في مستهل هذا الحوار العميق، نستضيف في سلسلة ريادة وعبادة شخصية فكرية متعدّدة الأبعاد، تجمع بين ريادة الأعمال، والتعليم، والكتابة، والعمل العام، هو الدكتور أحمد خليل؛ رجل خبر ميادين الإدارة والتدريس والدعوة، وخاض تجارب واقعية جعلته يرى رمضان لا بوصفه شهر طقوس معزولة، بل محطة تحول كبرى في حياة الفرد والمجتمع، وخصوصًا رواد الأعمال.
الدين بين الفكرة والتطبيق
يؤكد الدكتور أحمد خليل أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الدين ذاته، وإنما في الفصل الواجب بين الدين بوصفه منظومة قيم ومبادئ، وبين المتدينين بوصفهم بشرًا يخطئون ويصيبون. فالدين، كما يراه، ليس دين صوامع ولا عزلة، بل دين حياة، خرج بالإنسان من الغار إلى المجتمع، ومن التأمل الفردي إلى العمران الجماعي. ومن هنا تأتي خطورة استغلال بعض الناس لسمت التدين لتحقيق مصالح شخصية أو ممارسة الغش، مستفيدين من ثقة المجتمع التي لا تزال قائمة في الخطاب الديني.
العبادة… مفهوم أوسع من الطقوس
ينتقل الحوار إلى سؤال محوري: هل العبادة تقتصر على الصلاة والصيام، أم تشمل العمل المتقن والتميّز المهني؟ يوضح الدكتور أحمد خليل أن العبادة، في جوهرها، اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فالعمل بإتقان، وخدمة الناس، والوفاء بالعهد، والصدق في المعاملة، كلها أبواب عبادة لا تقل قدرًا عن الشعائر.
رمضان شهر الإنجاز لا الكسل
ينتقد الضيف ظاهرة انخفاض الإنتاجية في رمضان، ويرى أن ذلك فهمٌ مقلوب لروح الشهر. فرمضان، بحسب رؤيته، شهر إنجاز وتغيير، لا شهر خمول. وقد أثبت التاريخ أن أعظم التحولات والفتوحات وقعت في رمضان، ما يدل على أن الصيام لا يعوق العمل، بل يزكّي النفس ويشحذ الهمة.
ريادة وعبادة: معادلة واحدة
من هذا المنطلق جاء برنامج «ريادة وعبادة» ليطرح معادلة متكاملة: نجاح مهني قائم على قيم إيمانية. فريادة الأعمال الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، ولا تستقيم دون تقوى. ويشدد الدكتور أحمد خليل على أن التاجر أو رائد الأعمال يمكن أن يكون في أعلى درجات القرب من الله إذا التزم بالصدق والبر والإتقان.
التربية الأولى وصناعة الوعي
يتوقف الحديث عند أثر النشأة المبكرة، حيث ينسب الدكتور أحمد خليل الفضل الأكبر في تكوينه إلى والدته ووالده، لا سيما أمه التي غرست فيه حب المسجد والقرآن بالقدوة قبل القول. ويرى أن التعليم في الصغر كالنقش على الإسمنت الرطب، يسهل تشكيله ويبقى أثره طويلًا، وأن العمل في بيئة تعليمية مبكرًا يصنع وعيًا إداريًا وإنسانيًا ناضجًا.
ابحث عن المدير قبل الوظيفة
من النصائح العملية التي يوجّهها للشباب: «ابحث عن مدير قبل أن تبحث عن وظيفة». فالمدير القدوة، أو “الأسطى” كما يسميه، يصنع الفارق الحقيقي في التعلّم المهني، وينقل الخبرة العملية التي لا تُكتسب من الكتب وحدها. فوجود قائد أمين ومعلّم صادق قد يختصر سنوات من التخبط.
التوازن بين محراب الصلاة ومحراب الحياة
يرفض الدكتور أحمد خليل الثنائية الزائفة التي تضع الإنسان بين خيارين: العبادة أو العمل. فالإسلام، في تصوره، جمع بين محراب الصلاة ومحراب الحياة. وقدّم نموذجًا للإنسان المتكامل الذي يعبد الله وهو في السوق كما يعبده في المسجد، يذكر الله وهو يدير مؤسسته كما يذكره في سجوده.
الإيمان والعمران وأخلاق القرآن
يلخص الضيف رؤيته في ثلاثية واضحة: إيمان راسخ، وعمران نافع، وأخلاق قرآنية. فالإيمان يضبط البوصلة، والعمران يخدم الناس، والأخلاق تحفظ المجتمع من الانهيار. وحين تجتمع هذه الثلاثية، تُصنع نماذج بشرية قادرة على التغيير الحقيقي.
الضغوط النفسية وريادة الأعمال
يتناول الحوار جانبًا مهمًا من حياة رواد الأعمال، وهو الضغوط النفسية. ويشير الدكتور أحمد خليل إلى أن كثيرًا من رواد الأعمال يعانون القلق والاكتئاب، ويقترح حلولًا عملية، في مقدمتها: العمل الجماعي، وتفويض المهام، وبناء مسارات واضحة للإنجاز، والأهم من ذلك كله: اللجوء إلى الصلاة بوصفها ملاذًا نفسيًا وروحيًا يعيد التوازن.
رمضان فرصة لإعادة البناء
يؤكد الضيف أن رمضان ليس «جزيرة معزولة» نغادرها بانتهاء الشهر، بل محطة لبناء عادات جديدة تستمر طوال العام. فالصيام يدرّب على الانضباط، والقيام يعزّز التركيز، والقرآن يغيّر بنية الإنسان الداخلية. ومن خرج من رمضان بعادة إيجابية واحدة ثابتة، فقد ربح ربحًا عظيمًا.
جسور لا أسوار
في ختام الرؤية، يعود السؤال الأول: هل رمضان أسوار أم جسور؟ والإجابة الحاسمة: رمضان جسور. جسور بين العبد وربه، وبين الإنسان والمجتمع، وبين النجاح الدنيوي والفلاح الأخروي. هو شهر يصنع نفسية جديدة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويذكّر الإنسان بأن النجاح الحقيقي هو ما اقترن بالقبول والبركة.
خلاصة الرسالة
رسالة الدكتور أحمد خليل واضحة: لا تعارض بين أن تكون رجل أعمال ناجحًا وإنسانًا تقيًا، بل إن الجمع بينهما هو النموذج الأرقى. فالدين ليس عائقًا أمام الإنجاز، بل وقود له، ورمضان ليس موسم كسل، بل مدرسة حياة، من أحسن التعلم فيها تغيّر مساره كله.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا د.أحمد خليل

لا تعليق