في رحلة ريادة الأعمال الحقيقية، يصعب ألّا تشعر بالتعاطف مع صاحبها، لأنك أمام طريق ممتدّ من الرفض والشكّ والتجربة القاسية قبل أن ترى أي نتائج ملموسة. هكذا يلخّص أحمد قوشة تجربته: شابّ اقترض ثمن تذكرته من والده ووعده أن يعيده، ثم سافر إلى قارة أخرى ليطرق أبواب نحو 130 مطعمًا ومقهى، ويُقابل بالاعتذار مرة بعد مرة، إلى أن وجد فرصة عمل بسيطة في غسل الصحون وتقطيع الخضار… قبل أن تُصبح تلك التجارب بذرة لمسار مهني وريادي كبير.
من الهندسة إلى الريادة: بداية لم تكن في الحسبان
بدأ أحمد قوشة حياته الأكاديمية في الهندسة، كما يفعل كثيرون ممن تميّزوا في الرياضيات، في زمنٍ كان فيه المسار واضحًا ومحدودًا: “إمّا طبيب أو مهندس”. لم يكن الاقتصاد أو التمويل حاضرًا في الوعي العام كخيارات دراسية قريبة، لذلك جاءت الهندسة بوصفها الامتداد الطبيعي للقدرات الحسابية. ومع ذلك، يقرّ قوشة بأن حبّه للهندسة لم يكن نابعًا دومًا من “الأسباب الصحيحة”، بل كان مزيجًا من التفوق الدراسي وتوقعات المجتمع.
في الجامعة، لم يحصر نفسه في الدراسة الصرفة؛ بل انخرط بقوة في الأنشطة الطلابية، واعتبرها معملًا واقعيًا لاكتساب مهارات لا تمنحها المناهج وحدها. استطاع أن يوازن بين النشاط والحصاد الأكاديمي، فخرج بترتيب متقدم، لكن الأهم أنه خرج بخبرة حياتية جعلته أكثر قدرة على “الاشتباك مع الواقع”.
لماذا الأنشطة الطلابية ليست تضييعًا للوقت؟
يرى قوشة أن السؤال الأهم هو: ما هدفك من الجامعة؟ إن كان هدفك البحث العلمي أو المسار الأكاديمي المحض، فالتعمّق العلمي أولوية. أما إن كنت تستهدف سوق العمل، فالمهارات الحياتية تصبح ضرورة لا ترفًا: القدرة على التواصل، بناء العلاقات، عرض الأفكار، فهم البشر، والتعامل مع عالم غير منظم كما في الكتب.
ويضيف أن الذكاء وحده لا يكفي إذا كان منفصلًا عن الواقع. فـ“ذكاء الشارع” في كثير من الوظائف العملية قد يتفوّق على الذكاء النظري، لأن النجاح في الحياة لا يحتاج أن تكون أينشتاين بقدر ما يحتاج أن تفهم من أمامك وتستطيع التعامل معه. ومع صعود الذكاء الاصطناعي وتحول المعرفة إلى “سلعة متاحة”، تزداد قيمة المهارات الإنسانية: الحوار، الإقناع، قراءة السياق، وبناء الثقة.
تجربة السفر المبكر: مدرسة الاعتماد على النفس
يحكي قوشة عن أول احتكاك جدي بالحياة العملية في سن صغيرة، حين سافر إلى أستراليا بهدف واضح: ردّ ثمن التذكرة لوالده. هناك واجه 130 رفضًا متتاليًا، ثم حصل على عمل، لكنه طُرد في أول يوم. وبعد ذلك جاءت فرصة أخرى بمحض الصدفة، ساعد فيها وجود طاهٍ مصري شعر بالقرب منه. كانت تجربة قاسية لكنها صنعت داخله “سوبر باور”: القدرة على تحمّل الرفض دون الانهيار.
ثم تكررت التجربة في الولايات المتحدة، لكن بصورة مختلفة: عمل كنادل يعتمد دخله أساسًا على “البقشيش”. هنا اكتشف أن كسب المال ليس مجرد أداء مهمة بسرعة، بل منظومة مهارات: بناء علاقة لطيفة مع العميل، جعل الآخر يشعر بالاهتمام، إدارة محادثة خفيفة، وقراءة الشخصيات. ومع الوقت تحولت مهارة “إرضاء العميل” إلى خبرة قابلة للترجمة في مجالات أخرى.
أمريكا كما رآها: ليس الجميع عباقرة
من أكبر الأفكار التي صحّحها قوشة أنه لم يجد المجتمع الأمريكي كله عبقريًا كما كان يتخيل. قوة الولايات المتحدة –في رأيه– ليست في “متوسط” الناس، بل في قدرتها على اكتشاف المتميزين ومنحهم المسار والفرصة. نظام ضخم بعدد سكان كبير يعني أن نسبة صغيرة جدًا من العباقرة تتحول إلى ملايين، وهؤلاء هم من يقودون الابتكار ويغيرون العالم. وفي الوقت نفسه، لا يُنكر وجود مشكلات اجتماعية كبيرة هناك، لكن منظومة “التقاط الموهبة” تبقى ميزة فارقة.
