من عمل خيري لفرص تعليمية مستدامة وجسر للمستقبل تجربة من أحياها الريادية مع شيماء طنطاوي

من عمل خيري لفرص تعليمية مستدامة وجسر للمستقبل تجربة من أحياها الريادية مع شيماء طنطاوي


في هذا اللقاء الثالث من سلسلة ريادة وعبادة والذي نستضيف فيه الأستاذة شيماء طنطاوي، مؤسسة ومديرة جمعية «من أحياها»، يتجاوز الحديث إطار العمل الخيري التقليدي إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للتعليم أن يصبح سلاحًا حقيقيًا في مواجهة الجهل والعنف والفقر؟ وكيف تتحول المبادرات الصغيرة التي تبدأ بـ«شنطة رمضان» إلى مشروع تربوي يصنع فارقًا ممتدًا في حياة أطفالٍ كانوا مهددين بالتسرب، أو العمل المبكر، أو حتى الانزلاق إلى مسارات خطرة؟ بين تجربة ميدانية قاسية، ورؤية تربوية متماسكة، تحكي شيماء رحلة «من أحياها» بوصفها رحلة تأسيس للإنسان قبل بناء الجدران.

الجهل: العدو الذي لا يُرى… لكنه يُفجّر المجتمعات

يؤكد مقدّم اللقاء أن الجهل ليس مجرد غياب للمعلومة، بل «شجرة شوك» لا تكفّ عن طرح الكوارث. فإذا اقترن الجهل بحرية غير منضبطة، نتجت فوضى عارمة؛ وإذا ارتدى ثوب التدين الزائف، انحرف إلى تطرف وعنف أو إلى خرافة ودروشة. ومن هنا يصبح الحديث عن التعليم حديثًا عن أمن المجتمع واستقراره، لا عن تحصيل درجات مدرسية فحسب. وفي رمضان، شهر الانتصار على الأعداء، تبرز أهمية الحديث عن هذا العدو الأول: الجهل… وعن نماذج تقاتله بالعلم والتربية.

من «شنطة رمضان» إلى مشروع مستدام

تروي شيماء أن البداية كانت بسيطة جدًا، تشبه بدايات كثير من الشباب: فكرة مساعدة الجيران والناس غير القادرين من خلال توزيع شنط رمضان والأدوية ودعم الحالات المرضية. لكن السؤال الذي تغيّر معه المسار كان: لماذا يظل الخير موسميًا؟ ولماذا لا يتحول إلى عملٍ مستدام يرافق الناس طوال العام؟
هكذا وُلدت الجمعية رسميًا في منتصف العقد الأول من الألفية، مدفوعة بتبرعٍ وفّر مقرًا ودعمًا أوليًا. ومع الوقت تطورت الأنشطة من مساعدات شهرية إلى مشاريع متفرقة، ثم إلى ملفٍ واحدٍ قررت المؤسسة أن تضع فيه «بصمتها»: التعليم.

«زكاة الوقت»: لماذا التطوع ليس تضييعًا للعمر؟

تواجه شيماء فكرة شائعة لدى بعض الشباب: “لماذا أضيّع وقتي؟ يكفي أن أتصدق بالمال وينتهي الأمر”. لكنها ترى أن التطوع لا يقتطع من وقت الإنسان، بل “يزيد عمره الإنتاجي”. فالخبرة التي يصنعها العمل الأهلي تُكسب الفرد معرفة حقيقية بالواقع، لا معرفة سماعية؛ وتُنمّي مهارات التواصل وبناء العلاقات وإدارة أصحاب المصلحة من متطوعين ومتدربين وموردين ومتبرعين.
بل تذهب إلى أن معظم المهارات التي تعتمد عليها اليوم في الإدارة والقيادة اكتسبتها من الاحتكاك المباشر بالمجتمع، لا من الوظيفة الرسمية وحدها.

