في حوار ثري تناول واقع ريادة الأعمال في المملكة العربية السعودية، تحدث الأستاذ أحمد العليان عن التحديات التي تواجه أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وعن رؤيته لبرنامج «شراكات» الذي يسعى إلى بناء نموذج جديد لدعم رواد الأعمال والحد من تعثر المشاريع. واستهل العليان حديثه بالتأكيد على الأثر الكبير الذي أحدثته رؤية المملكة 2030 بقيادة سمو الأمير محمد بن سلمان، مشيراً إلى أن ما تشهده المملكة من حراك اقتصادي وتنموي يمثل فرصة استثنائية لجيل الشباب لصناعة أثر حقيقي في المجتمع والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
رؤية 2030 وصناعة الأثر
يرى أحمد العليان أن رؤية المملكة 2030 لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل مشروعاً وطنياً شاملاً أتاح للشباب فرصاً لم تكن متاحة من قبل. وأوضح أن الحماس والطموح اللذين يظهرهما سمو ولي العهد عند الحديث عن الرؤية انعكسا على المجتمع بأكمله، وأوجدا بيئة محفزة للإبداع والابتكار والعمل الحر.
وأكد أن هذه الرؤية منحت الشباب الإمكانات والأدوات التي تساعدهم على تقديم أعمال ذات قيمة حقيقية، وتحقيق أثر إيجابي يعود بالنفع على الوطن والمجتمع والأجيال القادمة.
كيف نشأت فكرة برنامج «شراكات»؟
أوضح العليان أن برنامج «شراكات» لا يزال في مرحلة التأسيس والتحضير، إلا أن فكرته نشأت نتيجة سنوات من العمل والخبرة في مجال دعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ويقوم البرنامج على أربعة أطراف رئيسية:
- رائد الأعمال أو صاحب المشروع.
- الشريك أو المانح للخبرة والمعرفة.
- الجهات الداعمة والتمويلية.
- إدارة البرنامج نفسها.
وجاءت فكرة البرنامج استجابة لحاجة حقيقية في السوق، حيث يهدف إلى أن يكون أداة وقائية تساعد المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر على تجاوز العقبات والتحديات التي تؤدي غالباً إلى التعثر أو الفشل.
لماذا تتعثر المشاريع الصغيرة؟
يرى العليان أن أحد أهم أسباب تعثر المشاريع الصغيرة هو ارتباطها الكامل بشخص صاحب المشروع. ففي أغلب الحالات يكون صاحب المشروع هو المسؤول عن جميع القرارات التشغيلية والإدارية والمالية.
وعلى الرغم من أن المشروع الصغير لا يختلف من حيث الاحتياجات الأساسية عن أكبر الشركات، إلا أن الفرق يكمن في الموارد والإمكانات. فالشركات الكبرى تمتلك فرقاً متخصصة في التسويق والموارد البشرية والمشتريات والإدارة المالية، بينما يضطر صاحب المشروع الصغير إلى القيام بكل هذه المهام بنفسه.
ويؤكد أن أي قرار خاطئ في مرحلة الفكرة أو التأسيس أو التشغيل قد تكون له نتائج خطيرة، وقد يقود المشروع إلى الفشل. كما أن كثيراً من رواد الأعمال يجهلون طبيعة العمل التجاري ومتطلباته الحقيقية، ويعتقدون أنهم قادرون على إدارة كل شيء بمفردهم، ليكتشفوا لاحقاً أنهم وقعوا في مشكلات يصعب الخروج منها.
المشروع الصغير مشروع «خديج»
استخدم العليان وصفاً لافتاً للمشاريع الصغيرة، حيث أطلق عليها اسم «المشاريع الخديجة».
فكما يحتاج الطفل الخديج إلى رعاية خاصة وحضانة ومتابعة مستمرة حتى ينمو بصورة سليمة، فإن المشروع الصغير يحتاج إلى بيئة داعمة وإشراف وخبرات تحيط به في سنواته الأولى حتى يتمكن من الاستمرار والنمو.
ويرى أن كثيراً من المشاريع تفشل لأنها تُترك وحيدة منذ البداية، دون توجيه أو دعم متخصص يساعدها على تجاوز أخطائها المبكرة.