من وظيفة مستقرة إلى مغامرة التسويق
بعد التخرج، عمل قوشة في شركة عالمية كبيرة مثل سيمنس، حيث الاستقرار والمسار المهني المضمون. لكن ما صدمه أن الوتيرة بطيئة إلى حدّ يخنق طموحه. ثم جاءت لحظة حاسمة حين أخبره مسؤول كبير أنهم يضعون له خطة “ليجلس مكانه بعد ثلاثين سنة”. بالنسبة لقوشة كانت تلك الجملة كافية لتأكيد أن طريقه مختلف، وأنه يريد مسارًا أسرع وأكثر مخاطرة.
وفي الوقت ذاته، كان هو وشريكاه –باهي وباسم– قد اختبروا العمل معًا عبر تنظيم فعاليات مثل TEDx Cairo، واكتسبوا خبرة أولية في تسويق الفعاليات على منصات كانت ما تزال “بدعة” وقتها. من هنا ظهرت فكرة تأسيس شركة تسويق رقمية: استثمار ما تعلموه وبناء شيء خاص بهم.
“الشركات تحت السلم”… ثم النمو الكبير
بدأت الشركة –كيجامي– بداية متواضعة للغاية، أشبه بما يُسمى “شركة تحت السلم”: مكان صغير وإمكانات محدودة، لكن بجهد متواصل وتوفيق، اتسع الفريق وتوسعت الأعمال، حتى وصلت الشركة إلى مئات الموظفين وانتشرت في أكثر من دولة. ويؤكد قوشة أن وجود فريق “أشطر منك” في تخصصه يزيد فرص النجاح، لأن الريادة ليست بطولة فردية بقدر ما هي بناء منظومة تجمع كفاءات متنوعة.
ريادة الأعمال ليست وردية: 90% احتمال الفشل
يشدد قوشة على فكرة أساسية: ريادة الأعمال ليست للجميع، ولا يمكن أن تكون خيارًا عامًا، لأن المجتمع يحتاج موظفين كما يحتاج رواد أعمال. ثم يضيف الحقيقة الأقسى: نسبة كبيرة من الشركات الناشئة تفشل، والنجاح ليس الصورة التي تظهر في البودكاست واللقاءات؛ فالفشل لا يصعد المنصات ولا يُستضاف غالبًا.
الأصعب من ضغط الشغل –في رأيه– هو “الصوت الذي داخل الرأس”: الشك في النفس، الخوف من المستقبل، والقلق المستمر. قد تبدو الأضواء مغرية، لكن خلفها معركة يومية نفسية، وقد يصل الإنسان إلى الاحتراق إذا لم يتعلم ترويض عقله والتعامل مع توتره.
البوصلة: الأحلام تحتاج أدلة على الأرض
كيف نميز بين الثقة الصحية والوهم؟ يضع قوشة معيارًا بسيطًا: الحلم مشروع، لكن يجب أن تقابله مؤشرات تقدم واقعية. من يريد بناء شركة كبرى خلال عشر سنوات، ينبغي أن يرى بعد سنة علامات أولية: عملاء راضون، تجديدات، نمو حقيقي، وأرقام تدعم الاتجاه. أما الاكتفاء بخطاب مبهم من نوع “نحن مبدعون والناس لا تفهم عبقريتنا” فليس منطقًا تجاريًا؛ لأنك في النهاية تبيع قيمة يفهمها العميل ويدفع مقابلها.
ما الذي نبحث عنه في العمل؟ ميزانية شخصية من أربعة بنود
ويختم قوشة بنظرة عملية لما يريده الإنسان من أي وظيفة أو شركة يعمل بها:
-
المال، وهو واضح.
-
المهارات التي تكتسبها وتزيد قيمتك مستقبلًا.
-
العلاقات التي تبنيها وتفتح فرصًا لاحقًا.
-
الراحة النفسية، لأن زيادة بسيطة في الراتب قد تُكلفك صحتك وهدوءك.
بهذه الرؤية، تبدو رحلة أحمد قوشة مثالًا واضحًا على أن النجاح ليس لحظة واحدة، بل تراكم قرارات وتجارب ورفض وتعلم ووعي بالذات… وأن الطريق يبدأ أحيانًا من “غسل الصحون” لكنه قد ينتهي ببناء شركات وصناعة أثر، حين يتحول الألم إلى خبرة، والقلق إلى دافع، والحلم إلى عملٍ تدعمه الأرقام.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد قوشة

لا تعليق