في إحدى الحوارات الصادقة التي تعكس جوهر التجربة الإنسانية قبل المهنية، نستضيف المهندس أحمد رشاد، استشاري الإدارة وتطوير الأعمال ومؤسس منصة بزنس بالعربي، ليتحدث بعمق عن رحلته الشخصية والمهنية، وعن الصورة الحقيقية لريادة الأعمال بعيدًا عن الزيف اللامع المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. لم يكن الحديث عن نجاحٍ سريع أو ثراءٍ خاطف، بل عن مسار طويل مليء بالتقلبات، والتجارب القاسية، والتعلم المستمر.
ريادة الأعمال بين الصورة الذهنية والواقع
يرى أحمد رشاد أن ريادة الأعمال في عالمنا العربي باتت، لدى شريحة من الناس، أقرب إلى “مراجيح مولد”؛ تتأرجح بين شعارات براقة وصور سطحية، دون فهم حقيقي لمعنى البناء والعمل طويل النفس. فالبعض يتصور أن الريادة مجرد ظهور إعلامي، أو حديث تحفيزي، أو تقليد أعمى لتجارب غربية دون مراعاة السياق المحلي.
ويؤكد أن مفهوم ريادة الأعمال نفسه لم يكن متداولًا في العالم العربي قبل سنوات قليلة، ولم يبدأ في الاستقرار لغويًا ومفهوميًا إلا مؤخرًا، بعد أن تكررت المصطلحات وتراكمت التجارب. لكن المشكلة ليست في المصطلح، بل في سوء الفهم، حين تتحول الريادة إلى استعراض بدلاً من كونها التزامًا ومسؤولية.
البدايات المتواضعة وقيمة العمل المبكر
يعود أحمد رشاد إلى بداياته الأولى، حيث نشأ في أسرة عادية، وعاش تجارب الهجرة والعمل المبكر منذ سن صغيرة. عمل في وظائف بسيطة، وباع العصائر والبسكويت في الشارع، واشتغل في المطاعم ومحطات الوقود، لا بدافع الاستعراض، بل بدافع التعلم وتحمل المسؤولية.
هذه التجارب، التي قد يراها البعض هامشية، شكّلت وعيه العملي، وعلّمته احترام العمل أيًا كان شكله، وأكسبته مهارات لا تُدرَّس في الجامعات، مثل الانضباط، وخدمة العملاء، وتحمل الضغط، والعمل تحت ظروف غير مثالية.
التعليم الرسمي والبحث عن الذات
رغم تفوقه الأكاديمي ودخوله كلية الهندسة، يعترف أحمد رشاد بأن اختياره لم يكن نابعًا من شغف خالص، بل من مزيج بين رغبة أسرية وقدرات دراسية. ومع ذلك، لم يقف عند حدود التخصص الواحد، بل وسّع أفقه بدراسة مجالات أخرى مثل الإدارة، والعلوم السياسية، والفلسفة، إلى جانب مشاركته المكثفة في الأنشطة الطلابية.
ويؤكد أن الأنشطة الطلابية كانت أكثر تأثيرًا في تكوين شخصيته من الدراسة الأكاديمية وحدها، لأنها صقلت مهارات التواصل، والعمل الجماعي، والقيادة، وهي مهارات أساسية لأي مسار مهني ناجح.
القراءة كأداة لا كغاية
يتحدث أحمد رشاد عن علاقته بالقراءة بوصفها عادة مكتسبة لا فطرية. لم يكن محبًا للقراءة منذ الصغر، لكنه أدرك لاحقًا أنها “عضلة” يمكن تدريبها. بدأ بصفحات قليلة، ثم تطورت العادة تدريجيًا حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من حياته.
ويرى أن القراءة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة تُستخدم لخدمة الواقع العملي. فالقراءة الفعالة، خاصة في مجالات غير روائية مثل الإدارة والسير الذاتية والتاريخ، تكتسب قيمتها حين تُترجم إلى فهم أعمق، وقرارات أفضل، وتطبيق عملي.
القيادة: من التفوق الفردي إلى بناء الفرق
ينتقد أحمد رشاد نموذج المدير الذي يترقى لأنه “أفضل فني” ثم يظل أسيرًا للتفاصيل الصغيرة، رافضًا تمكين من يعملون معه خوفًا من المنافسة. هذا النموذج، في رأيه، يعيق النمو، ويحبس المؤسسة عند سقف محدود.
القيادة الحقيقية، كما يراها، تقوم على تمكين الآخرين، وبناء فرق قوية، وتفويض الصلاحيات، حتى يتفرغ القائد للأدوار الاستراتيجية الأهم. فنجاح القائد يُقاس بقدرته على جعل نفسه غير ضروري في التفاصيل اليومية، لا العكس.
السقوط، الديون، وإعادة البناء
لم تكن رحلة أحمد رشاد خطًا صاعدًا بلا انكسارات. فقد مرّ بمرحلة فقد فيها معظم ما يملك، وتراكمت عليه الديون، وواجه صعوبات مهنية ونفسية قاسية. في تلك المرحلة، تراجع كثيرون، وابتعد البعض، وظهرت حقيقة العلاقات.
لكن هذه التجربة، رغم قسوتها، أعادت تشكيل وعيه، وعلّمته العمل في ظروف عدم الاستقرار، والاعتماد على المهارات لا المناصب، وبناء القيمة الذاتية بعيدًا عن الألقاب.
العلاقات والسمعة: رأس المال غير المرئي
يشدد أحمد رشاد على أن العلاقات المهنية لا تُبنى في أوقات القوة فقط، بل تُختبر في أوقات الضعف. فالناس قد يعرضون المساعدة حين تكون قويًا، لكن القليل منهم يبقى حين تتعثر.
ويرى أن السمعة الطيبة، والاسم الجيد، هما من أثمن الأصول التي يمتلكها الإنسان، لأن المال قد يذهب ويعود، أما السمعة فإذا تلوثت يصعب استعادتها. ولهذا، فإن بناء العلاقات على الصدق والاحترام المتبادل هو استثمار طويل الأمد.
من المعاناة إلى منصة “بزنس بالعربي”
من رحم هذه التجارب، وُلدت فكرة بزنس بالعربي. لم تكن مشروعًا تجاريًا في بدايته، بل مساحة حوار حقيقية مع أصحاب تجارب واقعية، تُقدَّم بلغة عربية بسيطة، دون تزييف أو مبالغة.
بدأ المشروع بإمكانات محدودة جدًا، لكنه نما بالاستمرارية والصدق، حتى أصبح منصة مؤثرة، واستطاع أن يحول نقطة ضعف صاحبه – قلة العلاقات – إلى نقطة قوة، عبر شبكة واسعة من الضيوف والخبراء.
الطموح والرضا: معادلة التوازن الصعبة
يختم أحمد رشاد رؤيته بالتأكيد على أن التحدي الأكبر في الحياة هو الجمع بين الطموح والرضا. فالطموح يدفعك للأخذ بالأسباب، والعمل، والسعي، بينما الرضا يمنحك السلام الداخلي حين تأتي النتائج أقل مما توقعت.
فالإنسان، في النهاية، مسؤول عن السعي لا عن النتائج، وما يملكه حقًا هو صحته، ومهاراته، وقيمه، وأثره فيمن حوله. أما ما عدا ذلك، فهو رزق يتقلب، وحكمة قد تتكشف مع الوقت.
الخلاصة
ليست ريادة الأعمال طريقًا مفروشًا بالورود، ولا هي حكاية نجاح سريع، بل رحلة طويلة من التعلم، والسقوط، والنهوض، وبناء الذات قبل بناء المشاريع. وهذه هي الرسالة الأعمق التي حملتها تجربة أحمد رشاد، كما جاءت في هذا الحوار الصادق.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد رشاد

لا تعليق