في لقاءٍ ثريّ مع المهندس مصطفى أحمد—الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «بيراميد إلكترونكس»—نقترب من تجربة مصرية ملهمة بدأت من جملةٍ مألوفة تتردد في المصانع: «دي فابريكا… ما تلعبش فيها»، وانتهت بمشروعٍ محلي يصنع لوحات إلكترونية (PCB) ويبرمجها داخل مصر، ويبيعها في السوق المحلي ويُمهِّد لطريقٍ أوسع نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد.
«التصنيع ما بيأكّلاش عيش»… الفكرة التي تحدّاها الواقع
كثيرون ينظرون إلى التصنيع في مصر باعتباره طريقًا شاقًا، بل يراه بعضهم “غير مُربح”، ويُفضِّلون الاستيراد والاتجار في منتجات جاهزة. لكن مصطفى يعارض هذا المنطق من جذوره:
يرى أن السوق المصري “مُتعطّش” لأي منتج محلي جيد، وأنك حين تُقدِّم تصنيعًا حقيقيًا—لا خدمة عابرة—فأنت تلبي احتياجًا واسعًا، ومن ثم “يبيع المنتج نفسه” إذا أثبت قيمته.
ومع ذلك لا ينكر التحديات: الروتين، صعوبة الإجراءات، ضعف الثقة في المنتج المحلي لدى بعض العملاء، وضغط المقارنة المستمر. لكنه يؤمن أن الحل لا يكون بالهرب من التصنيع، بل بتطويره تدريجيًا وبناء الثقة خطوةً خطوة.
فجوة التعليم وسوق العمل: «حفرة» لا «فجوة»
عند انتقاله لسوق العمل، يصف مصطفى الصدمة بأنها ليست فجوة بسيطة، بل “حفرة” حقيقية. في المصنع قد تجد فنّيًا أمضى عشرين عامًا بجوار الماكينات يعرف أعطالها وأسرارها، بينما مهندس حديث التخرج لا يزال يكتشف الواقع من الصفر.
ومن هنا يصل لنصيحة مركزية: الجامعة تفتح العقل وتبني الأساس، لكن التفوق المهني يحتاج إلى مهارات إضافية خارج المناهج—وأهمها “المهارات الناعمة” (Soft Skills): التواصل، الإقناع، تسويق الذات، وتحويل المعرفة إلى قيمة يمكن بيعها.
من ميكانيكا إلى إلكترونيات: التحول الذي بدا مستحيلًا
المفارقة اللافتة أن مصطفى تخرج في الهندسة الميكانيكية، ثم قرر بعد التخرج أن يتحول مباشرة إلى الإلكترونيات والبرمجة. كان مقتنعًا أن المستقبل ليس ميكانيكا وحدها، بل “ميكاترونكس”: مزيج من الميكانيكا والإلكترونيات والتحكم.
لم يكن طالبًا مثاليًا في الجامعة على حد وصفه؛ لكن الشغف لعب الدور الأكبر. فالبرمجة والإلكترونيات—في نظره—هي “روح” أي آلة حديثة، وهي ما يجعل الماكينات تعمل بذكاء وتنفذ أوامر دقيقة.
الشرارة الأولى: لوحة ألمانية بـ10 آلاف دولار
بدأت القصة داخل مصنع كان يعمل به مصطفى: ماكينة ألمانية تعتمد على لوحة إلكترونية مستوردة غالية الثمن (قد تصل لنحو 10 آلاف دولار). المشكلة أن اللوحة كانت تتلف دوريًا لأسباب مثل الزيت أو ظروف التشغيل، وكان استبدالها مكلفًا ومتكررًا.
هنا جاءت الفكرة المجنونة: “لماذا لا أصنع اللوحة نفسها محليًا وأبرمجها؟”
فكرةٌ واجهت موجة رفض: “أنت ميكانيكا… هذا ليس مجالك”، و”الماكينة بالملايين”، و”ده سرّ خواجة”، و”دي فابريكا… ما تلعبش فيها”. لكن الإصرار كان أقوى.
التعلم بالمخاطرة المحسوبة
مصطفى لم يقفز قفزة عمياء. سعى لتعلّم التصنيع والبرمجة عمليًا عبر تدريب خاص مكلف بالنسبة لشابٍ في بدايته، ثم بدأ يجمع الأدوات الأساسية في المنزل: ماكينة طباعة، وماكينة CNC صغيرة للحفر، ومستلزمات تصنيع PCB.
ويؤكد هنا على نقطة كاشفة: تصنيع لوحة إلكترونية ليس “خيالًا علميًا”، وليس حكرًا على الدول الكبرى كما يتصور البعض. صحيح أن الإنتاج الضخم يحتاج تجهيزات كبيرة، لكن البداية ممكنة بإمكانات محدودة إذا توفرت المعرفة والانضباط.