فلسفة التعامل مع التبرع: لا استعطاء… بل شراكة

من أكثر النقاط حساسية في العمل الأهلي، كما تقول، العلاقة مع المتبرعين. فهناك من يشعر بالحرج من طلب المال، وكأنه “يتسول”. أما شيماء فترى الأمر بشكل مختلف: المتبرع يحقق مقصدًا يريده، والمؤسسة تؤدي بالنيابة عنه ما يعجز عنه من متابعة وتقييم ووصولٍ للحالات. لذلك لا بد أن تُبنى العلاقة على الندية والاحترام.
وتضيف أن الاستدامة تقتضي وجود فريقٍ متفرغ يعمل بأجر، لأن العمل الممتد لا يقوم على “النية وحدها” بل على نظام وتشغيل. وتعتبر أن الحديث عن أجور العاملين في المجال الأهلي ليس عيبًا ولا نقصًا؛ بل هو حقٌ شرعي وإداري يضمن استمرار الخدمة وجودتها.

نقطة التحول: لماذا التعليم تحديدًا؟

بعد سنوات من أنشطة متنوعة، جاء قرار حاسم وصفته شيماء بأنه “ديكتاتوري” في حينه: إيقاف معظم الأنشطة والتركيز على التعليم. السبب لم يكن تنظيرًا مجردًا، بل خبرة ميدانية في مناطق شديدة القسوة، ظهرت فيها صدامات ومخاطر، ووصل الأمر إلى تهديداتٍ صريحة.
ثم جاء مشهد صادم غيّر كل شيء: طفلان يحاولان الوصول إلى المدرسة؛ أحدهما غرق في مصرف، والآخر سقط من سيارة نقل. عندها ضغط المجتمع المحلي مطالبًا بمدرسة قريبة وآمنة. هنا تحوّلت «من أحياها» من تعليم غير رسمي إلى تأسيس مدرسة مجتمعية تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، تستهدف الأطفال الذين لا تصلهم المدارس النظامية أو تبعد عنهم مسافات مرهقة أو تعوقهم الكثافات.

المدرسة المجتمعية: مجانية… لكنها ليست عشوائية

تشير شيماء إلى أن المدارس المجتمعية تعمل ضمن إطار رسمي، لكن تشغيلها يعتمد على الجمعيات: من اختيار المعلمين إلى تجهيز المكان. بدأت التجربة بفصلين صغيرين، ثم توسعت تدريجيًا حتى وصلت إلى عشرات الفصول ومدارس متعددة.
ولضمان الاستدامة، اشترطت المؤسسة شراكة المجتمع المحلي: من يريد مدرسة، يساهم بالأرض. فالمجتمع شريك لا متفرّج، لأن التجربة علمتهم أن الناس إذا ظلوا يشاهدون الصراع بين “أهل الخير” و”البلطجية” دون انحياز للخير، فلن تستقيم التنمية.

لا ضرب في مدارسنا: التربية بالاحترام لا بالعصا

من أعقد ما واجهته المؤسسة مقاومة المجتمع لفكرة منع الضرب. فالآباء والمعلمات اعتادوا أن “التعليم لا يكون دون عصا”. لكن شيماء تصر على أن الضرب يصنع أثرًا لحظيًا بالترهيب، لا أثرًا تربويًا طويل المدى.
وتحكي كيف بدأت بعض المعلمات متردّدات: “إذا لم نضربهم فماذا نفعل؟”. ثم تحولت التجربة مع التدريب والتأهيل إلى نموذجٍ مختلف: معلمة كانت تخشى دخول الفصل لأنها “لن تضرب”، أصبحت لاحقًا مدربة تقود غيرها. الهدف ليس الفوضى، بل خلق بيئة آمنة تُعلّم الطفل احترام نفسه والآخرين. حتى العقاب عندهم ليس إذلالًا ولا إهانة، بل أدوات تربوية تحرم الطفل من امتيازٍ يحبه داخل المدرسة، لأن المدرسة نفسها أصبحت مكانًا يتمسك به الأطفال لدرجة أنهم “يتسلقون السور” للدخول.

