لم يكن الطريق ممهدًا منذ البداية، كما يروي المهندس ماجد حربي، المدير العام لشركة «أدفنتشرز» للاستثمار ورأس المال الجريء التابعة لمجموعة نهضة مصر. فالعالم الذي يبدو من بعيد “لامعًا” ومليئًا بقصص النجاح السريعة، في داخله الكثير من التعثرات ومحاولات الفهم وإعادة التقييم. ومع ذلك، لم يكن الهدف عند تأسيس «أدفنتشرز» مجرّد تحقيق ربح سريع، بل بناء قيمة حقيقية في قطاع حيوي مثل تكنولوجيا التعليم، رغم أن الاستثمار فيه لا يزال أقل بكثير من حجم الإنفاق الكلي على التعليم.
لماذا تكنولوجيا التعليم “منطقة شائكة”؟
يصف حربي قطاع تكنولوجيا التعليم بأنه من المجالات التي لا تحظى بالأولوية لدى كثير من المستثمرين مقارنةً بقطاعات مثل الترفيه أو الطعام أو الخدمات الاستهلاكية. أحد الأسباب الجوهرية هو أن الإنفاق على تكنولوجيا التعليم يمثل نسبة ضئيلة جدًا من إجمالي الإنفاق على التعليم، ما يجعل بعض المستثمرين ينظرون إليه كـ“سوق غير جذاب” أو بطيء النمو مقارنةً بغيره.
ومع ذلك، فإن الفكرة الأساسية التي تنطلق منها «أدفنتشرز» هي أن التعليم شرطٌ لأي نهضة حقيقية، وأن غياب الاستثمار الكافي في أدواته الحديثة يخلق فجوة ضخمة: فرص كبيرة غير مستغلة، واحتياجات حقيقية لم تُلبَّ بعد، خاصةً في مصر والمنطقة العربية.
الجذور: لماذا تأسست «أدفنتشرز» أصلًا؟
ترجع بداية «أدفنتشرز» إلى تاريخ «نهضة مصر» الطويل في العمل داخل مجال التعليم والثقافة لعقود ممتدة، وهو ما جعل دخولها إلى الاستثمار في الشركات الناشئة خطوة منطقية ضمن توجه أكبر: بدلًا من إنشاء إدارات جديدة داخل المؤسسة كل مرة، يمكن دعم فرق شابة سريعة الحركة، تفهم التكنولوجيا بذكاء، وتنفذ بسرعة، وفي الوقت نفسه تُحقق قيمة وتفتح مسارات للنمو.
وبين “القيمة” و“الربح” يوضح حربي أن المؤسسة تهتم بالأثر والأخلاقيات والنفع العام، لكن هذا لا يلغي أن الشركة في النهاية كيان ربحي، والربحية شرط للاستدامة لا ترفًا.
ثلاثة مسارات… ورابع يُكمّل المنظومة
تعمل «أدفنتشرز» عبر مسارات واضحة:
1) الحاضنة (Incubation)
وهي المرحلة التي تستهدف الشركات في بدايتها، بشرط أساسي: وجود نموذج أولي (Prototype) ولو غير مكتمل 100%. أما مجرد فكرة على الورق دون تنفيذ أولي، فليست ضمن معايير القبول الحالية، وإن كانت الشركة قد تقدم دعمًا إرشاديًا عامًّا لمن هم في هذه المرحلة.
خلال برنامج الحاضنة (يمتد عادةً لعدة أشهر)، يحصل الفريق على تدريب في أساسيات بناء الأعمال: القانونيات، التمويل، التسويق، إدارة المنتج، إلى جانب خبرات خاصة بالتعليم بحكم خلفية «نهضة مصر»، فضلًا عن الدعم عبر العلاقات وتسهيل الوصول لشركاء محتملين.
2) المسرّعة (Acceleration)
هنا تكون الشركة قد بدأت تحقق “تراكشن” ملموسًا: عملاء حقيقيون، إيرادات بدأت تظهر وتكبر. في هذه المرحلة تحصل على دعم تدريبي أعمق ودعم مادي، وفرص وصول للسوق، وربما المشاركة في فعاليات تساعدها على التوسع والنمو.
