نستضيف في هذه الحلقة من بودكاست 360 محمد علي والذي يضع من خلال هذا اللقاء حجر الأساس لفكرة محورية: ليس كل “رزق” مالًا، وليس كل “نمو” تدرّجًا بطيئًا. فالحياة ـ كما يراها ـ تعلّم الإنسان أن يوازن بين الطموح والتواضع، وأن يفهم أن الرزق قد يكون معرفة، وعقلية، وصحة، وعلاقات، وطمأنينة، قبل أن يكون أرقامًا في الحساب البنكي. ويؤكد أن من يجعل المال فوق رأسه، قد يجد نفسه يومًا ما يضعه تحت قدميه، بينما من يفهم قيمته الحقيقية يوظّفه دون أن يعبده.
ما تطوير الأعمال: مبيعات أم تسويق؟
كثيرون يخلطون بين تطوير الأعمال وبين المبيعات أو التسويق. يوضح محمد علي أن التسويق مهمته جذب الانتباه وصناعة الاهتمام عبر الحملات والمحتوى والإعلانات، بينما تتركز المبيعات على التكتيكات والإغلاق وتحويل الاهتمام إلى شراء فعلي. أمّا تطوير الأعمال فهو “المظلّة” الأكبر التي تمنح نظرة شاملة على العمل، وتبحث عن فرص نمو غير تقليدية، وتبني “محرك نمو” قادرًا على الاستمرار. إنه فن صناعة الفرص، وتوسيع المسارات، وربط الأطراف التي قد لا تلتقي عادة: شركاء، متعاونون، مرشدون، وعملاء.
الإيكوسيستم: خريطة النمو قبل الانطلاق
يرى محمد علي أن أي شركة ـ كبيرة أو صغيرة ـ تحتاج إلى “إيكوسيستم” واضح، لأن النمو لا يأتي بالصدفة. ويقسم هذا الإيكوسيستم إلى أربعة عناصر:
-
العملاء: هم الذين يأتون بالإيراد الآن، ولهذا يجب فهمهم حتى قبل التفكير في المنتج. الفكرة ليست: “سأبيع ماذا؟” بل: “سأبيع لمن؟”.
-
المتعاونون: هم من يضيفون قيمة مكملة لخدمتك. إن كنت تقدّم التسويق، فقد تتعاون مع جهة تقدم العلامة التجارية، فتقدّم للعميل قيمة أوسع دون أن تتحول أنت إلى كل شيء.
-
الشركاء: قد يكونون في نفس الصناعة أو خارجها، لكنهم يملكون وصولًا مختلفًا للجمهور أو موردًا لا تملكه. الشراكة قد تكون تعاونًا تسويقيًا أو اتفاقية أو مشروعًا مشتركًا، بحسب الحالة.
-
المرشدون: هم من يختصرون الطريق بالنصيحة والخبرة، والأهم أنهم يمنحونك “رافعة” من خلال الثقة؛ فمتى وثق المرشد بك، قد يعرّفك على فرص أكبر أو شبكات أوسع.
هذه الخريطة ـ بحسب محمد علي ـ لا تُبنى للزينة، بل تُبنى لتتحول إلى نتائج: عندما تضع كل قطعة في مكانها، يتحول النمو من خط مستقيم إلى نمو أُسّي قد يأتي فجأة.
لماذا قد يتضاعف النمو فجأة؟
النمو في كثير من الأحيان لا يحدث “درجة درجة”، بل قد يأتي على شكل قفزة كبيرة عندما تلتقط الشركة “نقطة الاختراق”. يروي محمد علي مثالًا عن تطبيق يخدم مجتمعات سكنية مغلقة، وكان يسوق للأفراد مثل المنافسين، ففشل نموذج النمو. التحول الحقيقي جاء حين تم التفكير بمنطق تطوير الأعمال: الشريك الفعلي ليس المستخدم الفرد، بل المطوّرون العقاريون أنفسهم. حين أُدمجت الخدمة كجزء من تجربة السكن، حدثت قفزة هائلة في النتائج. الدرس هنا أن تطوير الأعمال يبحث عن “الثغرة” التي تفتح بابًا لم يكن السوق يراه، لا عن تكرار ما يفعله الآخرون.
هل تطوير الأعمال وظيفة أم عقلية؟
يقر محمد علي بأن تطوير الأعمال قد يكون “وظيفة” بعنوان رسمي، لكنه في الجوهر عقلية يمكن زرعها في كل الأقسام. تخيّل شركة صغيرة تضم موارد بشرية ومالية وتشغيل وتسويق ومبيعات؛ إذا تعلّم كل قسم التفكير بمنطق الفرص، فسيتولد النمو من الداخل. مدير الموارد البشرية حين يفهم صورة الشركة كاملة، يوظف بطريقة تُصلح المشكلة بدل أن تكررها. والمدير المالي حين يرى فرصة استثمار قصيرة الأجل قد تصنع نموًا لاحقًا، يوازن بين الربح الفوري والأثر الاستراتيجي. وحتى التشغيل، قد يخلق نموًا من تفصيلة بسيطة: تحسين التغليف، أو إضافة بطاقة شكر، أو تعاون مشترك يوسع الطلب.
