل قد تتجاوز عشرًا.
ويؤكد أن هذا النوع من الإنتاج يحتاج وقتًا طويلًا جدًا—وقد تصل الحلقة الأولى وحدها إلى سنوات—لكنها في المقابل تصنع “شخصية” قابلة للاستمرار والتوسع في منتجات أخرى.
التحديات القاسية: خسائر تقنية وكورونا وضغط الشركاء
لم تكن طريق «جيل» سهلة. يذكر صبيح أزمة كبيرة حين تعاقدوا مع شركة لتطوير التطبيق ثم لم يحصلوا على المنتج النهائي رغم المبالغ المدفوعة، مما اضطرهم لإعادة بناء التطبيق من البداية عبر تأسيس فريق سوفت وير خاص بهم.
ثم جاءت جائحة كورونا لتضغط على السوق والسيولة، وظهرت تحديات الرواتب والالتزامات، وضغوط من بعض الشركاء الراغبين في التخارج واستعادة أموالهم. ومع ذلك يؤكد أن الثبات كان قائمًا على وضوح الهدف، وعلى فريق قوي، وعلى إيمان بأن المشروع “رسالة” قبل أن يكون تجارة.
أثر «جيل» في البيوت: سلوكيات صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا
يتحدث صبيح عن إشارات مفرحة من الأسر: أطفال يرددون أناشيد تعلمهم ترتيب الغرفة والنظافة، أو يتفاعلون مع قيم العمل الجماعي والتعاون، ويبدأ «جيل» تدريجيًا في أن يصبح بديلًا مطمئنًا للآباء والأمهات في وقت ازدادت فيه المخاوف من محتوى غير مناسب.
توسع المنتجات: متجر، تعليم، TV، أكاديمية، ونشر
بحسب الحديث، لم يعد «جيل» مجرد تطبيق، بل يتحول إلى مجموعة منتجات تحت مظلة قابضة:
-
متجر للملابس والهدايا والألعاب الآمنة.
-
منصة تعليمية لتعليم العربية والقيم بأساليب تفاعلية.
-
جيل TV لتقديم المحتوى على الشاشات بدل الهاتف.
-
أكاديمية ودورات للأبناء والآباء.
-
دار نشر بعدد كبير من الإصدارات القصصية.
فلسفة الطريق: الجنة أولًا… ثم تأتي الدنيا
يختتم صبيح بتأكيده أن الدافع الأعلى بالنسبة له هو “وضوح البوصلة”: العمل الذي يرضي الله ويترك أثرًا نافعًا. ويقدم خلاصات خبرته: الثقة بالله، التفاؤل، المثابرة، السعي، التعلم المستمر، اختيار فريق قوي، وعدم الاستعجال، والأهم أن يكون المشروع ذا أثر حقيقي يخدم المجتمع.
بهذه الروح تتشكل حكاية «جيل»: محاولة عربية جادة لصناعة عالم أطفال آمن، لا يقوم على رد الفعل أو “فلترة” الآخرين، بل على صناعة قدوة جديدة وشخصيات جديدة ولغة جديدة، تنتمي إلينا وتُطمئن قلوب الأسر.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد صبيح

لا تعليق