3) الاستثمار (Investment)
الاستثمار لا يتطلب بالضرورة المرور بالحاضنة ثم المسرّعة. قد تأتي شركات في مرحلة متقدمة فتدخل مباشرة، وقد تأتي أخرى ترى نفسها جاهزة للاستثمار بينما تحتاج فعليًا إلى احتضان أو تسريع أولًا.
4) استوديو المشاريع (Venture Studio)
وهو مسار أحدث نسبيًا يركز على تقديم خبرات أو “كونسلتنسي” عملي لتسريع النمو، مع دعم مالي مقابل حصة (Equity)، ويُبنى على تقييم الاحتياجات الفعلية للشركة.
ماذا تبحث «أدفنتشرز» في الشركات الناشئة؟
يؤكد حربي أن الشركة الناشئة لا تكون “مكتملة” حتى في مرحلة الاستثمار؛ فالنقص والتطوير جزء من طبيعتها. لكن هناك علامات فارقة تساعد في اتخاذ القرار:
-
مرحلة المنتج: هل يوجد نموذج أولي؟ هل نزل للسوق؟
-
التراكشن والإيرادات: هل بدأت أرقام واقعية بالنمو؟
-
قابلية التوسع: هل النمو ممكن دون أن يتحول المشروع إلى “خدمة تُباع مرةً وتُنسى”؟
-
الفريق وسلوكياته: الأخلاقيات، الوضوح، الصدق، القدرة على التعلم، والجدية.
-
التفرغ: في الغالب لا يمكن الاستثمار بقوة في مؤسس غير متفرغ؛ لأن الاستثمار ليس “منحة”، بل مسؤولية تجاه أموال الآخرين.
كما يوضح حربي نقطة مهمة: تكرار الفكرة ليس سببًا كافيًا للرفض. قد تكون الفكرة مكررة لكن تُنفَّذ بطريقة مختلفة أو تستهدف شريحة مختلفة أو تقدم قيمة مضافة تخلق “ميزة تنافسية”. المهم ألا تكون مجرد نسخة طبق الأصل، لأن السوق في النهاية سيفرز الأقوى.
الفشل: لعنة أم خبرة؟
ينظر حربي إلى الفشل باعتباره أحد تعريفات الخبرة؛ فالمؤسس الذي “لم يتوفق” سابقًا قد يحمل دروسًا ثمينة تعطيه فرصة أكبر للنجاح لاحقًا، بشرط أن يكون قد تعلّم فعلًا لا أن يكون “مدمن تعثر” بلا مراجعة. التقييم هنا يتغير من شخص لآخر؛ فهناك من تظهر عليه دلائل التعلم والنضج، وهناك من تتكرر معه الأخطاء بسبب مشكلات في السلوك أو طريقة التفكير.
الاستراتيجية ليست كلمات ثقيلة
من أكثر النقاط التي يؤكدها حربي: الاستراتيجية ليست “مستندًا ضخما لخمس سنوات قادمة”، بل طريقة تفكير عملية تبدأ بفهم الناس واحتياجاتهم (التعاطف، الاستبيانات، النزول للسوق)، ثم بناء الحل وتجربته، ثم تحليل البيئة الخارجية (اقتصاد، قوانين، ثقافة، تكنولوجيا) والداخلية (نقاط قوة وضعف)، ثم تحديد أهداف واقعية قابلة للقياس خلال فترة قصيرة نسبيًا (سنتان مثلًا)، مع مؤشرات متابعة شهرية أو ربع سنوية.
وفي التسويق تحديدًا، لا يرى حربي أن المال وحده يصنع النجاح؛ أحيانًا فكرة ذكية مثل “نظام السفراء” أو استهداف مجتمعات متخصصة تحقق نتائج أفضل من حملات مدفوعة تستهلك الميزانية دون أثر.
حصيلة سبع سنوات: أرقام ونماذج نجاح
خلال سبع سنوات تقريبًا، تم احتضان وتسريع أكثر من 90 شركة، والاستثمار في نحو 21 شركة. ويؤكد حربي أن نسبة الإخفاق قليلة للغاية مقارنة بالمعدل العالمي الشائع (حيث ينجح قرابة 10% فقط عادةً)، وأن شركة واحدة فقط أغلقت بالكامل بينما بقية الشركات في مراحل نمو متفاوتة.
ويستشهد بنماذج متعددة لنجاحات ملموسة:
-
شركات لتطوير مهارات الشباب والتوظيف والتأهيل.