“نمو يقوده الثقة”: إطار يقلب المعادلة
من أهم ما طرحه محمد علي ما يسميه “إطار النمو القائم على الثقة”. خلاصته أن الناس لم تعد تصدق “الشركات” بسهولة، بل أصبحت تشتري من بشر تثق بهم. وهنا تأتي أهمية العلامة الشخصية والاتصال الإنساني: ليس الهدف أن تتحول العلاقات إلى صفقات فورية، بل أن تنشئ مساحة مشتركة تُسقط الحواجز.
يضرب مثالًا بسيطًا: الدخول إلى متجر ووجود من يضغط عليك للشراء قد يدفعك للتراجع، بينما إعطاؤك مساحة للاختيار يجعلك تميل للشراء تلقائيًا. وكذلك في التواصل المهني: لا تبدأ بالطلب المباشر، بل ابدأ بمعرفة إنسانية، واستماع حقيقي، وتدرج طبيعي في بناء العلاقة.
ويفرّق بين “النتوركينغ العشوائي” و”النتوركينغ الاستراتيجي”: لا قيمة لمئتي بطاقة تعريف تجمعها ثم تُنسى في درج. الأفضل أن تبني علاقات قليلة لكن حقيقية، تتابعها، وتفهمها، وتستثمر فيها.
قوة القصة… ولماذا لا يجوز اختراعها؟
يؤكد محمد علي أن البشر يميلون إلى القصص لأنها تتغلغل في العقل أكثر من الحقائق الجافة. لهذا تنجح العلامات التي تحكي يومياتها وتحدياتها ونتائجها، لأن الجمهور يتعايش مع الرحلة لا مع الأرقام فقط. لكنه يحذر بشدة من اختراع قصص وهمية لتبدو بطوليًا؛ لأن التفاصيل ستتغير مع الزمن، وستسقط المصداقية. القصة ليست بالضرورة أن تكون “ملحمية” كقصص مشاهير العالم؛ يمكن أن تبيع بتعليمك، بخبرتك، بنظريتك، بفلسفتك، وبنتائج حقيقية مهما كانت بسيطة. المهم: الصدق.
“المجاني” يبني الثقة… لكن له حدود
يرى محمد علي أن تقديم قيمة مجانية قد يكون بوابة ممتازة لبناء الثقة، بشرط ألا يتحول إلى استنزاف. يمكنك تقديم تقرير سريع، أو نصيحة مختصرة، أو مراجعة عامة، لكن لا تقدّم مشروعًا كاملًا بلا مقابل. الهدف أن تمنح “عينة” تُظهر الخبرة، ثم يتحول الأمر إلى تعاون مدفوع حين يرى الطرف الآخر أثر القيمة. ويشير إلى أن ما يساوي المال أحيانًا هو “التغذية الراجعة” التي تكشف لك ما يحتاجه السوق فعليًا.
المال ليس كل الرزق… وتجربة الإفلاس كدرس
يستعيد محمد علي تجربة قاسية حين مرّ بإفلاس مرتين، وما ترتب عليها من ضغط نفسي وديون وشعور بالتيه. لكنه يقول إن تلك التجربة كانت مدرسة: علمته ألا يتوسع بلا وعي، وألا يركض وراء المظاهر، وأن يبني خطوة خطوة بثبات، وأن يفهم أن الرزق أوسع من المال. الرزق أن تنام مطمئنًا، أن تملك معرفة وخبرة، أن تجد من يقف بجانبك، وأن تستمر في السعي. فالنتائج في النهاية بيد الله، أما المطلوب منك فهو الأخذ بالأسباب.
الثقة تبدأ من الداخل: الموظف شريك لا أداة
ينتقل الحديث إلى نقطة شديدة الأهمية: الثقة لا تُصنع مع العملاء فقط؛ بل يجب أن تُبنى داخل الشركة أولًا. حين يشعر الموظف أن المكان “مكانه”، سيحميه ويقترح حلولًا ويمنع خسارة العملاء. يرفض محمد علي فكرة أن الموظف يستقيم بالمال وحده؛ المعاملة النفسية، والاستثمار في التدريب، والشفافية في الأزمات، كلها تصنع ولاءً وإنتاجية. ويذكر تجربة دعم الصحة النفسية داخل فريقه وما أحدثته من تحسن ملموس في الأداء والالتزام والتجانس.
رسالة أخيرة: اختر شريكك بالمعدن
يختم محمد علي بتأكيد أن الإنسان يتشكل بفضل من حوله: أم تعلمه فلسفة الحياة، وأخ يستثمر فيه دون إلزام، وزوجة تصبر في أوقات الانكسار. والرسالة التي يصر عليها: اختر شريك حياتك بالمعدن والأصول لا بالمال؛ لأن المال يذهب ويأتي، أما المعدن الأصيل فهو الذي يحمل عنك حين تسقط، ويكون سببًا في أن تقوم مرة أخرى.
بهذه الرؤية، يتحول “تطوير الأعمال” من مصطلح وظيفي إلى فلسفة حياة: بناء ثقة، فهم منظومة، صناعة فرص، والالتزام بالسعي دون عبادة للنتيجة. وفي عالم يتغير بسرعة، قد يكون هذا الفهم هو الفارق بين من يركض وراء المال فيفقد نفسه، ومن يبني نفسه فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا محمد علي

لا تعليق