نموذج «شراكات» وكيف يعمل
يشبه برنامج «شراكات» في بعض جوانبه نظام الامتياز التجاري (الفرنشايز)، لكنه صُمم خصيصاً للفئات التي لا تستطيع الاستفادة من الامتياز التجاري التقليدي بسبب محدودية الإمكانات أو نقص الخبرة.
ويقوم النموذج على فكرة بسيطة: ألا يبدأ رائد الأعمال مشروعه بمفرده، بل يكون معه شريك خبير أو راعٍ يمتلك المعرفة والخبرة في المجال نفسه.
هذا الشريك لا يقدم استشارات متقطعة فحسب، بل يشارك في مراحل المشروع المختلفة منذ الفكرة وحتى التشغيل والنمو، مما يقلل من احتمالات اتخاذ قرارات خاطئة ويزيد من فرص النجاح.
قوة التكتل في مواجهة السوق
من أبرز مزايا برنامج «شراكات» أنه يحول المشاريع الصغيرة المتفرقة إلى منظومة تعمل وكأنها كيان كبير.
ويضرب العليان مثالاً بقطاع الصيدليات، حيث قد يمتلك الصيدلي المعرفة الفنية اللازمة لإدارة صيدلية، لكنه يفتقر إلى الخبرة الإدارية أو القوة الشرائية اللازمة للتفاوض مع الموردين.
فالصيدلية الواحدة لا تمتلك نفوذاً تفاوضياً كبيراً، بينما إذا كانت جزءاً من شبكة تضم عشرات الصيدليات فإن قدرتها على التفاوض تتحسن بشكل كبير، سواء في الأسعار أو فترات السداد أو شروط التوريد.
وهذا المفهوم لا يقتصر على الصيدليات، بل يشمل مختلف الأنشطة التجارية، حيث يؤدي التكتل إلى تحسين عمليات الشراء والتسويق والإدارة والتوظيف.
المشتريات والتسويق.. عوامل خفية وراء الفشل
يشير العليان إلى أن كثيراً من أصحاب المشاريع يركزون على المنتج أو الخدمة ويهملون جوانب أساسية مثل إدارة المشتريات والتسويق.
فالمشروع قد يحقق مبيعات جيدة، لكنه يخسر بسبب ضعف التفاوض مع الموردين أو سوء إدارة المخزون أو الإنفاق غير المدروس على التسويق.
أما الشركات الكبرى فتمتلك فرقاً متخصصة تتولى هذه المهام باحترافية عالية، وهو ما يفتقده غالباً أصحاب المشاريع الصغيرة.
ومن هنا تأتي أهمية وجود جهة راعية أو شريك متخصص يساعد في إدارة هذه الملفات الحيوية.
لا تبدأ مشروعك بهذه الطريقة
حذر العليان من ثقافة منتشرة لدى بعض الشباب تقوم على التسرع في بدء المشاريع بمجرد توفر رأس المال أو الحصول على التمويل.
ويرى أن المشروع ليس مجرد أموال، بل يحتاج إلى الصبر والخبرة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار.
ونصح رواد الأعمال بمنح فكرة المشروع الوقت الكافي للدراسة والتحليل، وعدم التعلق بأول فكرة تخطر على البال، فقد تكون هناك أفكار أكثر ملاءمة لشخصية المستثمر أو للمنطقة المستهدفة.
كما أكد أهمية الاستعانة بأصحاب الخبرة والعاملين في المجال نفسه قبل اتخاذ القرار النهائي.
دراسة الجدوى ليست إجراءً شكلياً
يشدد العليان على ضرورة مشاركة صاحب المشروع بنفسه في إعداد دراسة الجدوى، حتى لو استعان بمستشارين متخصصين.
فالهدف ليس مجرد الحصول على تقرير جاهز، بل فهم تفاصيل المشروع والسوق والتكاليف والمخاطر والفرص.
ويرى أن دراسة الجدوى الجيدة تمثل أحد أهم العوامل التي تساهم في نجاح المشروع واستمراره.
لماذا يفضل التمويل الحكومي؟
ينصح العليان رواد الأعمال باللجوء إلى الجهات التمويلية الحكومية أو شبه الحكومية عند توفر الفرصة.
ويرجع ذلك إلى أن هذه الجهات لا تسعى فقط إلى تحقيق الأرباح، بل تهدف أيضاً إلى دعم الاقتصاد الوطني وخلق الوظائف وزيادة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي.