-
منصات لتلخيص الكتب وتحويل المعرفة إلى منتج رقمي واسع الانتشار.
-
شركات لتعليم البرمجة للأطفال والناشئة وربط التدريب بسوق العمل.
-
حلول تقييم وقياس تساعد الطلاب على اكتشاف ميولهم وتحديد مساراتهم.
هذه النماذج تؤكد ـ من وجهة نظره ـ أن قطاع تكنولوجيا التعليم ليس فقيرًا بالأفكار، بل يعاني من نقص الاستثمار والإطار الداعم.
“الحرق” أم الوصول لنقطة التعادل؟
أحد الاختلافات الجوهرية التي يتبناها حربي هو رفض منطق “الحرق بلا حدود” الذي اشتهرت به شركات عالمية مثل أوبر: ضخ أموال متتالية لتوسيع السوق حتى لو بخسائر مستمرة، على أمل جولات تمويل لاحقة.
يقول إن «أدفنتشرز» كانت منذ البداية أقرب إلى نموذج يهدف لأن يصل الاستثمار بالشركة إلى نقطة التعادل أولًا، ثم أرباح بسيطة إن أمكن، لضمان الاستمرارية. ويشير إلى أن الأزمة المالية العالمية الأخيرة دفعت كثيرًا من المستثمرين أصلًا للعودة إلى هذا المنطق، بعدما كان “النمو بأي ثمن” موضة سائدة.
أخطاء المؤسسين: الغرور وسوء توزيع الأدوار
حين سُئل عن أبرز الأخطاء، ذكر حربي نقطتين رئيسيتين:
-
الغرور/الأنا: الإصرار على رأي واحد رغم إشارات الواقع والنصح، أو الانشغال بالظهور الإعلامي على حساب بناء المنتج وإدارة الشركة.
-
سوء الإدارة وتوزيع الأدوار: أن يكون المؤسسون بخلفية واحدة (تقنية مثلًا) فيضعف لديهم التسويق والماليات والإدارة، أو العكس: فهم أعمال ممتاز لكن المنتج ضعيف ويعاني تقنيًا. النجاح يحتاج فريقًا متكاملاً، وكل شخص يعرف دوره ويؤديه.
ما ينقص بيئة الاستثمار في مصر؟
لا يضع حربي المشكلة في عامل واحد، لكنه يشير إلى أهمية:
-
قوانين وتسهيلات تأسيس صناديق رأس المال الجريء.
-
وضوح الضرائب على العوائد وآليات تطبيقها.
-
سرعة وكفاءة الإجراءات التنفيذية.
-
“مائدة واحدة” تجمع صناع القرار والمستثمرين ورواد الأعمال لتحديد الاحتياجات بدقة.
ويؤكد أن العقول المصرية تملك قدرة عالية على الابتكار والتنفيذ بكفاءة حتى بموارد محدودة، وأن هذا وحده كفيل بجذب استثمارات أكبر إذا تهيأت البيئة التشريعية والتنظيمية.
القرار الأصح… وما الذي يتمنى تغييره؟
يرى حربي أن من أكثر القرارات صوابًا في رحلته: تعيين أشخاص أشطر منه في التسويق والتشغيل والتمويل، لأن القيادة ليست إثبات تفوق، بل بناء فريق أقوى.
أما ما يتمنى تحسينه لو عاد به الزمن، فهو تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة؛ لأن الإفراط في استنزاف الوقت والطاقة يخلق قصورًا في جوانب أخرى، بينما التوازن يمنح وضوحًا ذهنيًا وقدرة على الاستمرار.
خاتمة: التعليم لا ينهض وحده
الرسالة الأساسية التي تتكرر في حديث حربي: لا يمكن التعويل على الحكومة وحدها، ولا على المستثمر وحده، ولا على رواد الأعمال وحدهم. التعليم قضية “شبكية” تحتاج تكاملًا بين التشريعات، والقطاع الخاص، والاستثمار الجريء، وروح الابتكار. وحين تُغلق الدائرة بشكل صحيح، يصبح من الممكن أن تتحول تكنولوجيا التعليم من “منطقة شائكة” إلى مساحة نمو حقيقي، تقود أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتجاوز الأرقام إلى تغيير حياة الناس.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا ماجد حربي

لا تعليق