اللحظة الفاصلة: تجربة تركيب اللوحة في ماكينة بملايين
بعد شهرين من العمل المتواصل، صنع مصطفى أول لوحة. وكان التحدي الحقيقي: تركيبها داخل ماكينة باهظة الثمن.
الخوف كان جماعيًا: زملاء يتوجسون، إدارة تتحسب، والقرار يحمل مخاطرة. لكنه أصر وتواصل مع صاحب المصنع، وعرض التجربة بشجاعة.
عندما اشتغلت الماكينة باللوحة المحلية كما ينبغي—تبدّل كل شيء. الشكوك سقطت أمام الواقع، وتحولت التجربة من “مغامرة متهورة” في أعين البعض إلى “إنجاز” لا يمكن إنكاره. بل إن صاحب المصنع كافأه وعيّنه مسؤولًا عن البحث والتطوير، ثم بدأت مرحلة جديدة بالكامل.
لماذا الثقة أهم من الشهادة؟
يكرر مصطفى أن الشهادة مجرد “تذكرة دخول” للمقابلة، لكنها لا تضمن الكفاءة. في عالم اللوحات الإلكترونية والتحكم الصناعي، خطأ برمجي صغير قد يسبب خسائر أو حوادث. لذلك معيار الاختيار عنده هو: من يفهم، ويكتب كودًا صحيحًا، ويدرك المسؤولية—أيًا كان مؤهله.
تأسيس الشركة: حين تتحول الخبرة إلى سوق
بعد نجاح التجربة الأولى، اكتشف مصطفى أن المصانع المحيطة تواجه المشكلة نفسها: ماكينات متوقفة بسبب لوحة صغيرة غير متوفرة، أو تكلفة استيراد باهظة، أو انتظار طويل.
هنا قرر التوسع تدريجيًا: يقدم ضمانات أقوى، ولا يأخذ أجرًا إلا بعد التشغيل، ويبني الثقة قبل الربح. وعندما تكاثرت الطلبات وتطلبت التعامل الرسمي، كان القرار الصعب: الاستقالة وتأسيس شركة.
تأسست «بيراميد إلكترونكس» لاحقًا، مع تركيز أكبر على الإنتاج للشركات والـMass Production، مع القدرة على خدمة الأفراد عند الحاجة.
لماذا التصنيع المحلي يُكسبك؟ ميزتان لا يملكهما المستورد
يرى مصطفى أن أقوى ما يملكه المنتج المحلي في هذا المجال ميزتان:
-
خدمة ما بعد البيع والقرب: تعديل برنامج أو إصلاح مشكلة قد يتم في ساعات بدل انتظار أسابيع.
-
تقليل أثر الدولار وسلاسل الإمداد: ارتفاع الدولار أو تعطل الاستيراد يجعل البديل المحلي أكثر جاذبية، بل أحيانًا ضرورة.
كورونا والانعطافة الذكية نحو القطاع الطبي
حين هدأ السوق الصناعي خلال كورونا، لم يعتبرها نهاية الطريق. بحث عن احتياج جديد، فوجد القطاع الطبي بحاجة لأجهزة وقطع كانت ممنوعة أو نادرة بسبب الأزمة العالمية.
دخل في تصنيع لوحات لأسرّة عمليات (ثم تطويرها مثل الريموت اللاسلكي)، وأجهزة تعقيم، وبعض التطبيقات المساعدة، مع تحفّظ واضح تجاه ما يمس “دعم الحياة” مباشرة لما يحمله من مسؤولية عالية.
التوازن بين الشغل والحياة: لا تجعل الشركة رقم واحد
في جانب إنساني مهم، يرفض مصطفى فكرة “الشغل 24 ساعة” و”الشمعه المحترقة”. يضع ترتيبًا واضحًا: الله، الأسرة، الصحة… ثم يأتي العمل.
ويحذر من أن الإنسان قد يخدع نفسه بأنه يعمل لأجل الأسرة بينما يفقد حضورَه الحقيقي معهم. المال يعوض أشياء كثيرة، لكنه لا يعوض التربية والدفء والوقت.
الخلاصة: طريق واقعي… يبدأ صغيرًا ويكبر بثبات
رسالة مصطفى للشباب ليست شعارات:
ابدأ بإمكانات صغيرة، تعلم مهارة ملموسة، ركّز على السوفت سكيلز مثل الثقة والتواصل، لا تقفز قفزات غير مدروسة، ووازن بين حياتك وعملك.
والأهم: لا تُسلِّم لفكرة أن “التصنيع مستحيل” أو “فابريكا لا تُمس”. لأن ما أثبتته التجربة أن المستحيل قد يكون مجرد “وهم متوارث” يحتاج من يكسره بالفعل لا بالكلام.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا مصطفى أحمد

لا تعليق