مناهج إضافية: بناء الإنسان لا الحفظ فقط

توضح شيماء أن منهج وزارة التعليم موجود، لكن المؤسسة تضيف برامج مكملة: مكتبة، وفنون وحِرف، وصحة نفسية وجسدية، وتكنولوجيا. الهدف أن يتعرّف الطفل إلى ذاته وهويته أولًا ثم ينفتح على العالم؛ فالطفل في الريف قبل أن يعرف أمريكا يجب أن يعرف قريته ومحافظته وبلده. هذا النهج يحارب “الانبهار الزائف” الذي يجعل بعض الأطفال يعرفون الكثير عن الخارج ولا يعرفون شيئًا عن أنفسهم.
ومن ثمار ذلك مبادرات مذهلة من أطفال صغار: “مكتبة الشارع”، أو معارض كتاب داخل المدارس، أو شغف بالمعرفة يدفع طفلًا لكتابة معلومة على يده كي لا ينساها ويحكيها لأهله.

الدعم النفسي: المدرسة مساحة احتواء

في بيئاتٍ فقيرة تُكثر فيها الضغوط والعنف، تظهر مشاكل العدوانية والقلق والغضب. لذلك تبنّت المؤسسة برنامج دعم نفسي، مع نظام إحالة لحالات تحتاج لتدخل متخصص. وتلاحظ شيماء أن الأثر لا يتوقف عند الطفل؛ أحيانًا تأتي الأم طالبة دعمًا نفسيًا بعد أن رأت معنى “الرعاية” داخل المدرسة.
وتؤكد أن فهم “تاريخ الطفل” يغيّر طريقة التعامل معه: طفل يضرب زملاءه قد يكون يتعرض للعنف في البيت، أو يشعر بالتهديد، أو يحتاج احتواءً حقيقيًا. وهنا يصبح الحب والرحمة مدخلًا إصلاحيًا لا شعارًا.

سوهاج وتجربة النضج

انتقلت «من أحياها» لاحقًا إلى الصعيد، بعد قرارٍ بتثبيت النموذج التربوي أولًا قبل التوسع. وتصف شيماء تجربة سوهاج بأنها نموذج ناضج جُمعت فيه خبرات السنوات السابقة: مساحة كبيرة، تصميم هندسي تعليمي حديث، وتعاون محلي واسع. كما لاحظت أن المجتمع هناك شديد التقدير للتعليم، ويحاسب ويسأل ويشارك، وهو ما تراه ضاغطًا لكنه صحي لأنه يصنع “شراكة واعية” لا علاقة إحسان من طرفٍ واحد.

الاستدامة: من التبرعات إلى نموذج اقتصادي داعم

تعترف شيماء بأن الاعتماد الكامل على التبرعات مخاطرة، خصوصًا مع الأزمات الاقتصادية وتذبذب الميزانيات. لذلك اتجهت المؤسسة للتفكير بمنطق استثماري: إنشاء شركة خدمات تعليمية تقدم خبرات «من أحياها» في التدريب والحوكمة وتصميم البرامج لمؤسسات أخرى، بحيث يعود العائد لدعم المدارس.
وتطرح فكرة الوقف التعليمي بوصفه أعمق أثرًا من “طوب البناء” وحده: كفالة طالب، أو دعم تدريب معلمين، أو تمويل برامج مكتبة وتكنولوجيا وصحة نفسية. فـ”الصدقة الجارية” ليست حجرًا فقط، بل علمًا يُنتفع به.

خاتمة: لماذا يستحق هذا الطريق كل هذا العناء؟

رغم المقاومة، والضغوط، والأزمات التي كادت تُغلق المؤسسة، تصر شيماء على أن المعنى في “الأخذ بالأسباب”. هي لا تعمل لتضمن أن كل طفل سيصبح طبيبًا أو مهندسًا، بل لتفتح مسارًا يمنع أن يتحول طفلٌ مهمّش إلى ضحيةٍ للجهل أو للعنف.
وفي النهاية، تلخّص التجربة نفسها بعبارة واحدة: «نحن لسنا مؤسسة لديها مدارس فقط… نحن مؤسسة تربوية تؤمن بالتعلم مدخلًا لتنمية المجتمع».

للاطلاع على كافة التفاصيل يمكنكم مشاهدة الحلقة على قناتنا باليوتيوب مع ضيفنا شيماء طنطاوي

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *