نستضيف في هذه الحلقة الخبير في شؤون الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة الأستاذ حسين بكري، صاحب خبرة تمتد لعقود طويلة في القطاع المصرفي، والتدريب، والاستشارات الاقتصادية. ومنذ الدقائق الأولى للحوار، بدا واضحًا أن ما سيُقال ليس من ذلك النوع التحفيزي السهل، بل حديث واقعي صادم يهدف إلى هدم أوهام شائعة ترسخت في أذهان كثير من الشباب حول ريادة الأعمال.
يؤكد حسين بكري أن العالم لم يُخلق ليكون جميع أفراده رجال أعمال، تمامًا كما لم يُخلق الجميع ليكونوا أطباء أو مهندسين. ففكرة أن كل شاب يجب أن يؤسس مشروعًا خاصًا به فور تخرجه من الجامعة ليست سوى وهمٍ خطير، لأن أغلب من يفكرون بهذه الطريقة لا يفعلون ذلك بدافع الرؤية أو الشغف، بل لأنهم لم يجدوا وظيفة.
لماذا يريد الجميع مشروعًا؟
يرى بكري أن الدافع الخاطئ هو أول أسباب الفشل. كثير من الشباب يأتون وهم يقولون: “أنا لا أجد عملًا، إذًا سأفتح مشروعًا”. لكن المشروع ليس بديلًا تلقائيًا عن الوظيفة، بل مسؤولية أكبر وضغط أشد ومخاطر أعلى.
المشكلة أن البعض يريد كل شيء دفعة واحدة:
فكرة جاهزة، تمويل، دراسة جدوى، إدارة، وربح سريع.
وهنا يطرح بكري سؤالًا بسيطًا لكنه كاشف: “وأنت… ماذا ستفعل؟”
إن لم يكن لديك معرفة، أو خبرة، أو دور حقيقي تضيفه، فأنت لا تبني مشروعًا، بل تشتري وهمًا.
ابدأ صغيرًا… لا تحرق نفسك
من أكثر الخرافات انتشارًا في عالم البيزنس فكرة “الحرق”؛ أي بيع المنتج أو الخدمة بسعر منخفض جدًا لاجتذاب الزبائن. يوضح بكري أن هذه الاستراتيجية لا تنجح إلا مع كيانات عملاقة تمتلك قدرة على التحمل والاحتكار، مثل الشركات العالمية الكبرى.
أما صاحب المشروع الصغير، فإذا “حرق السعر”، فهو في الحقيقة يحرق نفسه.
السؤال الحقيقي ليس: كم أبيع؟
بل: هل أستطيع تحمّل الخسارة؟ وهل أملك ميزة حقيقية تخفّض تكلفتي؟
إن المنافسة بالسعر وحده طريق قصير نحو الإفلاس، ما لم تكن لديك قيمة مضافة حقيقية.
ابدأ بما تفهمه… لا بما تحلم به
من أهم النقاط التي شدد عليها حسين بكري أن المشروعات الناجحة غالبًا ما تبدأ من خبرة سابقة.
فالطريق الطبيعي هو:
عمل → خبرة → رؤية → فرصة → مشروع.
أما أن يبدأ شخص مشروعًا في مجال لا يفهمه لمجرد أنه “مغري” أو “منتشر”، فهذه مغامرة غير محسوبة.
المطاعم، الكافيهات، والملابس، مثلًا، ليست قطاعات سهلة كما يظن البعض، بل هي من أكثر القطاعات تنافسًا وخسارة.
دراسة الجدوى ليست ورقة… بل وعي
ينتقد بكري الاعتماد الأعمى على دراسات جدوى جاهزة تُباع في الأسواق، مؤكدًا أن الدراسة الحقيقية لا تُقرأ، بل تُختبر.
أي بند في الدراسة يجب أن تنزل بنفسك للتحقق منه:
-
السعر
-
التكلفة
-
المورد
-
طريقة السداد
-
دورة رأس المال
فكثير من الدراسات تُجمّل الأرقام لتُظهر المشروع مربحًا، بينما الواقع مختلف تمامًا.
الحسابات… العمود الفقري لأي مشروع
من أخطر الأخطاء التي يقع فيها أصحاب المشروعات تجاهل الحسابات أو التقليل من أهميتها.
الحسابات ليست رفاهية، بل هي الأداة الوحيدة التي تخبرك إن كنت تكسب أم تخسر، حتى لو كانت “الخزنة مليئة”.
قد تكون لديك أموال كثيرة في يدك، لكنك في الحقيقة خاسر لأن المال ليس لك، أو لأنه لم يُحسب عليه إهلاك، أو لأنك لم تخصم المصروفات الثابتة.
ويؤكد بكري أن جهاز الحسابات يجب أن يتناسب مع حجم المبيعات، وأن غياب المحاسبة المنتظمة سبب رئيسي لانهيار الشراكات والمشروعات.
الشراكة: أخطر من المشروع نفسه
يتحدث حسين بكري بوضوح شديد عن الشراكات، معتبرًا إياها أكثر ما يدمّر المشروعات إن لم تُبنَ على أسس واضحة.
لا شراكة بلا عقد.
ولا عقد بلا تحديد أدوار.
ولا أرباح بلا حسابات معتمدة.
ويحذّر من فكرة “نحن أقارب” أو “نحن أصدقاء”، لأن أغلب النزاعات المؤلمة في عالم البيزنس تنشأ بين الأقرباء لا الغرباء.
الإدارة ليست أن تعمل بنفسك
من الأخطاء الشائعة أن يظن صاحب المشروع أن النجاح يعني أن يقوم بكل شيء بنفسه.
الحقيقة أن الإدارة الحقيقية هي إدارة من يديرون، لا إدارة التفاصيل الصغيرة.
التخطيط، التنظيم، التوظيف، التوجيه، والرقابة…
هذه هي وظائف الإدارة، وليست الوقوف خلف الكاشير أو التدخل في عمل كل موظف.
لا توسّع إلا تحت ضغط الطلب
التوسع ليس مكافأة على الربح، بل استجابة لطلب حقيقي.
أن تفتح فرعًا جديدًا لأنك “كسبت في الفرع الأول” خطأ قاتل.
التوسع الصحيح يحدث عندما تضطر لرفض العملاء لأن طاقتك التشغيلية لم تعد تكفي.
الخلاصة: البيزنس ليس حلمًا… بل التزام
يختصر حسين بكري فلسفته في جملة واحدة:
“المشروع ليس حلمًا ورديًا، بل التزام قاسٍ يحتاج وعيًا وصبرًا وحسابًا.”
الفرص موجودة، نعم.
لكنها لا تُمنح لمن يبحث عن الطريق الأسهل، بل لمن يفهم، ويخطط، ويحسب، ويتحمل.
ومن لا يملك ذلك… فليعمل أولًا، ويتعلم، ثم يعود إلى فكرة المشروع عندما يكون مستعدًا حقًا.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا حسين بكري

لا تعليق