كما أن برامج التمويل الحكومية غالباً ما توفر فترات سماح طويلة وشروط سداد ميسرة مقارنة بالتمويل التجاري.
هل أبدأ وحدي أم مع شركاء؟
عند الحديث عن الشراكة، أكد العليان أنه من المؤمنين بقوة العمل الجماعي.
ورغم أن الشريك قد يكون أحياناً مصدراً للمشكلات إذا لم يُحسن اختياره، فإنه يرى أن الشراكة المدروسة تضيف قوة كبيرة للمشروع.
وينصح بألا يبدأ رائد الأعمال وحده إذا كان بإمكانه العثور على شركاء متكاملين في المهارات والخبرات والقيم، لأن ذلك يزيد من فرص النجاح ويخفف الأعباء والمسؤوليات.
مرحلة «التوهان» بعد الحصول على التمويل
يصف العليان الفترة التي تلي استلام مبلغ التمويل بأنها «مرحلة التوهان».
فكثير من رواد الأعمال يظنون أن حصولهم على التمويل يعني أنهم تجاوزوا أصعب العقبات، بينما تبدأ في الواقع المرحلة الأكثر حساسية.
ويضرب مثالاً برائد أعمال حصل على تمويل بقيمة 300 ألف ريال، ثم قرر استئجار موقع مرتفع التكلفة بسبب شهرته، لينفق معظم رأس المال على الإيجار قبل أن يبدأ التشغيل الفعلي.
ويرى أن مثل هذه القرارات قد تضع المشروع في مأزق مالي منذ يومه الأول، حتى لو كانت المبيعات جيدة لاحقاً.
قصور المتابعة التقليدية للمشاريع
أوضح العليان أن الجهات الداعمة تبذل جهوداً كبيرة في متابعة المشاريع بعد التمويل، لكن طبيعة عملها لا تسمح بتقديم متابعة يومية ومتخصصة لكل مشروع.
فقد تتم زيارة المشروع كل عدة أشهر، بينما تكون المشكلات قد تراكمت خلال هذه الفترة.
أما في نموذج «شراكات»، فإن الشريك أو الراعي يكون موجوداً بشكل مستمر، ويتابع المشروع بصورة يومية تقريباً، مما يسمح بالتدخل المبكر وحل المشكلات قبل تفاقمها.
التكامل مع الجهات الداعمة
يؤكد العليان أن برنامج «شراكات» لا يهدف إلى استبدال الجهات الداعمة أو التمويلية، بل إلى التكامل معها.
فالجهات المانحة تركز على التمويل وتسهيل الإجراءات، بينما يوفر البرنامج الخبرة العملية والإشراف والمتابعة والتوجيه.
ويرى أن هذا التكامل يمكن أن يسهم بشكل كبير في خفض معدلات تعثر المشاريع وزيادة نسب النجاح بين رواد الأعمال.
طموحات مستقبلية
يأمل أحمد العليان أن يصبح برنامج «شراكات» جزءاً من منظومة دعم ريادة الأعمال في المملكة، وأن يعمل تحت مظلة إحدى الجهات الوطنية الكبرى المعنية بتمويل ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ويعتقد أن جهات مثل بنك التنمية الاجتماعية أو الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) يمكن أن تمثل البيئة المناسبة لتبني مثل هذه المبادرات النوعية.
كلمة أخيرة
في ختام اللقاء، خص أحمد العليان بالشكر والديه وزوجته، مؤكداً أن ما حققه من نجاحات كان ثمرة لما تلقاه من تربية ودعم وقيم إيجابية.
واستذكر والده الراحل بالدعاء والرحمة، مشيراً إلى أنه كان قدوة في حب الخير وخدمة المجتمع، كما أثنى على والدته التي وصفها بأنها مدرسة في التربية، وعلى زوجته التي كانت سنداً وداعماً له في مختلف مراحل حياته.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن نجاح أي مشروع لا يعتمد على التمويل وحده، بل على المعرفة والخبرة والتخطيط السليم، وعلى وجود منظومة داعمة تساعد رائد الأعمال على تحويل فكرته إلى مشروع مستدام قادر على النمو وتحقيق الأثر المنشود.
للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا أحمد العليان

لا تعليق